اليوم الجمعة 22 نوفمبر 2019 - 11:46 مساءً

المغربي عبد الله راجع تفوق على شعراء جيله عربيا… ثم حل به ظلم مزدوج

أخر تحديث : الأحد 3 نوفمبر 2019 - 4:56 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 3 نوفمبر, 2019 | قراءة

تارودانت أنيوز.
عبد الرحيم الخصار.

حين يُطرح اسم الشاعر المغربي الراحل عبد الله راجع، فإن سؤالاً أولياً يقف عند عتبة أي نقاش يخص هذا الشاعر: هل نال عبد الله راجع ما يستحق من حضور وتداول وتقدير؟ وقد يأتي الجواب على شكل سؤال آخر: ومن هو هذا الشاعر المغربي الذي نال حظه عبر تاريخ الكتابة في هذه البلاد؟ ومتى كان الشعر “المغربي” محطَّ تقدير كبير لا من لدن المغاربة، ولا من لدن أشقائهم العرب؟

إن الشعر في المغرب يعاني من “ظلم” مزدوج، داخلي وخارجي. هذا ونحن نتحدث عن عبد الله راجع أحد الأسماء الأساسية والمؤسِّسة للشعر المغربي الحديث، فماذا عن الآخرين الأقل حظّا؟

إذا وضعنا الشاعر ضمن الشرط التاريخي الذي اعتاده النقّاد وسيلةً أو آلية للتصنيف، وأقصد هنا جيل السبعينات، فإن عبد الله راجع يتفوق فنيّاً على الكثير من الشعراء العرب الذين جايلوه شعريّا، وصاروا رموزاً ذائعة الشهرة ومضاربَ المثل حين يتعلق الأمر بأي حديث نقديّ عن ذلك الجيل.

ذلك أن أقسام الأدب الحديث في الجامعات العربية هي التي تمنح الأضواء لمن تريد. ولنسأل مثلاً كم بحثاً جامعيا أُنجز حول شعر عبد الله راجع في كليات الأدب بمصر وسوريا والعراق ولبنان وغيرها من بلدان المشرق؟ ولنسأل بالمقابل عن الكم الهائل من البحوث الجامعية التي أنجزت حول الشعراء المشارقة بالكليات المغربية. نجد دائماً أن الجامعة المغربية كانت كريمة ومضيافة مع التجارب الشعرية المشرقية، وكانت أيضا منساقة وراء أسماء بعينها شيء لها أن ترَوّج على حساب أسماء أخرى، إما لأسباب إديولوجية وسياسية في الغالب، أو لأسباب ترتبط بقدرة بعض الأفراد على إدارة أعمال الماركتينغ في تلك الفترة.

أضف إلى الجامعات ما تكرّسه الملتقيات والندوات والمؤسسات الثقافية من تنميط لتجربة شعراء السبعينات في العالم العربي، لنكتشف كم ظلَّ راجع على هامش الضوء، وضيفا قصيّا في حفلة شعراء تلك الحقبة، وهو الشاعر الذي كان مشغولاً بتجديد قصيدته لتكون متفتحة مثل “وردة المتاريس”، وإن كان يسعى إلى ذلك من داخل نظام إبداعي شبه مغلق. اِنطلق عبد الله راجع في الكتابة بجموح المرحلة وحماسها اللاهب، بصوت مسموع يخاطب الجماعة، صوت يريد أن يجعل من الشعر لافتةً للتنديد، وساحةً لتجييش المشاعر. وانتهى، في ما يشبه تحولاً كبيراً في النظرة والأسلوب، إلى خطاب مهموس لاذَ فيه بصوته الداخلي.

هذا التحول لم يكن حكراً على راجع وحده، بل انسحب على كثير من التجارب الشعرية العربية، ومردّ ذلك إلى أسباب عديدة، منها ما هو ذاتي، ومنها ما ورد من خارج الذات. ولعلّ نهر الكتابة عند راجع تحول مجراه بسبب منعطفين، أحدهما خارجي، وهو الإحساس بالخذلان بعد أن اصطدمت أحلام السبعينات بأكثر من جدار، أما السبب الذاتي فهو تجربة المرض التي جعلت الشاعر يعيد النظر في المسألة الوجودية، واصلاً في نهاية تأملاته إلى الإحساس بأن الشاعر كائن هش، ليس بوسعه أن يطيقَ كل تلك الأحمال التي وضعها على كتفيه في بداية التجربة.

كان عبد الله راجع حالماً، كمعظم مجايليه من الشعراء، لكنّ أوج حلمه كان هو كتابة “قصيدة مغربية” لها خصوصياتها التي تكشف عن مسافةِ مغايَرةٍ واختلافٍ بينها وبين “القصيدة المشرقية”. لذلك اختار أن يصدر عملاً شعرياً قائماً على الخبب في مستواه الإيقاعي، باعتبار الخبب، حسب رأيه، هو إيقاع اللهجة المغربية. وكان أيضاً تجريبياً، ففي “أيادٍ تسرق القمر” حوّل نص السيرة، الذي اعتاده الناس نصاً سردياً، إلى نص شعري. كما وظف الكاليغرافيا في “سلاماً وليشربوا البحر” لإضافة عنصر آخر إلى النص الشعري، فقد كان يريده مقروءاً ومرئياً.

قد يرى كثيرون أن تجربة عبد الله راجع الشعرية تجربة متجاوَزة، بحكم انتمائه إلى جيل السبعينات الذي ظلّ معظم شعرائه أوفياء لنوع من الكتابة ارتكز بالأساس على منطلقين: الأول يتعلق بالمضمون، أو ما كان يصطلح عليه ب “القضايا الكبرى”، والثاني يرتبط بالشكل، وهو الوفاء لقصيدة التفعيلة. والحقيقة أننا نحتاج إلى إعادة اكتشاف هذا الشاعر، الذي لم يُقرأ بما يستحقّ، ولا أقصد هنا القراءة النقدية أو الدراسات النصية فحسب، بل أقصد قراءة النصوص وتداولها وحضورها بين قرّاء الشعر العربي الحديث. فالمتداوَل لدى عبد الله راجع بين القرّاء هو نصوص قليلة، أو مقاطع من نصوص، كان لحضورها القرائي إما أسباب وسياقات، أو كان الحظ فحسب هو السبب.

هذه النصوص مقتطفة في الغالب من أعماله الثلاثة التي صدرت خلال حياته: “الهجرة إلى المدن السفلى”، “سلاماً وليشربوا البحر” و”أيادٍ تسرق القمر”، غير أنّ كثيراً منّا لم يطّلع على تجربتين مهمتين في مشروعه الإبداعي، صدرتا متأخرتين سنواتٍ بعد رحيله، ضمن الأعمال الشعرية الكاملة. ويتعلق الأمر بمجموعتيه الشعريتين: “وردة المتاريس” و”أصوات بلون الخطى”. وهما عملان يستحقان الآن العودة إليهما بما يليق بهما من قراءة ودراسة وتداول. فقبل أن يفكر الشاعر، أي شاعر، في تجاوز تجربة شعرية ما، عليه أن يملك وعياً عميقاً بها، أن يعرفها أولاً حق المعرفة، ثم ليفكرْ بعد ذلك في تجاوزها، إن توفرت له قدرات التجاوز.