اليوم الأحد 22 سبتمبر 2019 - 12:32 صباحًا

 

 

أضيف في : الخميس 20 يونيو 2019 - 1:29 مساءً

 

صور من تاريخ الشاوية “متجه نحو أزمور على طول الساحل الرملي مرورا بمنطقة قالو إنها الشاوية أتساءل ماذا تعني ؟- ادموند دوتي

صور من تاريخ الشاوية “متجه نحو أزمور على طول الساحل الرملي مرورا بمنطقة قالو إنها الشاوية أتساءل ماذا تعني ؟- ادموند دوتي
قراءة بتاريخ 20 يونيو, 2019

لقد جرى الاعتقاد أن كلمة الشاوية تحيل على مجال ترابي معين يمتد على طول سهول شاسعة،أكدت هذا المعنى المؤسسات الرسمية عبر خطاباتها أيضا، لكن في الواقع تعني كلمة الشاوية مجموعة بشرية وليس مجالا ترابيا وذلك أن الأوروبيين كانوا على خطأ حينما تصوروا كلمة الشاوية كدلالة على مجال معين، وتحديدا مجال تسكنه قبائل تحمل نفس الاسم. الحقيقة أن هذه الاسم لا يدل على المجال وإنما على الجماعات البشرية التي تسكن المجال.
وكلمة الشاوية جمع لمفرد شاوي، أي الذي يعتني بالشاة (مالك قطيع الغنم)،وأصبحت هذه المهنة تحمل معنا اثني يحيل بشكل ضمني على الرعاة، أما أصل هذه القبائل في أفريقيا الشمالية فهم مزيج بين قبائل من “زناته وهوارة “وجود العديد من الأسماء المشتركة بينهم دليل على ذلك، وتمتاز هذه القبائل بالانتقال والترحال الدائم، و الدليل على ذلك أيضا هناك العديد من القبائل بمنطقة سوس كقبيلة “اولاد سيدي بوشعيب “بسوس تسمى قبائل شاوية.
ارتبط التحديد المجالي لهذه القبائل بكلمة “تامسنا”، وتاريخيا تحيل على المجال الممتد بين ‘وادي أبي رقراق’ ‘ووادي أم الربيع’ وتمتد إلى منطقة ‘آسفي’، حيث اتخذتها ‘الدولة البرغواطية ‘ أرضا للإمارة،ويشير ‘ادموند دوتي’ أن للمنطقة غرائب أبرزها ظهور الرجل الذي ادعى النبوة على غرار النبي محمد.واستطاع هؤلاء الزناتيين و الهواريين الذين جلبهم المرينين، أن يحققوا درجة عالية من الرفاه بامتلاكهم مجالات فلاحية شاسعة، وأصبحوا أسياد البلد (الأعيان).
أما الامتداد الثقافي للشاوية فما يوحده ا وينسجه هو امتدادها على مستوى ثلاث قبائل، أولاد بوزيد و المزامزة، وأولاد سيدي بن داود، اولاد سعيد، مع الإشارة إلى أن إسم ‘تامسنا’ يحيل على مجال ترابي وليس العكس مثل الشاوية، لكن لمذا؟
بكل بساطة لأن الإنتماء العرقي عند المغاربة، يفوق كل انتماء مجالي أو تراب ذلك أن المغاربة يختلفون عن الأوروبيين في فهمهم للسيادة، وهو المشكل الذي منع الباحثين الأجانب خاصة من الوقوف على مفهوم للدولة المغربية، وكان يخطئ كل تصوراتهم فالفرد المغربي لم يكتمل فهمه لمعنى السيادة الوطنية إلى بفهمه وتصوره القومي الديني، ويقول ‘ادموند دوتي’ في هذا السايق:
“إن المغربي مختلف ويشعر بالاختلاف بلباسه، لغته، الحدود التي يعترف بها لتراب يعطيه اسما ويجعله ثرابا”،ويتبث لنا ‘ادموند دوتي’ أن الوحدة القومية المغربية مؤسسة بدرجة أولى على الوحدة الثقافية الروحية الذي يكون الدين اللإسلامي جوهرها، أكثر منها أن تكون وحدة إدارية ويقول ‘ليس هناك أشد و أخطر من الحركة التي تقوم على الدين لأنها تأخذ شكل حرب مقدسة’، ويثبت ذلك جاك برك أيضا بقوله ‘لقد لعب الديني بالمغرب الدور الذي لعبته البيروقراطية بأوروبا ‘.إن ما يمكن تدوينه بهذا الصدد أن القومية المغربية –روحية ثقافية- تشكل العنصر الأساسي القائم بالإنتماء للوحدة الترابية وذلك يبدو مخالفا لما يتصوره الأوروبيين بمجتمعاتهم، وطبيعة الإنتماء إلى الوحدة الوطنية طبيعة روحية ثقافية ميزت المجتمع المغربي” .
يقول ادموند دوتي’ “بما أن الدولة المغربية لها طابع ديني بالأساس، فإن فكرة القومية قد عوضها الإيمان و بالتالي فالفرد المغربي لا يختلف عن الأوروبي في فهمه للسيادة فحسب و إنما أيضا بالكيفية التي تطبق بها حدود ممارسة هذه السيادة”‘،وبالتالي الدولة المغربية حسب دوتي كتصور يبنيه الفرد المغربي، لا تبدو حدود محددة بشساعة ترابية، بل سلطة رمزية تترجم كوحدة روحية تترجمها سلطة الإمام(السلطان) لتمتد ونظريا، لتشمل عمليا كل القبائل التي تصلي باسمه .
إن تصور ‘ادموند دوتي’ بغض النظرعن خلو خطابه من النظرة الاستعمارية أو وجودها، إذا ربطناه بتصور عبد الله العروي باعتباره من مؤسسي المدرسة الوطنية، سيبدو مقنعا لتبرير ماحدده هذا الأخير من عناصر محددة للوحدة المغربية. ويمكن أيضا أن نبرر قبول هذا التصور، إذا تأملنا تاريخيا كيف تقبل المخزن المغربي الإحتلال الفرنسي للجزائر كمصيبة عظمى وكارثة حلت بالإسلام، من خلال رسالة السلطان مولاي عبد الرحمان”…في شأن الواقعة التي ساءت الإسلام و المسلمين وأخذت عيون أهل التقوى و الدين من استيلاء عدو الله الفرنصيص على ثغر الجزائر …” ولم تكن لأحداث تطوان وتوغل الإسبان في الحدود الترابية المغربية، تأثير كبير على حدث احتلال الجزائر، بل اعتبرت من الدرجة الأولى اعتداء على الوحدة الإسلامية واعتبر الحدثين نازلة عظمى أعلن من خلالها الفقهاء إشهار السيف (سيف الجهاد).
لقد شكل السلطان المركز الروحي باعتباره أمير المؤمنين و الصلاة تقام باسمه، مركزية ظلت تجسد الرمزية الروحية الدينية لتوابث الوحدة القومية بالمغرب، حتى أصبح مفهوم الوحدة الترابية غير كافي لتفسير الوحدة المغربية، وبما أن السلطان هو منبع ما يوحد المغاربة فإن سيادتنا وجدودنا مرتبط بوجوده ودوام بركته، أين ما حل وارتحل ” فالسلطان الحكيم هو الذي يجعل من السماء قبته ومن سرج حصانه عرشا له”.
فيما بعد سيصبح امتداد منطقة الشاوية من خلال قبائلها أكثر اتساعا ليشمل اثني عشر قبيلة، تسود العلاقة فها بين الشاوي و الأوروبي علاقة الخوف، فالأجنبي كالساحر يسود التخوف منه تحت اسم البدعة والخوف من الغريب و التجديد الذي يحمله يهدد الوجود الاجتماعي، فالمغربي يراقب الأجنبي وينسج عنه حكايات تجعلك تهرب راكضا منه، إلا أنه في نفس الوقت يعتبره طبيبا مهما كانت مهنته ويطلب منه استخدام مواهبه السحرية، وإذا كان الأجنبي مسلما ّأو يدعي ذلك فإنه يخضع للفصل في الخصومات و النزاعات ويلعب دور الأكرامن، وقد يعتبر شخصا مثاليا ومحبوبا كما حصل مع ‘ليوطي’ الذي شاع بين المغاربة أنه رجل مسلم يكتم إسلامه خوفا من معاونيه.
وعلى المستوى السياسي كشفت الأحداث أن الشاويين لطالما قاموا بحركات تنم عن نوع من التحرر من سلطة القواد، وكان نوع من الاكتفاء الذاتي في حل المشاكل دون اللجوء إليهم، وهذا ما أدى لإضعاف سلطة المخزن بالمنطقة. تاريخيا كشفت الصراعات بين القبائل مثلا بين ‘المزاب’و بين قبائل ‘المذاكرة’ و’أولاد حريز’، تحديدا في فترة كان فيها السلطان مشغولا بحركات بمنطقة ‘تافيلالت’ ولما سمع بالخبر أرسل أحد أبنائه ليفرض على القبائل المتهمة أن ترجع ما نهبته من القبائل الأخرى وعزل قيادها، وكان الشاويين يرفضون الاستفزاز الذي يقوم به الأجانب لهم وفي كثير من المرات كانوا يقتلون من يعتدي عليهم ويرضون بحكم السلطان.
نموذج انتفاضة الشاوية (1903-1907)
تزامنا مع حدث ثورة القبائل بشرق فاس بزعامة الجيلالي الزرهوني (بوحمارة ) و الذي ادعى بأنه أخو السلطان المنفي، ودعى قبائل الشاوية للإنضمام إليه وعمل قياد المنطقة على إجبار القبائل بدفع الإتاوات لخليفتهم المزعوم أبو حمارة، من أجل دعم ثورته المباركة، كتب أحد القياد (عبد السلام بن الرشيد الحريزي )إلى أعيان قبيلته يدعوهم إلى الخضوع إلى أمر الخليفة الجديد وجء في رسالته:
” إخواننا أعيانكم وعامتكم ها نحن ذاهبون للحركة الشريفة فعليكم أن تظهروا ما ننتظر منكم من طاعة للمخزن كما هي عادتكم فلا تتهاونوا وقدمو الطاعة لولي الله وأنا من بعيد وراء ما أراه وأسمعه من جهتكم”
و الواقع أن ‘أولاد فرج’ (قبيلة دكالية) محادية للشاوية أعلنت ثورتها ضد قائدها أيضا، ثم انتشرت الإنتفاضة بهجوم السكان على قصبة القائد وتخريبها، ونظمت الساكنة نفسها تهاجم قصبات القياد الذين بايعو ‘بوحمارة’ وعزز ذلك الرسالة التي أرسل بها إليهم السلطان يقول فيها:
‘فقد بلغ علمنا الشريف أن فرقة من اولاد سعيد تحاول أن تجبركم في نفس السبيل لتسود صحائفكم بإتباعها وأن لا تخضعوا وابعثوا من أعيانكم من نستشيره في صلاح القبيلة’

إن هذه المحاولة البسيطة جاءت في سياق بحث بسيط جدا عن مرجعية تاريخية للمنطقة، والحقيقة أن قراءتي لبعض المراجع التي حاولت تدوين تاريخ لها، لم تستجيب لتطلعاتي في نسج ورقة تتناسب مع الفئة المستهدفة، لذلك اخترت تطويع بحثي هذا للبحث في جزء بسيط عن هوية الشاوية، وهو ما عملت عليه من خلال البحث في الامتداد الثقافي و المجالي و السياسي للشاوية .

المهدي بسطيلي – طالب باحث في سلك الماستر ( ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية)