اليوم الأربعاء 23 أكتوبر 2019 - 6:37 مساءً

 

 

أضيف في : الجمعة 20 سبتمبر 2019 - 10:51 مساءً

 

بناء الإنسان وتهديمه!!

بناء الإنسان وتهديمه!!
قراءة بتاريخ 20 سبتمبر, 2019

المتتبع للخطابات التي تصرح بها الكراسي والعمائم، لن يجد مفردة بناء أو إشارة إلى رؤية بناء، وإنما الهدم عنوان ومحتوى الخطابات، وإن قالت ببناء فبآليات نفاقية تضليلية خداعية ومناهج فساد وإفساد.
وحتى هذا الوقت لم يُنطقْ بخطاب بناء على الإطلاق!!
ووفقا لرؤية الهدم تحقق الدمار والخراب والذل والهوان والإمعان بمصادرة حقوق الإنسان، بإسم الدين وبموجب فتاوى الهدم والإفناء.
عمائم تفتي وبشر يخنع ويخضع ويمضي نحو مصير مشؤوم، وكأنه في معاقل الجزر المؤيَّد برغبة عمامة ذات تطلع شديد، وما تجرّأ بشر على القول للذين يفتون ويتمنطقون ويوهمون الناس بأنهم يعرفون، إعملوا بفتواكم أولا لنتبعكم، وهل يمكن لبشر أن يواجههم بذلك، لأنه سيُحسب عدوا ومندسا ومتآمرا ومن أزلام النظام السابق والسابق ومن كذا وكذا.
وفي هذا إستعباد مطلق ومصادرة لإرادة البشر، مما يعني الهدم المروع لوجود الإنسان وحرمانه من دوره في إعمال عقله والمشاركة في بناء الحياة.
فالبشر المُسيّر بالفتاوى هو الذي إنتخب الفاسدين لعدة مرات متعاقبة، وهو الذي فوّض لهم الفساد المطلق، وهو الذي أوهمهم بأنهم الصالحون وغيرهم أعداء الوطن والدين.
نعم إنه البشر المرهون بالفتاوى، وبهذه الكهونوتية السافرة الفاعلة في الواقع البائس الحزين، لا يجد المتفحص فرقا بين الفتاوى وصكوك الغفران في العصور المظلمة لحكم الكنيسة.
فلا كهونوتية في الإسلام، والفتوى رأي لا توجب الإتباع وإنما الإختيار، ويتحمل التابع المسؤولية وليس المفتي برأيه في مسألة من المسائل، أما أن تتحول الفتوى إلى أمر ملزم وواجب، فهذه الكهونوتية بعينها.
وبما أن الفتاوى هي التي تتحكم بمصير المجتمع فأن الهدم ديدنه والبناء من المحرمات، فعلى البشر أن يعاني ويُقهر ويتعذب لكي ينال جنان الآخرة، فالحياة الدنيا لا قيمة لها ولا معنى وما هي إلا دار بلاء وإبتلاء، وعلى البشر أن يذعن ويستسلم ويصبر ويموت.
أما الذين يفتون له ويضللونه ويخدعونه فهم في نعيم الدنيا والآخرة، وما يغنمونه ويستحوذون عليه من فضل ربهم الذي خصهم بنعمته الفياضة، والناس من حولهم خلقوا ليتعذبوا ويحزنوا فينالوا جنات النعيم.
ومرة أخرى لا يتجرأ أي شخص أن يسألهم لماذا لا يتعذبون مثل الناس لينالوا سعادة الآخرة؟
فذلك حرام وعلى الجميع أن يفعلوا ما يقولونه لهم ولا يفعلوا ما يفعلونه، لأنهم خاصة ربهم ونوابه والأنبياء بشر وهم فوق البشر!!
أحدهم يفتي بدفع الشباب عند سن البلوغ إلى القتال والموت في سبيل كذا وكذا ويتمنطق بما يرى ويتصور، وعندما سألوه: هل لديك أبناء، قال: نعم، وحين سألوه: هل هم في قتال، قال: أنهم لديهم إلتزامات ومشاغل تمنعهم من القتال!!
لعنك الله وأعمى بصيرتك وقد بلغت من العمر أرذله، وما أنتَّ تقاتل فيما تدعو إليه، وأولادك في نعيم ورفاهية وإبتزاز لحقوق الناس الذين تخدعهم وتضللهم بطروحاتك المنكرة السوداء، وكم من أمثالك يعبثون بمصير العباد ويتاجرون بدين الله ورموزه الأنقياء!!
تلك مأساة بعض المجتمعات التي إرتضت أن تكون رهينة العمامة، بل أن حكوماتها تنتظر التفويض والمباركة من العمامة لكي تقرر أمرا.
فهل سمعتم بأن رئيس وزراء بريطانيا ينتظر مباركة كنيسة، أو رئيس وزراء إيطاليا يتحرك وفقا لإرادة البابا، أو أي مسؤول في الدول الغربية لا يعمل شيئا إلا بفتوى من رموز الكنيسة؟!!
فأي ضلال وبهتان هذا الذي يتحقق في مجتمعات صادرت قيمة العقل ومحقت معنى الإنسان!!

المصدر : د. صادق السامرائي / عن المثقف