اليوم الخميس 24 أكتوبر 2019 - 4:49 صباحًا

 

 

أضيف في : الجمعة 13 سبتمبر 2019 - 11:19 مساءً

 

لمن يحب هاجر*

لمن يحب هاجر*
قراءة بتاريخ 13 سبتمبر, 2019

الدار البيضاء المكتب الاعلامي تارودانت أنيوز.
نورالدين مفتاح- “الايام”.

في كل الأحوال تبقى الضحية الأولى اليوم هي الشابة هاجر الريسوني، القابعة في زنزانة باردة منذ أسبوعين تقريبا، والمستهدفة بحملة تشهير لم تراع لا زمالة ولا أخلاقا مهنية ولا ضميرا. ولكن هاجر وخطيبها ليسا إلا درجا أول من أدراج قضيّة أصبحت بدون إرادة أي طرف قضية متعددة الأضلاع، متداخلة الألوان ومتزاحمة بالمتدخلين.
في “الأيام” نعرف هاجر الريسوني، استقبلناها في هيئة التحرير كصحافية شابة في مقتبل المهنة قادمة من جريدة “التجديد”، وربّما بدايتها كمحررة في جريدة “حركة التوحيد والإصلاح” وكذا حملها للاسم العائلي لعمها أحمد الريسوني، رئيس هذه الحركة سابقا، وحملها أيضا لغطاء رأس، يجعل تصنيفها في خانة انتماء معين سهلا، إلا أن الاستنتاجات من معطيات موضوعية قد لا تعانق الصواب دائما.
هاجر كانت شابة متحررة مفعمة بالحيوية، حصلت على أكثر من إجازة ولكنها عشقت الصحافة، وانغمست تتعلم، وكانت مندفعة اندفاع الشباب المقبول، والمهم أنها كانت خلوقة، وحتى عندما أرادت مغادرة “الأيام”، جاء ذلك بأناقة لتختار العودة للاشتغال في “اليومي”، الذي رنت إليه أكثر من الإصدار الأسبوعي.
هذه الشابة امتحنت أوَّلا في حادثة رهيبة حين قُتل والدها في نزاع حول الأرض بأحواز العرائش، وواصلت المشوار إلى أن دخلت اليوم هذا الامتحان الثاني، الذي نتمنى لها من صميم الفؤاد أن تطوى صفحته بأقل الأضرار، وأن يتوقف اعتقالها وتعود لأسرتها ولمهنتها أقوى، فالمحن محك النساء والرجال.
ولكن الذي آسف له شخصيا هو هذا البعد الصاخب الذي تم تحميله لهذه القضية، والذي وصل أحيانا إلى أبعاد سوريالية من أطراف متعددة، حتى أصبح الصراع في “محكمة” الرأي العام بانزلاقاته أكبر وأضخم من الصراع داخل المحكمة. وبين الفعل ورد الفعل زادت الإساءة لهاجر الريسوني، المحررة الطموحة التي ينتظرها عمر من الصحافة ولم تدع يوما بطولة ولا زعامة، مع أن القضية من الناحية الحقوقية عادلة وتستوجب التضامن المطلق وأما من الناحية القانونية فتتطلب معركة سلاحها الحنكة وليس الشعارات، والمهارة وليس نظرية المؤامرة. والمؤسف له أيضا في هذا الملف المؤلم هو أن موقف هاجر الريسوني قوي بدون حاجة لتسييسه، لأن متاهات السياسة أضعف وأوضع من سمو الإنسان وحقوقه في الخصوصية والكرامة والحميمية وحرية التصرف في الجسد والحق في الاختيار الشخصي للشريك، وفي تقاسم ما يملك الواحد مع الآخر بدون تلصص الأغيار ولا حشر أنف القانون.
وهذا الذي يسمى حقوقا فردية ليس معركة اليوم، ولا هي معركة سهلة لم تخضها النخبة لأنها كانت تتثاءب. إنها معركة قديمة كانت محمولة من طرف دائرة ضيقة من النشطاء الذين كانوا محاصرين بالمحافظين ونوع من تأويل الدين وجزء كبير من المجتمع. ورويدا رويدا بدأت هذه الحقوق الفردية تقضم هوامش إضافية، وسنلاحظ أن حزبا مثل العدالة والتنمية لم يبدأ في التجرؤ على زعزعة بعض مسلماته الإسمنتية في هذا الموضوع إلا بعد أن مست بعض نخبه قضايا تتعلق بما سماه الباحث جبرون بـ”الانتقال الجنسي” عند الإسلاميين، من قضية حماد وفاطمة إلى الوزير يتيم ومدلكته إلى حجاب ماء العينين، وغير هذا كثير.
وإذا كان في طيات كل نقمة نعمة كما يقال، فإن “نعمة” محنة هاجر الريسوني هي أنها جعلت لأول مرة الحديث عن عدم تجريم العلاقات الجنسية الرضائية خارج إطار الزواج شيئا يكاد يحوز الإجماع ويلهج به العلماني والإسلامي، بل إن التطور الأكبر هو الذي وصل إلى طابو الإجهاض الإرادي! إنه كان موضوعا يلبس المقدس المجتمعي والديني، وحساسيته المفرطة جعلت الحداثيين يخسرون معركته أمام المحافظين، على الرغم من كل ترسانة الحجج الدامغة من الواقع الأليم الذي ترسمه مآسي نتائج الإجهاض السري بأرقامه المهولة.
لهذا أعتبر أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سجّل موقفا موفقا جدا، ووجد الكلمات الصائبة لتوصيف ثمار هذه القضية التي يمكن للمجتمع أن يجنيها، مع اختيار التوقيت الملائم للإعلان عن تقديمه في الأيام المقبلة لتوصياته لتعديل القانون الجنائي، وخصوصا في شق الحريات الفردية والحياة الخاصة الذي تناقشه حاليا لجنة التشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب.
«إن المجلس لمطمئن لدعم الرأي العام لهذه التوصيات التي تتوخى حماية الحريات الفردية والحياة الخاصة، مع احترام المقتضيات الدستورية المتعلقة بضمان الحقوق والحريات الأساسية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب»، ويضيف بلاغ هذه المؤسسة الدستورية في نفس الإطار أن المجلس: «ينتظر أن يكون التداول العمومي لهذه القضية نقطة تحول لإنهاء تردد الفاعلين السياسيين بخصوص ملاءمة الإطار التشريعي لبلدنا مع أحكام الدستور والمواثيق الدولية، وتكييف هذا الإطار مع الممارسات المجتمعية».
هذا هو ما قدمته هاجر الريسوني دون أن تسعى إليه لقضية المرأة المغربية و الحريات الفردية، وهي اليوم في مأزق بين محكمة لا تحتكم إلا للقانون الموجود مهما كان معيبا وبين حق مشروع وعادل في الحب والحياة والخصوصية، وعلى كل من يحب هاجر الريسوني، التي أصبحت عنوانا ورمزا لهذه المعركة الحقوقية، أن يتعاون من أجل النجاح في القفز على هذا المأزق. لقد أدت هاجر الثمن إلى اليوم، فلا يجوز أن نطلب منها أكثر وأكبر من ذلك ونحملها كل أعطاب الحرية والديموقراطية في بلادنا لتحلها وهي تئن بسجن العرجات. هاجر الريسوني يجب أن تعود لبيتها ولجريدتها في أسرع وقت ممكن، وهذا لن يتأتى إلا بحنكة التدبير وحكمة التيسير، وكل التضامن مع الزميلة هاجر.

*افتتاحية “الايام” لعدد هذا الاسبوع