اليوم الجمعة 22 نوفمبر 2019 - 11:31 مساءً

 

 

أضيف في : الجمعة 1 نوفمبر 2019 - 8:53 صباحًا

 

عن التضليل الإعلامي

عن التضليل الإعلامي
قراءة بتاريخ 1 نوفمبر, 2019

تارودانت انيوز /بقلم يوسف أمبارك /البحرين.

في الماضي القريب، لم تواجه مجموعة الاهتمام الخاص المطورة لميزة البلوتوث في الهواتف المحمولة والحواسب ما يواجهه الآن أباطرة الإعلام الاجتماعي. فقد خلت حقبة البلوتوث من مفهوم المواطن الصحفي، والتطور المذهل في كفاءة كاميرات الجوال، والشعبوية المتعنتة المفضية إلى الغباء الجمعي والمزايدة الحمقاء على الروح الوطنية.
لم يستمر الاعتماد الحصري على ميزة البلوتوث في تناقل المقاطع عن قرب بين أجهزة المحمول أو عن بعد باستخدام الرسائل القصيرة التفاعلية المكلفة نسبياً، بعدما انطلق آنذاك الجيل الثالث من الإنترنت. ربما كان مبلغ طموح خبراء تلك الخدمة أن ينالوا نسبة أرباحهم من مبيعات صناع الأجهزة المحمولة والحواسب.
كذلك الحال سابقاً مع أقطاب الإنترنت والاعلام الاجتماعي اليوم، إذ لم تكن طموحاتهم للتأثير والتوجيه في بدايات منصاتهم قد تشكلت بصورتها الحالية، عندما انطلقت بعض منصاتهم الأقدم قبل انتشار أجهزة المحمول المرتبطة بالانترنت، وركزت في حينها على الانتشار فحسب عندما كان استخدام الإنترنت يعتمد على الحواسب فقط.
منذ عدة أيام، وجه الاتحاد الأوروبي عبر وكالاته القانونية تحذيراً شديداً إلى كلٍ من فيسبوك وجوجل وتويتر، بضرورة بذل جهود أكبر وأكثر حسماً وجدية لوأد الأخبار الكاذبة في مهدها أو مواجهة “إجراءات تنظيمية”، علماً بأن الاتحاد الأوروبي قد يكون أقل المناطق تضرراً من انتشار الأخبار الكاذبة، بالمقارنة مع الشرق الأوسط على سبيل المثال.
تبدي قيادات الشركات المالكة والمشغلة لمنصات الإعلام الاجتماعي قلقها من احتمال تدخل المشرعين للحد من حرية التعبير – التي في ظلها يساعدهم رواج النشر على بيع مزيدٍ من الإعلانات اللحظية سريعة الاستبدال، ذات الانتشار الواسع والمدخول الطائل. كما أنها قيادات شابة حققت نجاحاً تجارياً باهراً، وراكمت الثروة في سنٍ مبكرة، إلا أن المشرعين والساسة يرون افتقارها إلى التحلي بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية في ظل ما يرونه إدماناً على مواصلة النجاح والتوسع فيه وتكوين إرث من النجاح التجاري والمالي، وإدمان التنافس المحموم على مساحة الهيمنة في سوق التقنية.
محور الجدل في هذه الظاهرة هو حيازة وإدارة البيانات الضخمة من قبل منصات الإعلام الاجتماعي، ليس بالضرورة بسبب بيع أنماط البحث وبنود الاهتمامات المدخلة من قبل المستخدمين على المنصات، والتي تتطابق فيها مفضلات البحث للمتسوقين والكلمات المفتاحية المستخدمة مع معروض المنتجين من بضائع وخدمات، وإنما بسبب تكرار الضغط على روابط ذات محتوىً فكري وسياسي تشكل أنماطها المسجلة رمز تعريف للتوجهات السياسية أو المؤدلجة للمستخدمين، ويرى الغرب المتاجرة فيها جريمة وعي – أو تضليل جماعي وانتهاك شامل للخصوصية.
مؤخراً، وافقت شركة فيسبوك على دفع نصف مليون جنيه إسترليني للسلطات البريطانية كغرامة لانتهاكها القانون العام لحماية البيانات الشخصية، عندما سمحت لمعهد أبحاث كامبريدج أناليتيكا بالحصول على بيانات 87 مليون مستخدم لفيسبوك بهدف القياس والتحليل السياسي. هذه الغرامة – رغم ضآلتها مقارنةً بأصول وأرباح فيسبوك – هي القصوى بحسب القانون، وهي على الأقل سابقة في محاكمة الكبار. كما يتداول مرشحو الرئاسة الأمريكية مقترحات متفاوتة في الطموح للحد من شراسة المنافسة في التوسع بين منصات الاعلام الاجتماعي، وتصل إلى حد اقتراح تفتيت الشركات المتعملقة إذا ثبت احتكارها للبيانات الشخصية وتسريبها أو تعريضها بالإهمال للاختراق.
في موقفين متناقضين، أكدت فيسبوك مؤخراً رفضها المساس بالإعلانات السياسية، بينما منعت تويتر كافة الاعلانات السياسية حول العالم، وصرح مؤسس المنصة ورئيسها التنفيذي جاك دورسي بأن الدعم السياسي يكتسب ولا يشترى.
تواكب حرية التعبير وفرة المعلومات للجماهير عبر منصات التواصل، وبالتالي تتوافر حرية التصديق على قدر الوعي مقابل مستوى الحرفية في التدليس، وهي إن خضعت للإشاعات الرائجة والحقائق المحرفة ستؤدي إلى تضليل المجتمع، وإن اختلطت بأجندات الربحية لمنصات التواصل جعلت من الأخبار الكاذبة سلعة ثمينة مسكوت عن تداولها إلى حين تكذيبها بجهود فردية أو شعبية أو مؤسسية، أو التشريع لمحاسبة مصدر الإشاعة على قدر الضرر المحدث، فإما جنائياً بالغرامة أو الحبس إن أمكن، أو أدبياً بحذف حساباته من المنصة.
تتشعب دوافع نشر الإشاعات. فدوافع الأفراد تشمل سذاجة التصديق والرغبة في ترويجه، أو تحقيق الربح المادي والشهرة، أو الإيمان بتوجه سياسي أو ثقافي مغاير يحارب نقيضه السائد. أما الجماعات المنظمة فتنشر ما يروج آراءً تدعمها أو يخدم المتحكمين بها. هذا التشعب في الدوافع ينهك الأفراد والجهات الرسمية التي تكافح لتفنيد الأكاذيب، وهو من قبيل الدخول في النوايا لتحليلها.
الأسهل من ذلك كله هو التواجد على منصات التواصل والمواكبة الفورية لما ينشر، لأن تصحيح المعلومة المبنية على مواقف يتطلب الرد بمعلومة مبنية على حقائق. الأمر حالياً لا يتطلب بالضرورة كوادر لرصد ما ينشر، وإنما تصميم برامج الذكاء الاصطناعي المغذاة بالمعادلات المعقدة التي تتناول كافة احتمالات الكذب وأساليب فرزها، بل تتلقى الأمر بالبحث عن نقائضها، ويبقى للبشر قرار ما ينشر.الإعلام الاجتماعي يواجه حقبة جديدة
في الماضي القريب، لم تواجه مجموعة الاهتمام الخاص المطورة لميزة البلوتوث في الهواتف المحمولة والحواسب ما يواجهه الآن أباطرة الإعلام الاجتماعي. فقد خلت حقبة البلوتوث من مفهوم المواطن الصحفي، والتطور المذهل في كفاءة كاميرات الجوال، والشعبوية المتعنتة المفضية إلى الغباء الجمعي والمزايدة الحمقاء على الروح الوطنية.
لم يستمر الاعتماد الحصري على ميزة البلوتوث في تناقل المقاطع عن قرب بين أجهزة المحمول أو عن بعد باستخدام الرسائل القصيرة التفاعلية المكلفة نسبياً، بعدما انطلق آنذاك الجيل الثالث من الإنترنت. ربما كان مبلغ طموح خبراء تلك الخدمة أن ينالوا نسبة أرباحهم من مبيعات صناع الأجهزة المحمولة والحواسب.
كذلك الحال سابقاً مع أقطاب الإنترنت والاعلام الاجتماعي اليوم، إذ لم تكن طموحاتهم للتأثير والتوجيه في بدايات منصاتهم قد تشكلت بصورتها الحالية، عندما انطلقت بعض منصاتهم الأقدم قبل انتشار أجهزة المحمول المرتبطة بالانترنت، وركزت في حينها على الانتشار فحسب عندما كان استخدام الإنترنت يعتمد على الحواسب فقط.
منذ عدة أيام، وجه الاتحاد الأوروبي عبر وكالاته القانونية تحذيراً شديداً إلى كلٍ من فيسبوك وجوجل وتويتر، بضرورة بذل جهود أكبر وأكثر حسماً وجدية لوأد الأخبار الكاذبة في مهدها أو مواجهة “إجراءات تنظيمية”، علماً بأن الاتحاد الأوروبي قد يكون أقل المناطق تضرراً من انتشار الأخبار الكاذبة، بالمقارنة مع الشرق الأوسط على سبيل المثال.
تبدي قيادات الشركات المالكة والمشغلة لمنصات الإعلام الاجتماعي قلقها من احتمال تدخل المشرعين للحد من حرية التعبير – التي في ظلها يساعدهم رواج النشر على بيع مزيدٍ من الإعلانات اللحظية سريعة الاستبدال، ذات الانتشار الواسع والمدخول الطائل. كما أنها قيادات شابة حققت نجاحاً تجارياً باهراً، وراكمت الثروة في سنٍ مبكرة، إلا أن المشرعين والساسة يرون افتقارها إلى التحلي بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية في ظل ما يرونه إدماناً على مواصلة النجاح والتوسع فيه وتكوين إرث من النجاح التجاري والمالي، وإدمان التنافس المحموم على مساحة الهيمنة في سوق التقنية.
محور الجدل في هذه الظاهرة هو حيازة وإدارة البيانات الضخمة من قبل منصات الإعلام الاجتماعي، ليس بالضرورة بسبب بيع أنماط البحث وبنود الاهتمامات المدخلة من قبل المستخدمين على المنصات، والتي تتطابق فيها مفضلات البحث للمتسوقين والكلمات المفتاحية المستخدمة مع معروض المنتجين من بضائع وخدمات، وإنما بسبب تكرار الضغط على روابط ذات محتوىً فكري وسياسي تشكل أنماطها المسجلة رمز تعريف للتوجهات السياسية أو المؤدلجة للمستخدمين، ويرى الغرب المتاجرة فيها جريمة وعي – أو تضليل جماعي وانتهاك شامل للخصوصية.
مؤخراً، وافقت شركة فيسبوك على دفع نصف مليون جنيه إسترليني للسلطات البريطانية كغرامة لانتهاكها القانون العام لحماية البيانات الشخصية، عندما سمحت لمعهد أبحاث كامبريدج أناليتيكا بالحصول على بيانات 87 مليون مستخدم لفيسبوك بهدف القياس والتحليل السياسي. هذه الغرامة – رغم ضآلتها مقارنةً بأصول وأرباح فيسبوك – هي القصوى بحسب القانون، وهي على الأقل سابقة في محاكمة الكبار. كما يتداول مرشحو الرئاسة الأمريكية مقترحات متفاوتة في الطموح للحد من شراسة المنافسة في التوسع بين منصات الاعلام الاجتماعي، وتصل إلى حد اقتراح تفتيت الشركات المتعملقة إذا ثبت احتكارها للبيانات الشخصية وتسريبها أو تعريضها بالإهمال للاختراق.
في موقفين متناقضين، أكدت فيسبوك مؤخراً رفضها المساس بالإعلانات السياسية، بينما منعت تويتر كافة الاعلانات السياسية حول العالم، وصرح مؤسس المنصة ورئيسها التنفيذي جاك دورسي بأن الدعم السياسي يكتسب ولا يشترى.
تواكب حرية التعبير وفرة المعلومات للجماهير عبر منصات التواصل، وبالتالي تتوافر حرية التصديق على قدر الوعي مقابل مستوى الحرفية في التدليس، وهي إن خضعت للإشاعات الرائجة والحقائق المحرفة ستؤدي إلى تضليل المجتمع، وإن اختلطت بأجندات الربحية لمنصات التواصل جعلت من الأخبار الكاذبة سلعة ثمينة مسكوت عن تداولها إلى حين تكذيبها بجهود فردية أو شعبية أو مؤسسية، أو التشريع لمحاسبة مصدر الإشاعة على قدر الضرر المحدث، فإما جنائياً بالغرامة أو الحبس إن أمكن، أو أدبياً بحذف حساباته من المنصة.
تتشعب دوافع نشر الإشاعات. فدوافع الأفراد تشمل سذاجة التصديق والرغبة في ترويجه، أو تحقيق الربح المادي والشهرة، أو الإيمان بتوجه سياسي أو ثقافي مغاير يحارب نقيضه السائد. أما الجماعات المنظمة فتنشر ما يروج آراءً تدعمها أو يخدم المتحكمين بها. هذا التشعب في الدوافع ينهك الأفراد والجهات الرسمية التي تكافح لتفنيد الأكاذيب، وهو من قبيل الدخول في النوايا لتحليلها.
الأسهل من ذلك كله هو التواجد على منصات التواصل والمواكبة الفورية لما ينشر، لأن تصحيح المعلومة المبنية على مواقف يتطلب الرد بمعلومة مبنية على حقائق. الأمر حالياً لا يتطلب بالضرورة كوادر لرصد ما ينشر، وإنما تصميم برامج الذكاء الاصطناعي المغذاة بالمعادلات المعقدة التي تتناول كافة احتمالات الكذب وأساليب فرزها، بل تتلقى الأمر بالبحث عن نقائضها، ويبقى للبشر قرار ما ينشر.
تارودانت انيوز.
المصدر: اسكاي انيوز.