اليوم الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - 5:33 مساءً

 

 

أضيف في : الثلاثاء 30 يوليو 2019 - 11:44 مساءً

 

العلاقات التونسية المغربية خط احمر

العلاقات التونسية المغربية خط احمر
قراءة بتاريخ 30 يوليو, 2019

افتتاحية الجريدة التونسية “الصحافة اليوم” ليوم غد الأربعاء للهاشمي نويرة .

تُقاس متانة العلاقات بين الدول والمجتمعات بصلابة الأسُس التي تنبني عليها وأمّا التفاصيل والإختلافات الظرفية فالمفروض أنّها لا تُفسد للودّ قضية، وإنّ ما يجمع تونس والمغرب هو وحدة المصير فضلا عن وحدة التاريخ والطموح ووحدة الجغرافيا وبالتالي فإنّ المسائل العرضية زائلة لامحالة.
ويهمّنا القول بأنّ اللّغْوَ الذي صاحب رحيل الرئيس الباجي قايد السبسي ومفاده أنّ موقف المغرب الشقيق كان دون مأمول الشعب التونسي يفتقد إلى الكثير من الصدقية بل إنّنا نكاد نشتمّ منه رائحة سوء النية إذ أنّ هناك دوما من يسعى إلى إفساد ما يجمع بين الأمم والمجتمعات من قِيَم مشتركة وسامية،ولكنّ متانة البناء حالت وستحول دائما دون هؤلاء وتنفيذ مخطّطاتهم الجهنّمية ضدّ الشعبين التونسي والمغربي.
ونحن لا نشكّ مطلقا في مدى اللوعة التي انتابت أشقّاءنا في المغرب إزاء فقدان رئيسنا الراحل الباجي قايد السبسي وكانت حاضرة بالتعازي الملكية وبحضور شقيق العاهل المغربي مولاي رشيد وبإلغاء السفارة لاحتفالية عيد العرش «تنفيذا لتعليمات ملكية سامية» وذلك في إطار «تقاسم مشاعر الحزن (…) وتماشيا مع العلاقات الإستثنائية بين البلدين»، ونحن إلى ذلك نتفهّم عدم إعلان المغرب حالة الحداد لتزامن فترة ما بعد وفاة الرئيس،بالتحضير لاحتفالات عيد العرش، والذكرى العشرين لجلوس الملك على العرش،وما انجرّ عن ذلك من التزامات رسمية مرتبطة ـ بحسب ما علمنا ـ باستقبالات ومواعيد مرتّبة مسبقا وبعضها يهمّ ضيوفا أجانب.
المهمّ أنّ المغرب عاش معنا لحظة فراقنا للراحل الذي غادرنا في توقيت حسّاس تحتاج فيه تونس إلى خبرته وحنكته وتبصّره وهي ليست المرّة الأولى التي يقف فيها المغرب إلى جانب تونس.
إنّ التاريخ هو التاريخ ولا يمكن أن تمحوه بعض التفاصيل، وتاريخية العلاقة مع المغرب ضاربة في العراقة وتعود إلى الأربعينيات مع تكوين مكتب المغرب العربي في القاهرة والعلاقة الكبيرة بين الزعيم الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي ومحمد الفاسي ومحمد عبدالكريم الخطابي ولاحقا الملك محمّد الخامس، حينها اتّحدت أهداف الحركة الدستورية في تونس مع حزب الإستقلال المغربي في التصدّي للإستعمار الفرنسي ونيل الإستقلال، فنقطة التلاقي الأولى كانت تلاحم النخبة بهدف تحرير الأوطان ومحطّة التلاقي الثانية كانت مجتمعية شعبية حيث شهد المغرب بُعيْد اغتيال الزعيم الوطني والنقابي فرحات حشّاد تظاهرات عارمة أكّدت عمق الترابط بين الشعبين.
ثمانينات القرن الماضي هي الأخرى كانت شهدت موقفا مغربيا لا يُنسى ولن يُمحى من ذاكرة التونسيين : العاهل المغربي الحسن الثاني يقف بقوّة إلى جانب تونس بعد عملية قفصة ويجنّد لذلك كلّ الإمكانيات،فهل يُعقل أن لا تحتفظ ذاكرة الدولة التونسية بهكذا موقف ؟! وهل من المعقول أن لا تصون ذاكرة التونسي صورة الملك المغربي محمّد السادس وهو يجوب شارع الزعيم الحبيب بورقيبة بعد الثورة في وقت من الصعب فيه على التونسيين التجوال بتلك الأريحية، أليس تلك كانت رسالة إسناد من قمّة العرش المغربي، رسالة تؤكّد بأنّ تونس آمنة ؟! إنّ حالة التشنّج التي شهدناها في الأيّام الأخيرة تُغَيِّبُ هذه الأسس والجوانب النيّرة في العلاقات التونسية المغربية وهو تشنّج لن يتأثّر به العقلاء من الجانبين والذين يمتلكون القدرة على إدارة الأزمات الطارئة -إن وجدت- بحكمة وتبصّر وهم قادرون في كلّ الأحوال على تجاوزها.
إنّ العلاقة بين الشعبين التونسي والمغربي ضاربة في عمق التاريخ،وفِي الذاكرة لوحة شعرية مجسّدة لهذه المعاني، خطّها شاعر تونس الخضراء أحمد اللّغماني إذ قال بمناسبة زيارة العاهل المغربي محمّد الخامس الى تونس في خمسينيات القرن الماضي:
تحوّل من «مُرّاكشِ» وهي جنّةٌ..
إلى تونس الخضراء زين الحواضر..
تحوّل عن أهلٍ له وعشيرةٍ..
وحلّ هنا في أهله والعشائر..
وهل تونس غير الرباط أرومة؟
توطّدت الأوشاجُ بين الأواصر..
تمنّيت لو أنّ المقابر فُتِحَتْ..
ليشهد هذا اليومَ أهلُ المقابر.

الصحافة اليوم 31/07/2019