اليوم السبت 21 سبتمبر 2019 - 1:14 صباحًا

 

 

أضيف في : السبت 17 أغسطس 2019 - 6:09 مساءً

 

الثقافة والتنمية المستدامة: أية علاقة؟

الثقافة والتنمية المستدامة: أية علاقة؟
قراءة بتاريخ 17 أغسطس, 2019

علي اسعد وطفةتشكل الثقافة العمق الوجداني في حياة الشعوب والأمم، وإذا كانت التنمية في جوهرها تعمل على تعزيز مستويات العيش المشترك بين الناس، والنهوض بحياة الأفراد في المجتمع، فإن الجهود التنموية لا يمكنها ابدا أن تنفصل عن التكوينات الثقافية للمجتمع. فالثقافة تلعب دورا محوريا في العملية التنموية، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان من المفكرين أو الباحثين في الميدان التنموي المعاصر.
ومن البداهة بمكان أن الباحثين يدركون اليوم وأكثر من أي وقت مضى القوة الهائلة للثقافة بوصفها حاضنا طبيعيا للرموز والقيم والشعور بالانتماء والهوية، وقد برهنوا في كثير من الدراسات والأبحاث قدرة الثقافة على إضافة أبعاد جديدة مميزة وفعالة في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة. وهذا ما أكدته المؤتمرات العالمية في العقود الأخيرة ولا سيما مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عقد في جوهانسبرغ في عام 2002، وكذلك ما أسفرت عنه فعاليات مؤتمر ريو +20 من تأكيد كبير على أهمية الثقافة التنموية في عملية النهوض الحضاري بالمجتمعات الإنسانية.
إذا كان تحقيق الاستدامة أولا يتمثل جوهريا في عملية الاستخدام الملائم لموارد الكوكب، فإن الثقافة يجب أن تكون فاعلة في صلب الاستراتيجيات الإنمائية، لأن الثقافة تشكل الحاضن الأساسي للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، كما تشكل الناظم الحيوي السلوكي لعلاقاتهم بالبيئة والموارد الطبيعية التي تحيط بهم. ومن المؤكد اليوم عبر التجارب العالمية أن المبادرات والنهج الإنمائية التي تأخذ الثقافات المحلية في الحسبان تحقق مزيدا من النجاح والتفوق في تحقيق الأهداف التنموية المرجوة. وهذا يعني في النهاية ضرورة إدماج الثقافة في السياسات والبرامج التنموية من أجل تحقيق الاستدامة التنموية والنهوض الحضاري بالمجتمع.
الطبيعة والثقافة: تلازم وجودي.
عرفت الثقافة في ديباجة الإعلان العالمي للتنوع الثقافي (2001)، بأنها “… نسق من الخصائص الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة للمجتمع وهذا يشمل الإبداعات الفنية والأدبية، وأنماط الحياة، وسبل العيش المشترك، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات ” ومما لا شك فيه أن الثقافة ترتبط جوهريا بالطبيعة والتنوع البيولوجي القائم فيها، وكلاهما يشكلان المحور الأساسي للتنمية المستدامة. فالثقافة تشكل أرومة التنمية وتضرب جذورها في الاقتصاد عبر صيرورة الزمان والمكان، ومن خلالها يمكن أن ندرك كيف يرتبط الشعب بالطبيعة وكيف يعبر عنها كما يمكن لنا أن نعي جيدا وشائج العلاقة التي تربط شعبا بالبيئة التي تحضنه والعالم الذي يعيش فيه بل والكون الذي ينتظم فيه، كما تترجم اتجاهاته وعقائده نحو مختلف أشكال الوجود والحياة على حد سواء.
ولا تقف الفعالية الثقافية للثقافة في مسارتها المحلية بل تتجذر وتأخذ فعاليتها في قلب المجتمعات العابرة للقارات، أي : في عمق الحياة الثقافية للعالم على مختلف تشعباته وامتداداته. ويتم هذا التفاعل الثقافي في المستوى العالمي بتأثير التكامل الفعال بين التنوعات الثقافية والبيولوجية في العالم، وهو نوع من التفاعل الذي لا يمكن أن تنفصم عراه، وقد تشكل هذا التكامل الثقافي من خلال عمليات التكيف الثورية المستمرة بين الإنسان ووسطه الطبيعي عبر التاريخ.
ولهذا السبب، فإن الممارسات التقليدية القديمة المتعلقة بإدارة الموارد البيئية واستخدامها، بما في ذلك تقنيات المباني، تميل إلى أن تكون خضراء – أي محافظة على البيئة بوجه عام- في تصاميمها. وهي بذلك تجسد نمطا أكثر استدامة من حيث استخدام الأراضي واستهلاكها وإنتاجها، وهذه الممارسات الثقافية تسهم أيضا في الأمن الغذائي والوصول إلى المياه، وذلك كله يأتي استنادا إلى المعارف والممارسات التي تطورت على مدى قرون من التكيف البيئي للإنسانية. ومن هنا فإن أي سياسة محلية تهدف إلى حماية البيئة الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة يجب عليها بالضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار الخبرات الثقافية المتراكمة وأن تستفيد من التجارب الحيّة للمجتمعات الإنسانية.
الثقافة والتنمية الإنسانية:
تشكل الثقافة في جوهرها قوة ديناميكية للتغيير وهي ليست مجموعة جامدة متصلبة من الأشكال والصيغ التي تفرض صورتها وقيودها على الأفراد في المجتمع، بل هي حالة مستمرة من التفاعل والتناغم الدائم القائم على أساس التغير التفاعلي المستمر في مختلف مستوياتها وعناصرها. فأفكار الناس وتصوراتهم ونظرتهم وأنماط استجابتهم نحو العالم تتغير – كثيرا أو قليلا – في إطاري الزمان والمكان، وهذا التغير يشمل مختلف أشكال التعبير الثقافي وأنماطه الاجتماعية.
فعصر العولمة يعرف بتسارعه الهائل، وتكاثفه على صورة تدفقات هائلة لرأس المال والعمل والميديا والمعلومات، ويؤثر بقوة وعلى نحو متجانس في مختلف الثقافات المحلية وينحت فيها. ومع أن هذا التأثير يحقق نوعا من التكامل فيما بين الثقافات المحلية، ويوفر فرصا نادرة وجديدة لملايين الناس في مجال العمل، فإنه في الوقت ذاته يؤدي إلى تدمير المكونات الثقافية التي تتفرد بها الثقافات المحلية وتتمايز، كما أنه يفقد هذه الثقافات هويتها الخاصة وقدرتها على الاستمرار والمنافسة. وغالبا ما يكون هذا التأثير أكبر واشد وأخطر إزاء ثقافات المجتمعات التقليدية التي تتعرض لصدمة الحداثة العالمية الجديدة المدمرة وفق نماذج ثقافية جديدة خارجية مختلفة تفرض نفسها بقوة صادمة لكل معايير الخصوصية الثقافية لهذه البلدان.
يتطلب تحقيق التوازن بين فوائد الاندماج في العولمة وبين حماية الطابع الفريد للثقافة المحلية نهجا دقيقا، وإذا كانت الثقافة تلعب دورا حيويا في صميم السياسات الإنمائية فإن هذا الأمر لا يعني توظيف الثقافة بصورة تلقدية متحفظة بل يعني استثمار كل الإمكانيات والموارد والمعارف والمهارات والمواد المحلية الإيجابية في محال تعزيز الإبداع وفرص التنمية المستدامة. وهذا يعني توظيف الجوانب الثقافية الإيجابية في الثقافة المحلية في اتجاهات التنمية والتطوير والتحديث المستدام. وهذا الأمر يقتضي العمل على الاعتراف بالتنوع الثقافي وتأكيد الأهمية الكبيرة للاستفادة من مختلف المعطيات الثقافية لهذه الثقافات في الحوار والتنمية والتفاهم والتطوير الإنساني.
لا يمكن للتنوع الثقافي أن يشكل منصة لمهاجمة حقوق الإنسان والانتقاص من قيمتها الحضارية التي رسختها القوانين الدولية وعظمت من أهميتها. والمعضلة التي تواجهها عملية تحقيق التوازن بين حماية الثقافات المحلية والحرص في الوقت نفسه على احترام حقوق الإنسان العالمية وتأكيد أهمية التنوع الثقافي، لأن الثقافات المحلية غالبا ما تنطوي على مضامين ثقافية تقليدية ترسخ العنف القمع والاضطهاد وتؤصل لقيم وممارسات مضادة لعملية التنمية بحد ذاتها.
ومن الواضح أن حقوق الإنسان تتصف بالعالمية، وتتمثل في القانون الدولي ولاسيما في ميثاق الأمم المتحدة، فحقوق الإنسان عالمية لجميع البشر والثقافات والمجتمعات بدون استثناء، ويضاف إلى ذلك إن جميع الاتفاقيات والعهود الثقافية والتربوية التي أبرمتها اليونيسكو تستند إلى مبدأ العالمية الذي يؤكد نسقا متميزا من القيم العالمية التي تؤكد على أهمية الاعتراف بالثقافات الأخرى وفهمها وترسيخ قيم التسامح فيما بينها على أساس الأخلاق العالمية المستمدة من مختلف الثقافات الإنسانية جمعاء.
وتجدر الإشارة في هذا السياق أن اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية تؤكد أهمية الحقوق الثقافية في كل المجتمعات الإنسانية على حدّ سواء، وتشمل نسقا من الحقوق الثقافية مثل: حق المشاركة في الحياة الثقافية في المجتمع، وحق الممارسة الثقافية والتمتع بمضامينها، والحقوق التي تتصل بالإبداع الثقافي، وممارسة العقائد والأفكار، واحترام العادات والتقاليد، واحترام ثقافة الأقليات… الخ. ومع ذلك فإن هذه الحقوق الدولية في المجال الثقافي لا تأخذ طابعا مطلقا أو غير محدود ولاسيما إذا كانت الممارسات الثقافية تؤدي إلى انتهاك حقوق إنسانية أخرى، وضمن هذا التوجه فإن أي ممارسة ثقافية تنتهك أي حق من حقوق الإنسان تعد انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية وتعد خروجا على مبدأ الحقوق الثقافية نفسها التي تكفل الحريات الإنسانية بمضامينها الثقافية لمختلف الشعوب والجماعات والأمم.
القياس الواحد لا يناسب الجميع:
يمكن القول من وجهة نظر سوسيولوجية أن النظريات التنموية المبكرة كانت تنظر إلى الثقافات التقليدية بوصفها عائقا في ي طريق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. ولكن الأمر لم يبق على هذه الحالة حيث شهدت تسعينات القرن الماضي تحولا كبيرا في هذه النظريات ولاسيما هذه التي تركز على الأهداف الإنمائية الاجتماعية والتربوية بدلا من الأهداف الاقتصادية البحتة. وقد أدت التصورات الجديدة إلى ظهور مفهوم “مؤشر التنمية البشرية” (Human development index) الذي كان نتاجا للجهود المبذولة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ومع أهمية هذا التحول الجديد إلا أن السياسات الإنمائية الرئيسية ما تزال في كثير من الأحيان تستند إلى فلسفة واحدة يراد لها أن تكون صالحة لجميع المجتمعات في كل الأحوال.
وفي سياق آخر تجدر الإشارة إلى أن نشاط الأمم المتحدة في مجال بناء “الأهداف الإنمائية للألفية” MDGs قد أدى إلى حملة عالمية واسعة لم يسبق لها مثيل لتعبئة المجتمع الدولي في مجال العمل على وضع أهداف وأولويات واضحة ومشتركة في مجال التنمية المستدامة. وقد أسست هذه الجهود إلى تزايد الاعتراف بدور للثقافة وأهميتها في مجال التنمية كما عززت أهمية البحوث العلمية الشادة في مجال الكشف عن نسق العلاقات بين الثقافة والتنمية.. وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود وضراوة العمل في هذا الميدان فإن قياس المعايير الثقافية وتأثيرها في التنمية بقي خارج مؤشرات الأهداف التنموية للألفية ومؤشراتها وذلك يعود إلى وجود عدد كبير من التحديات والصعوبات في مجال القياس الأمبيريقي الملموس للعوامل الثقافية وتأثيرها في العملية التنموية.
لقد تَبيّن للباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والتنموي أن القصور في تنفيذ العديد من برامج التنمية يعود في جوهر الأمر إلى تغييب الخصوصيات الثقافية للثقافات المحلية في العملية التنموية، ولاسيما في مجال التنمية المستدامة التي ترتبط حيويا بالعناصر الثقافية للتنمية.
تؤكد الأمم المتحدة في مسارات فعالياتها الحضارية بأن جميع الثقافات والحضارات تسهم في إثراء البشرية، كما تؤكد في سياق ذلك على أهمية الثقافة التنموية ومساهمتها في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. ويمكن القول في هذا السياق أن الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت في العقود الأخيرة تولي دورا هاما وأساسيا للثقافة في العملية التنموية، وذلك بعد أن كانت النظرة إليها على أنها حالة جمالية غير مؤثرة في عملية التطور والتحول الإنمائي. ونعني بذلك أن النظرة إلى دور الثقافة كانت ثانويا في البداية ولكن هذه النظرة تطورت وبدأت تركز على الأهمية الحيوية الجبارة للثقافة في أي فعالية تنموية ونهضوية. وقد شددت قرارات الجمعية العامة على أهمية الثقافة بوصفها عاملا مؤثرا في مكافحة الفقر وتوفير النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية.
دور الثقافة في تمكين التنمية وتوجيهها:
يمكن للثقافة أن تكون فعالية تنموية عندما يتم الاعتراف فعليا بالخصوصيات الثقافية الخاصة بالمكان والمجتمعات المحلية وعندما يتم التوظيف الأمثل للموارد الثقافية المحلية والاستفادة من منظومة المعارف والمهارات والخبرات الكامنة فيها. وهذا يعني أن تجاهل المضامين الثقافية للثقافات المحلية قد يؤدي إلى فشل العملية التنموية برمتها.
فالثقافة تمكّن أفراد المجتمع من الهيمنة على المصير، وتجعلهم أكثر قدرة على تحقيق التغيير الملموس في مجال التنمية الشاملة، وهذا يشكل أمرا بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة في أكثر مساراتها الوطنية خصوصية وأهمية. وعلاوة على ذلك، فإن احترام وتعزيز التنوع الثقافي في إطار نهج قائم على حقوق الإنسان، يسهل الحوار بين الثقافات، ويمنع الصراعات الداخلية، ويحمي حقوق الفئات المهمشة، داخل الدول وفيما بينها، مما يهيئ الظروف المثلى لتحقيق الأهداف الإنمائية.
ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة بوصفها قطاعا من الأنشطة يشمل ذلك المعطيات الثقافة التراثية المجردة والمجسدة تشكل بحد ذاتها محركا قويا للتنمية يترك بصمته في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على نطاق المجتمع المحلي.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إإن الاستثمار في الموارد الثقافية، وتشجيع الأنشطة والمعارف والمهارات التقليدية، التي يضعها البشر على مدى فترات طويلة جدا من التكيف مع البيئة، هي أيضا وسائل فعالة جدا لتعزيز الاستدامة البيئية ورأس المال الاجتماعي للمجتمعات المحلية.
فالقطاع الثقافي يشكل موردا اقتصاديا مستداما يتم فيه تمكين المجتمعات المحلية من التنمية الاقتصادية الخاصة، بها فعلى سبيل المثال: تزن الصناعات الثقافية أكثر من 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحصة سوقية عالمية بلغت 1.6 تريليون دولار أمريكي في عام 2007. وتمثل الصناعات الثقافية والإبداعية واحدة من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي، حيث بلغ معدل النمو 13.9 في المائة في أفريقيا، و11.9 في المائة في أمريكا الجنوبية، و9.7 في المائة في آسيا.
فالصناعات الثقافية تتطلب استثمارات رأسمالية محدودة ولكنها فعالة في المستوى الاقتصادي، وفي الوقت نفسه فإن قطاع الثقافة يتيح الفرصة لتطوير وظائف محلية في جوهرها، تقوم على أساس تعزيز الاتصال بالبيئة المحلية وتنميتها.
وتبين الدراسات أن العوائد الاقتصادية للثقافة تأخذ خطا متصاعدا وملحوظا في مختلف مستويات التنمية الاقتصادية في مختلف أنحاء المعمورة. فالثقافة، التي تشمل كل من التراث (المادي وغير المادي) والصناعات الإبداعية، تلعب دورا حاسما بوصفها موردا لا يمكن تعويضه في مجال التنمية الاقتصادية.
إن الحفاظ على البيئة الحضارية التاريخية وإعادة استخدامها بشكل مناسب يسهم في تحسين نوعية حياة سكانها بطرق عديدة. ويعزز إحساسهم بالانتماء والتماسك الاجتماعي، كما يوفر بيئة ممتعة جذابة للسياحة العالمية، وهذا بدوره فإنه يخفف أيضا من التمدن المفرط، ويجذب السياح والزوار والاستثمارات الاقتصادية والسياحية المؤثرة في العملية التنموية.
ويمكن القول في هذا السياق أن الصناعات الثقافية والانتاجات الإبداعية تشكل عاملا أساسيا من عوامل التجديد الحضاري، حيث أنها تعزز الصورة الحضارية للمجتمع وتساهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحسن مستويات معيشة السكان، وتدعم الاستثمارات في الأنشطة الثقافية والاقتصاد الإبداعي وتعزز التنمية الحضرية المستدامة. كما تساهم سياسة التنمية القائمة على التراث الثقافي في التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف مع معطيات هذا التغير، حيث أن الحفاظ على النسيج القائم (الذي بني بالتقنيات التقليدية والمواد والمهارات المحلية) هو أكثر ملاءمة للبيئة من الهدم وإعادة البناء. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تقدر الطاقة المتجسدة في تشييد مبنى بمعدل يتراوح بين 15 و30 ضعف استخدام الطاقة الطبيعية وفق الآليات التراثية المعتمدة في عملية البناء.
ويمكن أن توفر التقنيات التقليدية لإدارة الأراضي مصدرا كبيرا للإلهام التنموي في استخدام المياه العذبة والمحافظة عليها على نحو مستديم. إذ يمكن إعادة إنشاء تقنيات الري التقليدية في مشاريع التنمية الحديثة وضمان استخدام أكثر احتراما للبيئة. لقد أدرك سكان الواحات الصحراوية، الذين يواجهون النمو السكاني وتدهور البيئة، ضرورة العودة إلى تقنيات الري التقليدية من خلال دعم الممارسات التي تحترم البيئة.
ويعد التراث العالمي في مجال البحار والحفاظ على المحيطات جزءا لا يتجزأ من صحة الكوكب كما يشكل أيضا جزءا هاما من تراث الإنسانية وثقافة المجموعات البشرية. وتعد المعارف التقليدية من في إدارة موارد المحيطات طاقة حيوية تنموية تلعب دورا رئيسيا في تمكين السكان من كسب أرزاقهم في المجتمعات المحلية المعنية.
قامت منظمة اليونسكو، من خلال برنامجها الخاص بتنظيم المعارف التقليدية المحلية، بجمع ونقل المعارف والآراء المحلية للموارد المائية. وتشهد هذه المعلومات على معرفة السكان الأصليين الواسعة والدقيقة لأنواع الأسماك والحيوانات المائية في البحار، وتؤكد هذه المعارف عمق واتساع الثقافات المحلية بالبيئة الطبيعية، وهذا بدوره يشكل منطلقا يعتمد عليه من منطلقات التنمية المستدامة في المجال البحري على نطاق عالمي أوسع.
ويتضح دور الثقافة في المنعطفات الصعبة والتحديات القاسية التي يواجهها أي مجتمع، فعندما تضرب الكوارث الطبيعية والحروب المجتمعات الإنسانية وتمزقها، وعندما تؤدي مشاريع التحديث الواسعة النطاق والهجرة العابرة للحدود إلى اختلالات مفاجئة في بنية المجتمع، يبرز دور الثقافة المحلية النابضة بالحياة لتلعب دورا هاما في إعادة بناء الإحساس بالمجتمع ووحدته، وهي بذلك تشكل ركيزة أساسية يعتمد عليها في عملية البناء الاجتماعي والثقافي المضادة للكوارث الطبيعة والاجتماعية. ويمكن القول في هذا السياق إن الثقافة المحلية تشكل قوة حيوية في مواجهة المخاطر والكوارث قبل وبعد وقوعها، وتساعد في معالجة مختلف المشكلات والتحديات المرافقة لها والناجمة عنها. فالتراث الثقافي المتراكم عبر التاريخ غني بالفعاليات والخبرات والممارسات التي يعتمدها المجتمع في أزمنة الكوارث والحروب والتحديات الطبيعية كالزلازل أو الظواهر الطقسية المتطرفة، لأن هذا التراث يتضمن بالضرورة المعارف التقليدية المميزة الفاعلة المتراكمة عبر قرون من التكيف مع البيئة.
ويمكن الاستدلال على هذا الجانب في أحداث الزلزال الهائل الذي شهدته كشمير الهندية في عام 2009، حيث تمكنت المباني التقليدية من الصمود وحماية أرواح ساكنيها في أتون هذا الزلزال الفظيع، وعلى خلاف ذلك، تساقطت المباني الخرسانية المسلحة على ساكنيها فأزهقت أرواحهم وتناثرت أجداثهم بين الأنقاض في نفس المناطق المتضررة.
ونظرا للأهمية الكبرى للثقافة في العملية التنموية والنهضوية للمجتمعات الإنسانية بدأ المجتمع الدولي بتأكيد أهمية هذا الجانب ولاسيما بعد مؤتمر ريو +20، حيث بدأ التركيز على الثقافة بجوانبها المختلفة والعمل على دمجها في استراتيجيات التنمية المستدامة، وضمن هذا التوجه تعمل اليونسكو اليوم، ضمن نسق من الشراكة الفعالة، مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة الشقيقة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، على وضع خطط مستنيرة للتنمية تأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للثقافة والثقافات المحلية في نجاح العملية التنموية واستمرارها. النظر في الثقافة استنادا إلى الإجراءات الاستراتيجية الرئيسية التالية:
1- دمج البعد الثقافي في مفهوم التنمية المستدامة وفي أنماط قياسها وتحديد مستويات فعالياتها وجدواها، ومن ثم الالتزام بتشجيع المعارف الثقافية والممارسات العلمية التقليدية ودمجها في سياسات التنمية المستدامة، ولا سيما فيما يتعلق بالإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، والأمن الغذائي والحصول على المياه النظيفة.
2- أهمية المحافظة على التراث الثقافي الطبيعي وحمايته، ومن ثم وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك من أجل تعزيز التنمية المستدامة في أبعادها الثقافية.
3- الاعتراف بالدور الهام للصناعات الثقافية والإبداعية، والسياحة المستدامة، ومختلف القيم الثقافية القائمة على التراث، من أجل التنمية المستدامة في مجالي والاقتصاد الأخضر والعمالة الخضراء، ومن ثم تحفيز التنمية المحلية، وتنمية الفرص التجارية، وتعزيز الإبداع والإندماج الاجتماعي.
4- التأكيد على أهمية العوامل الثقافية ومدى تأثيرها في أنماط الحياة والاستهلاك وسلوكيات الأفراد، والقيم المتعلقة بالبيئية والطرق التي نتفاعل بها مع بيئتنا الطبيعية. ومن هنا تبرز أهمية العمل الثقافي في ترشيد عادات استهلاك، والتشجيع على الإنتاج الأخضر المستديم، الذي يحتاج إلى فعالية ثقافية قادرة على الوفاء بالمتطلبات الحيوية للتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق يمكن القول بأن الاتفاقيات الثقافية السبعة التي عقدتها اليونسكو تعد طاقة وأداة للتنمية المستدامة. وتهدف جميع الاتفاقيات السبع لليونسكو إلى حماية مختلف الجوانب الحضارية والابداعية في الثقافات المحلية التي تتعلق بالتراث الإنساني المادي والمعنوي ولا سيما فيما يتعلق بتنوع أشكال التعبير الثقافي وتعدد الصناعات الإبداعية الذكية، ومن ثم إلى مكافحة الاتجار غير المشروع بالبشر والسلع الثقافية.
وترتكز هذه الاتفاقيات الثقافية بصورة واضحة على مبادئ حقوق الإنسان والأمم، كما تعتمد مجموعة من آليات التمويل والتعاون الحكومية والدولية، فضلا عن أدوات الرصد والتقييم. وهي في النهاية تعزز برامج بناء القدرات وغيرها من المبادرات الرامية إلى حماية الثقافة (بما في ذلك التراث الطبيعي) وإدماجها في استراتيجيات التنمية الوطنية والمحلية.
ومن الأمثلة على الكيفية التي تساهم بها الاتفاقيات الثقافية لليونيسكو في التنمية يمكن الإشارة إلى ما يقرب من 1000 من ممتلكات التراث العالمي، وأكثر من 500 من المحميات الحيوية، التي توفر مختبرات مثالية لاختبار النهج المبتكرة القائمة على التراث الثقافي للتنمية المستدامة.
وفي إطار الدعم الذي يقمه الصندوق الدولي للتنوع الثقافي وآليات التمويل الأخرى، التي أنشئت في إطار اتفاقية اليونسكو لعام 2005، بشأن حماية أشكال التعبير الثقافي وتعزيز تنوعها، يقدم هذا الصندوق الدعم إلى البلدان النامية من خلال المشاريع الثقافية، وبعثات المساعدة التقنية التي تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر سياسات ثقافية جديدة.
ومن خلال هذا الصندوق، تم تنفيذ ثمانية عشر برنامجا مشتركا للثقافة والتنمية في جميع أنحاء العالم بمبلغ إجمالي قدره 95 مليون دولار أمريكي، ووصلت فوائده إلى ما يقرب من مليون شخص مباشر وسبعة ملايين مستفيد غير مباشر، وهو يستهدف بوجه خاص السكان الأصليين والنساء والشباب.
وتعطي هذه البرامج دليلا واضحا على أن الثقافة قطاع اقتصادي يولد الدخول وفرص العمل، مما يسهم في القضاء على الفقر (الهدف الإنمائي الأول)؛ كما أن محتوى المناهج الدراسية المكيّف ثقافيا يسمح بتحسين نوعية التعليم وبناء المواطنة (الهدف 2). وبالتالي فأن الأنشطة الموجهة نحو الثقافة مثل تنظيم المشاريع الحرفية هي مصدر لتمكين المساواة بين الجنسين (الهدف 3 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ ومن المؤكد أن هذا يتضمن منهجيات التوعية الصحية (الأهداف 4 و5 و6 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ وأن المعرفة الثقافية والتقليدية هي موارد لا تنضب من أجل البيئة المستدامة وسبل العيش (الهدف 7 من الأهداف الإنمائية للألفية). كما عززت برامج الأهداف الإنمائية للألفية التعاون بين الشركاء على الصعيدين الوطني والدولي، مما أسهم في مع بناء ملكية وطنية قوية من خلال عمليات تشاركية عالية.
ويتمثل أحد التحديات التي تواجه دور الثقافة في التنمية الصعوبة البالغة في قياس أثر الثقافة في العملية التنموية. ومن أجل تذليل هذه الصعوبات تولت اليونسكو قيادة مبادرتين هامتين تقدمان صورة قائمة على الأدلة لدور الثقافة في التنمية. ويشمل ذلك وضع إطار للمؤشرات الثقافية التي تركز على الوزن الاقتصادي لقطاع الثقافة ودوره في التنمية، وتشمل هذه المؤشرات التماسك الاجتماعي، والمشاركة الثقافية، والحريات الفردية، والتعليم، والحكم، أو الوصول إلى وسائل الاتصال من بين أمور أخرى. وتوفر هذه المؤشرات معا صورة واضحة عن الواقع الإنمائي لمجتمع ما ودور الثقافة في العملية التنموية الشاملة.
وتوضح مجموعة المؤشرات الكمية التي اعتمدتها اليونسكو من أجل قياس الفعالية التنموية دور الثقافة في التنمية المستدامة على المستوى الوطني، وتشكل هذه المؤشرات دليلا عمليا كميا على دور الثقافة وأهميتها في تعزيز الاقتصادات الوطنية والنهوض بالسياسات الإنمائية الأخرى. ففي الإكوادور على سبيل المثال، بلغت مساهمة الأنشطة الثقافية الرسمية والخاصة في الناتج المحلي الإجمالي 4.76 في المائة في عام 2010.

المصدر /د. علي اسعد وطفة
جامعة الكويت – كلية التربية / المثقف