اليوم الأحد 17 نوفمبر 2019 - 12:42 مساءً

 

 

أضيف في : الأربعاء 10 يوليو 2019 - 10:32 مساءً

 

نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة

نظرة على الوظيفة الاجتماعية للغة
قراءة بتاريخ 10 يوليو, 2019

اللغة هي مجموعة من الرموز الاتفاقية الاصطلاحية، يتم التعبير والإشارة من خلالها إلى أشخاص أو أنشطة أو مشاعر أو مفاهيم مادية أو مفاهيم مجردة.
واللغة ليست هي الواقع نفسه، فأي كلمة ليست هي الشيء نفسه الذي ترمز إليه، وبالأحرى يمكننا القول إن اللغة ترمز إلى جزء من الواقع وليس إلى الواقع بأكمله.
وأي لغة هي مجرد شفرة رمزية لا بد من إتقانها كي يمكن التواصل من خلالها. ولقد طوّر البشر أنواعًا عديدة من الأنظمة الرمزية عبر الزمن. ‏وتهدف النظم الرمزية إلى نقل المعلومات بدقة وبانتظام، والتي تكون ذات معنى من الناحية ‏الثقافية.
وأي لغة منطوقة ومكتوبة، وكذا النظم الرياضية بما تحوي من أرقام وعلامات الحساب والبسط والمقام والفواصل العشرية، والمعادلات المنطقية، ‏والخرائط والرسوم البيانية واللوحات، وغيرها، ما هي إلا أمثلة لتلك النظم الرمزية أو الشفرات التي لا معنى لها إلا لدى من يعرف مدلولاتها، لكن تبقى اللغة الملفوظة هي المعنية عند الحديث عن اللغة كونها تميز الإنسان؛ أي إنسان، ولا أعني الملكة الفطرية لدى الإنسان التي تمكنه من تعلم اللغة، بل أعني اللغة الصوتية المُعيَّنة التي يتعلمها الإنسان في بيئته بعد ميلاده لأنها وسيلة الإنسان الأهم للتواصل مع الآخرين.
تتعدد اللغات حول العالم باختلاف أجناس البشر وثقافات الشعوب. ورغم أنه بالإمكان الادعاء أن هناك قواعد عامة تتأسس عليها جميع لغات العالم؛ تمثل القدرة الفطرية التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وتمكنه من تعلم لغة أي مجتمع ينشأ فيه، مهما تباينت تلك اللغات، فإن تاريخ الإنسان الطويل على ظهر الأرض قد صنع اختلافات بين اللغات لا يُستهان بها.
التسمية
لعالم اللغة والفيلسوف فردناند دي سوسور الفضل في توضيح التصور حول الرموز التي تتكون منها اللغة، فالرموز (التسميات) يتكون كل منها من دال ومدلول. الدال عند سوسور هو الصوت الملفوظ أو الحرف المكتوب، والمدلول هو الصورة الذهنية التي يكونها العقل عن الرمز. فإن كان الرمز هو (الحقيبة) فالدال هو الأصوات الخمسة المكونة لكلمة (حقيبة) والمدلول هو ذلك التصور العقلي عن الحقيبة.
لأجل ذلك تتأثر رموز كل لغة بالنظام الصوتي للغة الذي يشكل الدلالات للرموز، كما تتأثر الرموز بالصورة التي تنقلها حواسنا ويكونها عقلنا عن مدلولات الرموز. لكن، وكما أوضحت في البداية فاللغة أوسع من أن تُحصر في اللغات الصوتية؛ فهي أي رموز اتفاقية، ولا يلزم أن تكون لغة صوتية.
ومما يميز اللغة العربية أن التسميات التي تُخلع على رموزها ليست اتفاقية اصطلاحية فقط بل ومنطقية، فهناك علاقة واضحة دائمًا بين الدال والمدلول، فالشجرة سُميت كذلك لاشتباك أفرعها وتشاجرها، وليس لأن العرب اتفقوا فقط على تسميتها شجرة! أما في اللغات الأخرى فتكون أغلب التسميات اعتباطية اتفاقية وليست منطقية. كما أن للرمز في العربية مدلولات كثيرة، وإن كان المستقرئ لتلك المدلولات يجد ارتباطًا بينها على اتساعها، بينما تكون مدلولات الرموز في اللغات الأخرى أقل عددًا وترابطًا.
وللأسماء التي تُطلق على الأشياء في أي لغة أثرها في تكوين تصور أغلب الناس عنها؛ فقلة من الناس من يلتفتون إلى حقيقة الشيء لتكوين تصورهم عنه، وهو ما يُعرف بالتوجيه العملي الواقعي، ولا يلتفتون إلى ما خُلع من تسميات على تلك الأشياء والتي قد تكون خادعة. بينما أغلب البشر يتم توجيههم توجيهًا متعمدًا إلى تكوين تصورات غير حقيقية عن الأشياء من خلال إطلاق مسميات لا تتفق مع حقيقة تلك الأشياء. من ذلك تسمية الجيش الإسرائيلي الذي يعتدي على المدنيين يوميًا ويقتلهم بـ “جيش الدفاع”! وتسمية جماعة دينية ذات فكر متشدد يخالف روح الإسلام وما عُرف عن الصالحين من سلف الأمة باسم “الجماعة السلفية”!
بل إن من الدراسات النفسية والاجتماعية ما أشار إلى أن تغيير وتحويل التسميات يؤثر في تغيير النظرة إلى الأشياء من سلبية إلى إيجابية أو العكس؛ فإن كان لابنك منظور سالب عن نفسه بأنه بطئ التفكير في اتخاذ قراراته، يمكنك تغيير هذه التسمية لتكون أنه يفكر مليًا في الأمور، وسينعكس هذا على نظرته لنفسه، ونظرة غيره له ممن يتبنون التسمية الجديدة. مع ملاحظة ضرورة توفر الصِدقية وعدم التهوين من شأن أي مشكلة حقيقية موجودة.
وينبغي تفهم أن التسمية في أغلب الأحيان لا تكون إلا تعميمًا وتكوينًا لمفهوم ما نتيجة التركيز على نواحي التشابه وتجنب النظر للاختلافات، فهذا كتاب والآخر كتاب، ولا يعني من يطلق التسمية محتوى أي منهما أو اسم مؤلفه أو أي عامل آخر من عوامل الاختلاف؛ فاستخدام المصطلح العام يصرف الانتباه عن تفرد كل شيء يندرج تحته.
وظائف اللغة
اللغة هي دالة الفكر، عن طريقها يصوغ الإنسان أفكاره؛ ويفكر داخل الحدود التي تمنحه إياها. هي “مجلى للفكر وترجمان له” كما ذكر الإمام محمد عبده. هي الوعاء الذي يحمل فكر الإنسان وينقله من عقله إلى عقول غيره في الدنيا الفسيحة. وكم تختلف نظرة الإنسان باختلاف اللغة التي يفكر ويعبر بها، ولا أحسبها مسألة تقتضي النقاش أن بنية اللغة التي يتحدثها الإنسان تؤثر في طريقة تفكيره، ولعلنا نلاحظ الفرق بين التفكير الشرقي والغربي. ومن جرّب الحديث والكتابة بلغتين مختلفتين يلاحظ أكثر من غيره كيف أنه حين يفكر ويتحدث ويكتب باللغة العربية يختلف كثيرًا عنه عندما يفكر ويُعبِّر بلغة هندو أوروبية.
وتتأثر عملية عقلية أخرى باللغة خلاف التفكير؛ وهي عملية الإدراك، وهناك دراسات تؤكد أن اللغة التي نتحدثها تؤثر على فهمنا وإدراكنا للعالم من حولنا، وما لا يوجد لفظ يعبر عنه في لغتك لن تستطيع إدراكه! بل وهناك دراسات تشير إلى أن تحدث الفرد بلغتين ينشط كلا النصفين الكرويين للمخ، ومن ثم تنشط عنده معالجة المعلومات المتعلقة بالفهم والإدراك، ويفكر بشكل أفضل، وينعكس ذلك في ارتفاع نسبة نجاح ما يتخذه من قرارات.
لكن ليست وظيفة اللغة الفكرية هي موضع حديثنا هنا؛ وإن كان لا يمكن الفصل بينها وبين وظيفتها في التواصل الاجتماعي؛ فاللغة هي وسيلة النوع البشري الأهم للتواصل. هي شأن إنساني خالص لا سبيل إلى مقارنته بتلك الأصوات التي تصدر عن الحيوانات.
وكل الألفاظ في اللغة العربية التي تدل على جودة التعبير اللغوي مادتها الأساسية هي الوصول والوضوح. البيان أصلٌ معناه الوضوح، والفصاحة من “فصح اللبن” عندما تزول رغوته ويظهر ويَضَح، والبلاغة مادتها بلغ؛ بمعنى أن ما أقوله قد بلغك فوعيت ما أعني. لكن الوضوح لا يعني الضحالة الفكرية وقلة العمق في المعنى على كل حال.
ولعل من أشهر تصنيفات وظائف اللغة ذلك التقسيم الثلاثي لها الذي وضعه عالم النفس الألماني الشهير كارل بوهلر، اعتمادًا على المكونات الثلاثة الرئيسية في أي حديث؛ وهي المُرْسِل والمُرْسَل إليه وموضوع الحديث. وعليه اعتبر بوهلر ثلاث وظائف للغة ترتبط كل منها بأحد تلك المكونات؛ فالوظيفة التعبيرية الانفعالية ترتبط بالمُرسِل، والوظيفة التأثيرية الانتباهية الإشارية ترتبط بالمرسل إليه، أما الوظيفة الوصفية التمثيلية فترتبط بالموضوع الذي يتم التعبير عنه.
وقد أخذ بتصنيف بوهلر فيلسوف العلم كارل بوبر، بعد أن أضاف إليه وظيفة رابعة وهي المُحاججة التي هي أساس النقد‏، وهي أهم وأعلى وظائف اللغة عند كارل بوبر.
وتصنيف بوهلر شأن أغلب التصنيفات التي حاولت البحث في الوظيفة الاجتماعية للغة باعتبار الهدف الرئيسي من التكلم هو التواصل بين مُرْسِل ومُرْسَل إليه.
إن اللغة الملفوظة هي أول ما يتعلم الإنسان، وهي تؤدي لنا وظيفة اجتماعية هامة أبعد أثرًا من نقل الكلمات؛ فاللغة هي أساس تكوين العلاقات الاجتماعية المتنوعة. ويذهب العالم اللغوي إدوارد سابير إلى أن اللغة هي على الأرجح أعظم قوة من القوى ‏التي تجعل من الفرد كائنًا اجتماعيًا. ويعلق د/عثمان أمين في كتابه “فلسفة اللغة العربية” أن ‏مضمون هذا الرأي أمران: الأول أن اتصال الناس بعضهم ببعض في المجتمع البشري لا ‏يتيسر حصوله بدون اللغة. والأمر الثاني أن وجود لغة مشتركة بين أفراد قوم أو أمة من شأنه ‏أن يكون هو نفسه رمزًا ثابتًا فريدًا للتضامن بين الأفراد المتكلمين بها.‏ والأمر الثاني هو ما يُشار له باسم القومية.
أما وأن البشر لا يمكن أن يتواصلوا بدون لغة الكلام، فهذا ولا شك جزء من معضلة التواصل البشري، وليس انعدام اللغة الملفوظة هو الحائل الوحيد الممكن، فكما أن وحدة اللغة تدعم التشابه في سلوك البشر وثقافتهم في المجتمعات الإنسانية التي تتكلم اللغة نفسها، فإن اختلافها يتزامن مع اختلافات سلوك البشر؛ لأنه من أبرز العوامل المؤدية إلى اختلاف الثقافة. يشير دين آرشر ‏(Dane Arsher, 2001)‎‏ إلى أن الثقافة أحيانًا ما تصبح مثل الحاجز الذي يمنعنا ‏من فهم الأشخاص من مجتمعات أخرى، وأيضًا يمنعهم من فهمنا، وكثيرًا ما نخطئ في فهم ‏الأفراد من ثقافات مختلفة عن ثقافتنا بسبب اختلافات في اللغة أو اللهجة أو القيم أو ‏الإيماءات أو التعبير الانفعالي أو المعايير أو الشعائر أو القواعد أو التوقعات أو الخلفيات ‏الأسرية أو خبرات الحياة.
وفي كتابه “فلسفة اللغة العربية” ينقل لنا د/ عثمان أمين ما أورده العالم ألبرت عن وظائف اللغة الاجتماعية فيقول: إنها تجعل للمعارف والأفكار البشرية قيمًا اجتماعية، بسبب استخدام المجتمع للغة بقصد الدلالة على أفكاره وتجاربه؛ وإنها تحتفظ بالتراث الثقافي والتقاليد الاجتماعية جيلًا بعد جيل؛ وإنها باعتبارها وسيلة لتعلم الفرد تعينه على تكييف سلوكه وضبطه، حتى يلائم هذا السلوك تقاليد المجتمع وسلوكه؛ وإنها تزود الفرد بأدوات للتفكير. وما كان المجتمع البشري ليصير إلى ما هو عليه الآن بدون التعاون الفكري لتنظيم حياته. ولا يتأتى هذا التعاون الفكري إلا بالتفاهم وتبادل الأفكار بين أفراد المجتمع. والوسيلة العملية الميسورة لهذا التبادل والتفاهم هي لغة الكلام؛ وبدونها ينحط التفاهم إلى مستوى التعبير عن المدركات المحسوسة والانفعالات الأولية.
ويُفهم من كلام ألبرت السابق أنه يصنف أنماط التواصل إلى لغة الكلام ولغة انفعالية حسية، وهو تصنيف يكاد يتفق عليه كل من درسوا التواصل الاجتماعي؛ حيث يكاد يكون هناك اتفاق بين العلماء على تصنيف التواصل الاجتماعي إلى تواصل لفظي؛ أداته الوحيدة هي لغة الكلام، وتواصل غير لفظي ويشمل كل السلوكيات اللفظية (الصوتية) وغير اللفظية بين الأشخاص عدا الكلمات المتحدث بها.
فالتفاعل الاجتماعي في مضمونه ليس سوى تبادل منظم للرسائل اللفظية وغير اللفظية بين الناس، أي إنه يحدث عن طريق وسيلتين من وسائل الاتصال هما اللغة المتحدثة (الاتصال اللفظي) Verbal Communication والاتصال غير اللفظي Non-verbal Communication، فإذا كان الاتصال اللفظي هو الكلمات الحقيقية المتحدث بها، فإن الاتصال غير اللفظي يشتمل كل السلوكيات بين الأشخاص عدا الكلمات.
وفي تصنيفه للمهارات الاجتماعية التواصلية قسّم رونالد ريجيوRiggio,1989)‎‏)‏ تلك المهارات كما تظهر في جانبين ‏من جوانب سلوك الفرد:‏
‏1-‏ الجانب الاجتماعي: ويختص بالاتصال اللفظي.‏
‏2-‏ الجانب الانفعالي: ويختص بالاتصال غير اللفظي. ‏
وكل جانب منهما يضم أنواع المهارات الثلاث: الإرسال (التعبير) والاستقبال (الحساسية) والضبط.
أ‌- مهارات في الإرسال Skills in Sending أو ما يعرف بالتعبيرية Expressivity
وهي المهارة التي يعبر بها الأفراد عن أنفسهم، وتظهر في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فهناك نوعان من مهارتيّ التعبير هما:
– التعبير اللفظي (إجادة لغة الكلام) Verbal Expressivity
– التعبير غير اللفظي (الانفعالي) Non verbal (Emotional) Expressivity
والفرد الذي يمتلك مهارة التعبير اللفظي هو الذي يجيد التعبير بالكلام عما يريد. يعرف كيف يبدأ محادثة ويستمر فيها وصولًا إلى إنهائها بعد تحقيق الغرض منها، أما الفرد الذي يمتلك مهارة التعبير الانفعالي فهو الذي يكون قادرًا على إرسال الرسائل غير اللفظية كتعبيرات الوجه ولغة الجسد وغيرها للتعبير عن نفسه من خلالها.
ب‌- مهارات في الاستقبال Skills in Receiving أو ما يعرف بالحساسية Sensitivity
وهي المهارة التي يفسر بها الفرد الرسائل التي يبعثها الآخرون، وتظهر أيضًا في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الحساسية هما:
– الحساسية اللفظيةVerbal Sensitivity ، وتعني فهم مغزى ما يقول الآخرون، وكذلك فهم ما وراء سلوكهم اللفظي.
– الحساسية غير اللفظية (الانفعالية) Non verbal (Emotional) Sensitivity، وتعني القدرة على فهم وتفسير الانفعالات والمشاعر المُضمّنة في الرسائل غير اللفظية التي تُرسل للفرد من الآخرين.
ج- مهارات في التحكم والضبط والتنظيم Skills in Regulating or Controlling أو ما يعرف بالضبط Control
وهو المهارة التي بها يصبح الأفراد قادرين على تنظيم عملية التواصل في المواقف الاجتماعية، وتظهر كذلك في الجانبين اللفظي وغير اللفظي (الانفعالي)، فيكون هناك نوعان من مهارتيّ الضبط هما:
– الضبط اللفظيVerbal Control ، ويعني لعب الدور الاجتماعي المناسب، وضبط الاتجاه والمحتوى خلال الحديث.
– الضبط غير اللفظي (الانفعالي) Non verbal (Emotional) Control، وهو الكفاءة في ضبط الانفعالات.
الاتصال اللفظي Verbal Communication
يُقصد بالاتصال اللفظي الكلمات الحقيقية المستخدمة في المحادثة، ويتم عن طريق استخدام اللغة بين المتحادثين؛ إذ إنه بالرغم من الأهمية التي أصبحت تُعطى لتفسير القنوات غير اللفظية في الاتصال، إلا أنه من المؤكد أن عملية الاتصال لا يمكن أن تتم دون وجود دعم لفظي.
نحن نستخدم التواصل اللفظي لتقديم النصائح أو عرض المعلومات أو توجيه الآخرين أو صنع القرارات، وغيرها، ناقلين ما لدينا من معلومات وأفكار واتجاهات ومعايير وقيم ومشاعر، مما يستحيل توصيله للآخرين دون كلمات.
وتُمكِّن إجادة مهارات الاتصال اللفظي الفرد من التأثير في الآخرين، وربما كانت مهارة التعبير اللفظي تحديدًا أكثر المهارات التي يُقدر الناس الأفراد المتميزين فيها؛ فالناس تتفاوت في امتلاكهم أدب الحديث، وفي صيغهم التعبيرية، وفي كيفية إظهارهم الاعتراض أثناء الحوار، وكذا في استخدام صيغ الأمر، وليس كل البشر قادرين على المبادأة وإدارة حديث ذي معنى مع الآخرين والتحدث بطلاقة ولباقة واقتدار، وعادة يُنظر إلى هؤلاء كحكماء. لكن قيمة الحديث التي يحددها مقدار مهارة التعبير اللفظي ليست كافية ليكون مشوقًا، فذلك أمر آخر تحدده مهارة التعبير الانفعالي.
ولا تقتصر مهارة الحساسية اللفظية على امتلاك الفرد القدرة على تفسير الكلمات أثناء التفاعل الاجتماعي، وإنما تشتمل إضافة إلى ذلك، الوعي بآداب السلوك الاجتماعي وفهم القواعد والمعايير التي تحكم السلوك الاجتماعي الملائم، والالتزام بها. ولأنها مهارة استقبال وليس إرسال، فإجادتها تستلزم الانتباه للآخرين والإنصات الجيد لهم وملاحظة سلوكهم، لأجل استقبال أي تلميحات أو إشارات لفظية تصدر عنهم، مهما كانت بسيطة.
يتميز الشخص مرتفع الحساسية اللفظية بملاحظته إشارات يغفل عنها من تنخفض عنده تلك المهارة، لكن المشكلة أن ارتفاع الحساسية اللفظية عندما يتلازم مع انخفاض التعبير اللفظي وانخفاض الضبط اللفظي يكون عائقًا كبيرًا أمام الفرد للمشاركة في التفاعلات الاجتماعية.
والضبط اللفظي هو المهارة في لعب الأدوار الاجتماعية المختلفة بكفاءة، والقدرة على التكيف والثقة بالنفس عند مواجهة أي موقف اجتماعي، وعند التعامل مع أناس من خلفيات مختلفة وذوي أهمية مختلفة، ويشمل ضبط الاتجاه والمحتوى في التفاعلات الاجتماعية.
صيغة الحوار اللفظي
إذا كانت الكلمات هي التي تشكل محتوى الرسائل اللفظية، فإن تلك الكلمات غالبًا ما تشكل في الحقيقة نوعين من المحتوى يتم تضمينه في الرسالة؛ محتوى معرفي يعبر عن الحقائق والمعارف والأفكار والأشخاص والحوادث المتصلة بموضوع الرسالة اللفظية، ومحتوى انفعالي يُعبر عنه أيضًا لفظيًا من خلال الكلمات؛ حيث يصف مشاعر الفرد تجاه الموضوع. وهذا الأخير يختلف عن المحتوى الانفعالي الذي يُعبر عنه عبر القنوات غير اللفظية، والذي يُصنف كاتصال غير لفظي.
ولإيجاز الحديث أو تفصيله أثره الكبير في جودة التواصل اللفظي؛ فالحديث القصير والكلمات الموجزة الوافية المعنى على اختصارها، أكثر قدرة على تكثيف المعنى، وترسيخه في الأذهان. وهذا لا يعني أن التفاصيل لا لزوم لها على الدوام، فهناك مواقف يصبح فيها الاختصار مخلًا بالمعنى والقصد، ويتسبب في إساءة الحكم. وتعد مشكلات معدل الحديث (ندرة الكلام- الثرثرة) من أكثر مشاكل السلوك اللفظي شيوعًا، ولعلها السبب الأول في قائمة أسباب مشاكل التواصل بين الجنسين، ولنا عودة معها في مبحث منفصل.
ويتغير كذلك محتوى الحوار الذي ينشأ بين فردي الجماعة الثنائية تبعًا لتغير موقف كل منهما في تفاعله مع الآخر، وقد يرغب أحدهما في الحديث بينما يتجنب الآخر الحوار فينقطع الحوار! وكثيرًا ما تتحول الحوارات إلى جدل أو يشتاط أحد الطرفين أو كلاهما غضبًا أو يسخر أحدهما من الآخر أو تحدث إطالة أو خروج عن هدف الحوار.
ومن أهم محددات التواصل اللفظي بين فردين ما إذا كانت الرسالة اللفظية المرسلة مباشرة أو غير مباشرة. فرق كبير بين أن تخبر صديقك أنك تود تناول البيتزا، وبين أن تطلب منه أن يرافقك إلى محل البيتزا. في الحالة الثانية الرسالة اللفظية مباشرة توضح الفعل الإجرائي المطلوب من المستقبل للتجاوب مع المرسل، ولا يمكن للمستقبل أن يخطئ فهمها، وإن كان منشغلًا. أما في الحالة الأولى فقد لا ينتبه المستقبل للمعنى الحقيقي للرسالة وأنك تطلب منه مرافقتك إلى محل البيتزا.
ورغم أن الرسائل اللفظية المباشرة أيسر توصيلًا للمعنى المراد إلا أن كثيرًا من البشر يلتفون ويراوغون في توصيل الرسالة، ويصيغونها صياغة غير مباشرة، ويرون في استخدامها تفاعلًا اجتماعيًا أكثر تهذيبًا من الرسائل المباشرة، كما أن من يستخدمونها أقل ثقة واستقلالية، أو لنقل إن ارتفاع حساسيتهم اللفظية وتخوفهم من أن تلاقي رسالتهم الرفض وعدم التجاوب من المستقبل يكون سبب تلك الصياغة غير المباشرة، وكذا قد يحمل هذا الالتفاف في الصياغة تهرب المرسل من الالتزام الحرفي الذي تحمله الرسالة اللفظية المباشرة.
ويشكل عدم المباشرة في صياغة الرسائل اللفظية ركيزة أساسية لمشكلات التواصل وسوء الفهم بين المرسل والمستقبل. وكثيرًا ما أتساءل: لماذا يفضلون الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وعدم الدخول في الموضوع مباشرة؟ ولماذا هذه التكتيكات المستخدمة لإيهامي أن الرسالة المقصودة جاء الحديث عنها عرضًا في سياق الحديث عن أشياء أخرى لا علاقة لها بمحتوى الرسالة الأساسية التي تم كل هذا الالتفاف لأجل توصيلها؟!
كما تعتبر الطريقة التي يعبر بها الفرد عن نفسه خلال الحوار محددًا هامًا له. الفرد الذي يستخدم ضمير المتكلم (أنا) للتعبير عن نفسه يكون أكثر مسئولية وأكثر اقترابًا من مشاعره وأفكاره ممن يستخدم ضمير المتكلم (نحن)، أو ضمائر الغائب، أو صيغة المبني للمجهول، أو أي صيغ تبعد به عن الإقرار بمشاعره بشكل مباشر، وأشهرها استخدام ضمائر المخاطب لنسبة المشاعر إلى الآخرين وإلقاء المسئولية عليهم أو توجيه اللوم لهم. وفرق كبير بين “أنا أشعر بالضيق” وبين “أنت تسبب لي الضيق”.
ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن تحويل المسئولية ولوم الآخرين ليست الصيغة الوحيدة التي يستخدمها الأفراد لتشويه الواقع؛ فهناك صيغ أخرى مثل التبرير لشيء سيء، أو تسويف الأعمال بادعاء أن لا شيء يستلزم البدء في العمل الآن، أو التغافل عن الأخطار الحقيقية، أو إظهار الرضا عن الذات في مواضع يستلزم فيها الندم.

وأخيرًا تبقى كلمة أقولها: اللغة هي وسيلة تواصل لا وسيلة تفاخر. ونحن نتعلم اللغات الأخرى لأجل اكتساب العلم بها، وكي نفهم الآخرين ونساعدهم، ولكن تعلم اللغة الأجنبية بالنسبة لكثيرين من أبناء هذا الجيل في مجتمعاتنا ليس أكثر من وسيلة تفاخر وغاية في حد ذاتها، لتكون دلالة على حملهم الثقافة الغربية، رغم أنهم قد لا يحملون من تلك الثقافة إلا زخارفها، وأنهم لا يستطيعون إقامة حوار ذي قيمة مع فرد أجنبي، وماذا يملك من عقله فارغ أن يقول؟! فاهتمامهم الأول والأخير منصب على اكتساب اللهجة التي تتشابه ولهجة متحدثي اللغة بالميلاد، وليس على التعلم والتواصل البنّاء مع الآخرين من خلال اللغة!
بعض محددات التواصل اللفظي الفعّال
1- أن يكون محتوى الرسالة هامًا للمرسل والمستقبل.
2- استخدام لغة بسيطة وجمل مكتملة للتعبير عن الأفكار.
3- استخدام تعبيرات لفظية تتناسب مع المستوى الثقافي للمستقبل.
4- التسلسل المنطقي للأفكار.
5- أن يكون محتوى الرسالة صادقًا، ويُفضل أن يكون مباشرًا قدر الإمكان.
6- التحديد الجيد لمحتوى الرسالة، فيُراعى عدم الاسترسال في عرض تفاصيل يكون المستقبل في غنى عنها، وكذلك عدم الاختصار المُخل بمحتوى الرسالة.
7- مراعاة عوامل الاتصال غير اللفظي المصاحبة لإرسال الرسالة، سواء العوامل الخاصة بالصوت أو تعبيرات الوجه وغيرها.
8- الحرص على تبادل الأدوار، والاستماع الجيد عند القيام بدور المستقبل، والحرص على إيصال رسالة مفادها المتابعة والفهم للمحتوى، ثم الاستفادة من التغذية المرتدة (الآراء الراجعة) التي يمد بها شريك الحوار.
9- اختيار المكان والزمان المناسب لإرسال الرسالة.
معوقات الاتصال اللفظي الفعّال
أ- المعوقات المتعلقة بالمرسل
1- عدم الاهتمام بالعملية الاتصالية من أساسها، وربما عدم الاعتقاد بأهمية التواصل مع المستقبل، فهو يقوم بها كإجراء روتيني إن كان اتصالًا في مجال العمل، أو لاسترضاء الشريك في العلاقات الشخصية.
2- عدم الاعتناء بفهم أبعاد موضوع الاتصال وبالإعداد لعملية التواصل.
3- الارتباك والحرج من التعبير بوضوح عن محتوى الرسالة الذي يدور في ذهنه.
4- استخدام جمل مقطعة وغير تامة.
5- استخدام ألفاظ وعبارات غامضة أو لا تتناسب مع المستوى الثقافي للمستقبل.
6- عدم استخدام وسائل اتصال مناسبة.
7- عدم الانتباه لحديث المستقبل عند تبادل الأدوار للحصول على التغذية المرتدة المناسبة.
8- إحراج المستقبل والتشويش عليه عمدًا.
ب- المعوقات المتعلقة بالمستقبل
1- عدم الاهتمام بعملية الاتصال مع المرسل، أو عدم الانتباه لها.
2- افتقاده الاستماع الجيد للمرسل.
3- إساءة فهم الرسالة.
4- عدم الاستفسار عن أي محتوى غامض.
5- الحكم المسبق على الرسالة.
6- الاستماع للرسالة بغرض انتقادها لا بغرض فهمها.
7- عدم إصدار استجابة مناسبة للرسالة للحفاظ على دينامية التفاعل.
ج- معوقات مسار إرسال الرسالة
1- البعد المكاني بين المرسل والمستقبل؛ فبعض الرسائل يصعب إيصالها عن بعد.
2- الضجيج الذي يمنع المستقبل من استقبال محتوى الرسالة بشكل صحيح.
3- وسائل الاتصال غير المناسبة لنقل محتوى الرسالة.
4- تقنيات اتصال ضعيفة.
د-معوقات عامة
1- اختيار توقيت سيء من المرسل لإرسال الرسالة إلى المستقبل.
2- الإرهاق بالنسبة لكلا الطرفين المرسل أو المستقبل؛ فقد يُضطر أحدهما أن يشارك في عملية الاتصال تحت ضغط الإرهاق.
3- الإحباط الذي يصيب أحد طرفي عملية الاتصال، وعدم اقتناعه بوجه عام بجدوى عملية الاتصال.
4- الوقت المحدد لإرسال الرسالة أضيق من أن يتسع لكم المحتوى المطلوب إرساله.
5- لا يوجد نظام أو مكان مناسب لإجراء عملية الاتصال.
6- عدم الانتباه لأثر الفروق الفردية أو النوعية أو الثقافية في شخصية المستقبل.
الأسباب الشائعة لمخاوف التواصل اللفظي
1- عدم الإلمام بشكل جيد بموضوع الرسالة.
2- ضعف القدرة اللغوية.
3- تحدث اللغة بلهجة غريبة.
4- ضعف الذاكرة بالدرجة التي يصعب معها الاحتفاظ بتسلسل الأفكار.
5- الخجل كسمة من سمات الشخصية.
6- الخوف المبالغ فيه من رد فعل المستقبل إزاء محتوى الرسالة أو طريقة إرسالها.
7- ضعف الضبط الانفعالي لانفعال الخوف من التواصل اللفظي، مما يؤدي إلى ظهور علامات فسيولوجية واضحة له كالعرق ورجفة الصوت ورجفة اليدين.
والحل يكمن في التغلب على أسباب تلك المخاوف، وأهم تلك الطرق التدريب الجيد، وطلب رأي المقربين، وإهمال أمر اللهجة، واستخدام بطاقات للمساعدة في التذكر إن أمكن، والتدريب على استراتيجيات تساعد على الضبط الانفعالي للخوف كالتنفس بعمق وتجنب اتصال خط النظر والتحدث ببطء وفرك اليدين وغيرها.
وبوجه عام فإن للاتصال اللفظي أنماطًا أساسية ‏‏Verbal Communication Types‏ هي:‏
‏1-‏ التساؤل (الاستفهام) ‏Questioning‏.
‏‏2-‏ التفسير ‏Explaining‏.‏
‏3-‏ الإفصاح عن الذات ‏‎. Self-disclosure
‏4-‏ المبادأة والإنهاء (الاستفتاح والختام) ‏Opening and Closing‏.‏
‏5-‏ التوكيدية ‏Assertiveness ‎‏ .‏
‏6-‏ التدعيم ‏Reinforcement ‎‏.‏
‏7-‏ الاستماع ‏ (الإصغاء) Listening ‏.‏
‏ ‏

المصدر: د. منى زيتون / المثقف