اليوم الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 - 3:47 صباحًا

 

 

أضيف في : الأحد 24 نوفمبر 2019 - 11:04 مساءً

 

تـافـلاكـت ..العمق الزمني والامتداد المائي والارتباطات المجالية/ج3

تـافـلاكـت ..العمق الزمني والامتداد المائي والارتباطات المجالية/ج3
قراءة بتاريخ 24 نوفمبر, 2019

قبل عشرة قرون، أي نهاية الدولة المرابطية سجل لنا الجغرافي الشريف الادريسي “كون المنطقة تعد بلد حنطة وشعير وأرز ممكن بأيسر قيمة” يفهم من هذا أن الأرز المستورد اليوم من جنوب شرق القارة الاسيوية، كانت تتم زراعته بتارودانت، أن المنطقة كانت رطبة جدا، لأن الأرز يزرع بالمروج المائية وفيها ينمو وبها يحصد ، وشاهد الحال الى الأمس القريب خارج باب الزركان عشرات الأفدنة شمال وجنوب ساقية ترغونت، كانت تسمى “فدانات المرج”.


خلال العصور الوسطى مع دولة السعديين وشهادة تاريخية للجغرافي الوزان الذي سجل لنا “ازدهار زراعة قصب السكر”، هي الأخرى فلاحة عصرية تتطلب كمية وافرة وزيادة من الماء، لنقطع المسافات الزمنية والقرون السنوية وصولا الى بداية القرن العشرين حيث كانت أول تجربة لزراعة الموز بشكل مكتف، قام بها المعمرون الفرنسيون داخل سور القصبة كستار وقائي من الرياح يقوم مقام البيوت البلاستيكية حاليا. أما د.عثمان هناكا في كتاب “تارودانت واولاد تايمة قطبي اقتصاد سوس” فيقول “مع العلم أن حزام السور يحتضن مساحة206.25 هكتار، في بداية القرن العشرين كان ثلث هذه المساحة فقط يشغله العمران أي حوالي68 هكتار”، أي أن الباقي 138 هكتار كله عراصي وبساتين زيتون وفلاحة معاشية تسقى من تملالت وتافلاكت.


ساقية تافلاكت من أهم المجاري المائية الطبيعية بتارودانت حمولة جريان وطول امتداد ، تؤخذ من وادي سوس شرق تارودانت إزاء مكان يسمي فريجة ، يتموقع على علو 259 م عن سطح البحر، وتسير الساقية اتجاه المدينة حيث تخترق سور المدينة من جهة الشمال عند مشارف باب الخميس، بعد أن تقطع بساتينها الداخلية تغادرها من الغرب قرب باب اولاد بنونة ، فتستمر محاذية الوادي الواعر الى دوار الطالعة بمنطقة الكلالشة فيكون طولها حوالي 20 كلم، بذكر علي زكي المجاطي في “تارودانت حاضرة سوس” وهو ما يجسد الامتداد المائي . هذه هي الساقية الكبيرة التي شاهدها بتارودانت الرحالون والمؤرخون ووصفوها أوصافا ظلت تحتفظ بها الى منتصف السبعينات من القرن الماضي، .قال عنها ابن عدارى الذي عاش في أواخر العصر الموحدي : ” وشاهد الناس وصفا حفيلا وبلدا خصيبا ، ذلكم أن ساقية كبيرة ارتفعت من وادي سوس الى تارودانت وعليها العمارة والسكنى والرياضات وكل دار بإزائها رياض، وفيها من الأشجار أنواع واتصل هذا المجموع بعضه ببعض في بسيط معتدل الهواء فسيح الأرجاء ”، في وقت لاحق لعله من الفترة السعدية ثم تمديد هذه الساقية حتى عبرت الوادي الوعر في منطقة الكلالشا ، وذلك بواسطة قناة محمولة فوق أقواس محكمة البناء متينة الإتقان لتمديد جريان المياه الى الضفة الاخرى حيث رفعت مسلات الساقية وسط وادي اختص باسم الواعر.
1 – الارتباط الفلاحي
الامتداد المائي لمجرى تافلاكت والذي بلغ 20 كلم، بديهي ان يكون له ارتباطات مجالية نجد في مقدمتها الفلاحة كنشاط اجتماعي بتارودانت، افرز لنا مصطلح لقبيْ الرْبّاع والخمّاس، وهما الفلاح الصغير الذي لا يتوفر على ملكية فيتعهد عقار الغير بالسقي واستغلال الأرض مقابل الخُمس من الانتاج في بورة أهل تارودانت لاسطاح، او الربع في مجال سقي تافلاكت وتملالت، هذا النمط التشاركي يعد أحسن اعتمار وايسر استغلال لكلا الطرفين، وفرة مياه السقي بتارودانت جعل منها ملكا مشاعا بين المستغلين فكل من ملك عقارا فلاحيا مجاورا لمصرف ماء، جاز له ان يستفيد من السقي لأرضه بطريقة الغمر مجانا وبالكمية التي يحتاج، خلاف بقية مناطق سوس حيث يعتمد كأول اجراء تدبير عملي النوبة وضبطها وفق معيار زمني هو الساعة أو ما يعادلها قياسا بآنية الطاسة/تناست.
في مقدمة المزروعات المسقية نجد الذرة الشامية المعروفة في قاموس الزراعة المحلية باسم “البشنة المارسية” وهي حبوب بحجم الجلبان ناصعة البياض، يأتي استهلاكها في المرتبة الثانية بعد الشعير البوري ، كلاهما يعتبران غذاء أساسيا للإنسان والبقايا كلأ للماشية خاصة الأبقار الحلوب بالنسبة للذرة، وعلف لدواب خدمة الحمل والنقل وبهائم الحرث والدراس بالنسبة للشعير، أما الذرة الحمراء فلم تدخل المغرب الا في 1942 مع نزول القوات الأمريكية فوق التراب المغربي، ونفس القول فيما يخص القمح اللين – انظر الفقرة الأخيرة مدونة: زمن المجاعة والأوبئة بتارودانت ج2.


أما عن الغلل الموسمية المتجذرة بتارودانت مند أزل الدهر، نجد التين والإجاص/بوعويد والرمان والعنب والثمر واللوز والجوز ، بالإضافة طبعا الى الشجرة المباركة الزيتون، وردت اسماء الغلل في بعض العقود العدلية التي تؤرخ للفترة السعدية بتارودانت سنوات 980هـ و 1008هـ و 1066هـ وتنص على انتشار هذه المنتوجات في أملاك الأحباس بكثرة، الغريب في مضمن هذه المستندات التاريخية، لا وجود اطلاقا لذكر الحوامض بجميع أنواعها !!! كما تجدر الاشارة ان أهل تارودانت جرى به عرف العادة مند القدم، ان يتم تخصيص شجرة زيتون أو نخلة، كاملة أو قسط منها نصفا أو ربعا ، ويفهم منه الغلة عند تمام النضج وحصول الجني، تخرج أعشارا -عرفا فقط – لفائدة محراب ويفهم منه صدقة لامام الصلاة، او فقراء المسجد ويقصد بهم المداومون على تلاوة الحزب الراتب، او فقط المحتاجون المواظبون بمدخل المساجد تعففا عن ذل السعاية…


حسب دراسة جغرافية للدكتور عثمان هناكا في كتاب ” تارودانت واولاد تايمة قطبين حضريين بسوس” ط 1995 زراعة البرسيم ” الفصى ” كانت تغطي في 1970 مساحة 313 هكتار لتتراجع سنة 1982 الى 91.4 هكتار، هذا التراجع لم يمر دون التأثير سلبا بشكل ملحوظ على تربية الماشية، حيث كان سنة 1970 بتارودانت 3700 راس بقر و13000 راس غنم، في 1982 بداية الجفاف انخفض عدد الرؤوس الى 2633 بقر و 8142 غنم؛ التأثير السلبي اما نتيجة جفاف السواقي او تراجع صبيبها، امتد أيضا الى المجال الطبيعي/الفلاحي الذي كان يحترفه 83% من السكان النشيطين بداية الاستقلال، جله يتمركز داخل حزام السور، عبارة عن حقول زيتون بها كلأ الماشية، وجنانات الخضر والبقوليات والورديات، وغلل موسمية خريفية كالسفرجل واللقيم وأصناف البرتقال والحامض والليم والأترج والتفاح البلدي والرمان السفري والموز الرومي الطويل والبلدي القصير والثمر، والفواكه الصيفية خاصة العنب والتين والاجاص/بوعويد والمشمش والخوخ … كل صنف مما ذكر يشمل عدة أنواع لبها متشابه ومداقها مختلف، فالعنب فيه الأسود والأبيض والبزولي والموسكا، والتين فيه الابيض والأسود والحمري والغداني، والثمر ست أو سبع أنواع، جل هذه المساحة تتمركز ما بين باب الخميس وباب ترغونت مرورا باب اولاد بنونة وهو المجال الفلاحي التابع لساقية تافلاكت الأزلية، لذا لم يوجد عبثا ولا صدفة فناء “مراح البقر” في مكان آخر بتارودانت غير مجمع الأحباب متوسط خط المسافة بين باب الخميس وباب تارغونت، مساحة تشكل ثلث المجال الفلاحي داخل السور ،أي حوالي 42 هكتار، كما ان حظائر الماشية/ زرايب لا توجد بالمدينة سوى بمدخل باب الخميس يسارا، وخارج باب اولاد بنونة مباشرة يسارا أيضا فوق جرف الوادي.
2 – ارتباط الصناعة التحويلية
من الارتباطات المجالية لتافلاكت، كونها شكلت المحرك الرئيسي لسلسلة من الأنشطة الاجتماعية الفلاحية ذات الصبغة الصناعية التحويلية وتطورها باستمرار عبر التاريخ ، أهم تلك الأنشطة تربية الماشية ومقوماتها التي تبدأ بزراعة الكلأ كنشاط فلاحي محض، وتنتهي بعائدات بيع الجلود التي كان لها فندق خاص – فندق الجلد- هو قيسارية الأحباس بتلمقلات حاليا، أو بدار الدباغة بساحة أسراك كصناعة تحويلية صرفة؛ ومن هناك تعمل القوافل التجارية على حمل فائض الحاجة من الجلود لتصديره عبر ميناء الصويرة نهاية القرن 18م فترة حكم سيدي محمد بن عبد الله، فيما الباقي يحول الى الصناعة التقليدية المحلية بمختلف سماطات تارودانت، كل حسب تخصصه التجاري الحرفي من خرازة النعال والسراجين/ الحلايسية والشكايرية وسمايطية والبلايغية والغرابلية وحرفيوا الدلاء والقرب …
من اوجه الصناعة التحويلية أيضا، ارتباط ساقية تافلاكت ب 9 تسع مطاحن تقليدية كبرى تدار أرحيتها بقوة جريان الماء الذي يُأْخذ بداية من المجرى الرئيسي لتافلاكت، ثم يوجه بواسطة قناة تصنع من جدوع النخيل بعد تجويفها، وتمدّد بمنحنى مائل 5° تقريبا، ليضرب الماء فوق أجنحة خشبية تدير قرص الرحى في حفرة متوسطة العمق : المطحنة الأولى ناحية اولاد عرفة صاحبها كان يسمى أبا فضول السوسي، كما يملك ايضا هناك معصرة زيتون، والمطحنة المائية الثانية فوق تافلاكت لأيت بن أبادو والثالثة … – المصدر الشفوي غاب عنه اسم المالك- جميعها باولاد عرفة، كان جل زبناء هذه المطاحن الثلاث من يهود تارودانت الذين يشكلون 10/1 واحد من كل عشرة من مجموع ساكنة تارودانت، ويستهلكون القمح الصلب دون إزالة النخالة عن ذكاء فطري ودهاء صحي، بينما المسلمون يفضلون الشعير، والنخالة ترمى عن جهل للماشية او الدواجن وغبن بمزاياها الصحية؛ عملية طحن مقدار صاع/عبرة الحبوب بالمدينة ، تستغرق على الأقل ثلاثة ايام وهي اقل مدة، لهذا السبب كان اليهود يتجشمون عناء حمل ونقل القمح حتى مطاحن اولاد عرفة؛ المطحنة الرابعة ملكية مولاي الحاج، والخامسة ملكية الشيخ عمر من أيت الدهن، والسادسة تسمى رحى المخزن مكانها بالضبط مقهى عمر-سابقا- بباب الخميس قرب زاوية السور/ملاعب القرب حاليا، والسابعة رحى مولاي أحمد النافح، وهي الأولى فوق تافلاكت داخل السور/المدينة بباب الخميس، والثامنة رحى المجاطي في عمق حي تفلاكت قرب فدان بويزمارن جوار مولاي عبد المالك بن الفضيل عم مولاي عبد القادر البلغيتي، والتاسعة رحى مولاي عبد الكريم اوتليمت جوار بن حفيظ أيت البوطولي قرب باب بويزمارن حاليا، والعاشرة ملكية حميمو باولاد بنونة.


عشر منشآت متخصصة في الصناعة التحويلية الغذائية التي كانت تقوم على ساقية تافلاكت وقوة الطاقة المائية منها، ايام كان الصبيب وافيا والجريان كافيا، لتبقى عدد من الرحي المائية غير التي عدت ونسبت لأصحابها خارج السور، تقوم على ساقية ترغونت منها واحدة قديمة جدا دخلت مع الأسف في تعداد المآثر المهجورة، مالكها جعل مستفادها وقفا حبسيا للفقراء المداومين على الحزب الراتب بالمسجد الجامع سيدي وسيدي، مكانها يسمى اليوم “فم رحى” وهو تجمع سكني عشوائي صغير ملاصق لمقهى فالا خلف المركب الحبسي .
3- ارتباطات اجتماعية
بعد انتهاء عملية مد القناة العصرية لتافلاكت سنة1951 زمن الباشا محمد الجامعي الفاسي، استدعى الرئيس بالنيابة لمكتب الشؤون الأهلية/البيرو النقيب كتانضوle capitaine CATANDO كافة الشيوخ والمقدمين والملاكين والفلاحين أهل تارودانت، ليخبرهم ان أشغال مد القناة من اولاد عرفة حتى دوار الطالعة قد انتهت، وقد انجز المشروع من عائدات ضريبة الترتيب التي كانت يؤديها الفلاحون عن الأشجار المثمرة أيا كان صنفها، والحبوب والقطاني بمختلف أنواعها، ورؤوس الماشية بكافة أجناسها، فأخبرهم بضرورة تشكيل لجنة تتبع المشروع والاشراف على تسييره، هكذا جاءت فكرة تعيين “أمزالات” للسهر على التسيير وضبط نوبات السقي، فتم تعيين ثلاث “أمزالات” بتارودانت داخل السور، وهم عزوز بن ابراهيم من حومة اولاد بنونة شقيقه سائق الكومندار، والثاني هو ابا محماد الدّياب جد الطبيب وأشقائه أبناء العربي من حومة فرق الأحباب، وثالث من حومة جامع الكبير- مصدر الرواية لم يعد يتذكر اسمه-، وكل “أمزال” يعيّن على مسؤوليته مساعد له يلقب “جرّاي” .

إضافة الى تدبير عملية نوبات السقي، “أمزال” يُلجأ لتحكيمه في الخلافات الناتجة مثلا عن السهو أثناء السقي وعدم الاحتياط لدرجة غمر فدان الغير بالجوار واتلاف مزروعاته، أو جني شجرة زيتون بالخطأ من قبل الشلوح الجبليون النازحون بالمآت تغص بهم فنادق تارودانت التي تقارب 20 فندقا، ومعاصر الزيتون التي بلغ تعدادها داخل السور لوحده 60 معصرة تقليدية.

اذا تعذر على “أمزال” فض خلاف تعويض الضرر بين الجارين واستعصى الحل بينهما، يرفع للجنة الأعيان الملاكين ذوي الاعتبار الاجتماعي في الوسط الروداني لتطويق الخلاف وإصلاح ذات البين في هذه الحالة وغيرها كيفما كانت طبيعتها، وهم حسب الحومات أو ربوعات من باب ترغونت : المْعلم محمّاد التزنيتي، مولاي بوبكر دعداع، مولاي العربي ولد مزيود، أبا الشيخ الطاهر، والحاج محمد هرماس وسي عمر ايت ناظر- السراج؛ من فرق الأحباب : بن حفيظ المزوار- البطولي، مولاي الشريف، أبا الهاشمي بوتفوست؛ من حومة جامع الكبير: أباينو، ابا احمد مول الكيران، الحاج مبارك المحتسب- الراجي، الحاج عبد السلام اخياط – الخياطي، الحاج صالح ولد سي عيسى؛ من اولاد بنونة : سي عزوز أيت بنبراهيم، حليبو، ابا بيروك مرحوم، الحاج ميلود بعليلو، مولاي محمد ايت اباها. هذه اللجن كل منها حسب حومته تتكفل بتطويق جميع الخلافات كيفما كانت وجبر الضرر باستعجال، تفاديا لعرض شكاية الموضوع على الحاكم “الفرنساوي” بمكتب الشؤون الأهلية/البيرو ليحكم فيها، وهو ما لا يقبل به الرودانيون إطلاقا، ولا يرضوه فيما بينهم مهما كلف تعويض الخسارة، حرصا منهم على الكرامة الوطنية الجماعية، فيتقدم أعضاء جماعة الملاكين الأعيان مطالبين المتضرر بتقويم لما ضاع أو أتلف بالخطأ ليعوض له نقدا أو عينا، بعد أخد ورد وضيف الله بباب الدار، يطأطأ المتضرر رأسه استحياء من جماعة الأعيان بعتبة داره، ومسامحة للجار بجنبه، فيُأمر المخطئ بتقبيل رأس جاره، فيعلن الصلح بالتراضي بين الخصمين، وإشهاد الجماعة عليه، ترفع بعدها الأكف بقراءة الفاتحة والصلاة على النبي، لتتفرق جماعة الصلح بالحسنى ووعد برد البال وعدم العود للخطأ مجددا، وقد ينال المتضرر البسيط في الغد تعويضا من أحد الأعيان يظل ذلك سترا محجوبا لا يعلم به أحد غيرهما، مراعاة للكرامة الشخصية التي تجعل جميع الرودانيين سواسية، أكان رباعا أو خماسا أو فلاحا بسيطا أو ملاكا ميسورا.

كل زمن وتارودانت بألف خير- يتبع

حديث مع الصورة // علي هرماس – صور محمد المختار الغالب