رأي

‎موسم سيدي بوخيار؛ العلاقة بين المقدس والمدنس والطقوسي والرمزي والاقتصادي والاحتفالي


يُراد بالموسم، أو “رَمْوَسًمْ” أو “لاًمًثْ” أو “رَعْمَا(رْ)ثْ” بالتعبير المحلي الريفي: ظاهرة اجتماعية شمولية، تقوم على تجمعٍ إحتفالي، خاضعٍ لتنظيم زمكاني، يتأسس على أصولٍ ومرجعياتٍ يتداخل فيها الأسطوري بالواقعي والتاريخي، والديني بالدنيوي والمقدس بالمدنس، والاقتصادي بالسياسي والاجتماعي، والشرعي بالعرفي.
سمح لنا البحث الميداني حول جرد أضرحة الأولياء والصلحاء بالريفين الأوسط والشرقي، بالتعرف على مجموعة من المواسم التي آرتبط تنظيمها بفضاءات آل الولاية والصلاح بالمنطقة؛ حيث تنعقد هذه التجمعات على شرف هؤلاء، آحتفالاً بذكرى ذات دلالةٍ في حياة الجماعة المنظمة للموسم؛ وتقترن هذه المواسم أيضا بمناسبات دينية ذات وَقعٍ مقدسٍ في ماضي هذه الجماعة وحاضرها ومستقبلها؛ من بين هذه المواسم المتعرف عليها: موسم الولي الصالح سيدي بوخيار. فماذا عن التحديد الزمكاني لهذا الموسم؟ وكيف تتمظهر العلاقة بين المقدس والمدنس والطقوسي والرمزي والاقتصادي والاحتفالي، وتنتظم في إطاره؟
أولا – التحديد الزمكاني للموسم والتداخل بين المقدس والمجال والزمان، والأبعاد الدلالية والرمزية لاِرتباط موقع   ضريح سيدي بوخيار بالقمة الجبلية بالريف الأوسط:
ينظم موسم ثقافي، وديني، واجتماعي، واقتصادي، يوم الوقوف بعرفة في التاسع من شهر ذي   الحجة، من كل سنة هجرية، بإسم الولي الصالح سيدي بوخيار، الذي يقع ضريحه، في أعلى قمة جبل الحمام بالريف الأوسط، على آرتفاع يقدر ب 1952 متر عن سطح البحر، بجماعة شقران، التي تبعد عن الحسيمة المدينة بحوالي 90 كلم([1]). يحمل المكان / الجبل إسم الولي الصالح سيدي بوخيار، إلى الآن، ويحوي ضريحه، على مرتفع قمة تطل على العالمين مثلما يبدو من الصورتين أسفله


ترتبط مجموعة من الأضرحة والمزارات، بالريفين الأوسط والشرقي بالمرتفعات، أي؛ بقمم الجبال والتلال بالنظر إلى أن المرتفعات، “أماكن مواتية
 لغزارة الخيال، توحي بالعروج”([2]). توفر الهدوءوالخصب والموارد الطبيعية والحماية، وتنهض بأدوار اِجتماعية بسبب ما تعرفه من نزاعات قبلية حول الأرض والماء والمرعى، مثلما عرفت مسالك تجارية أكثر أمنا من المسالك الساحلية المهددة بفعل نشاط القرصنة والغزو، ولذلك عرفت تعميرا سكانيا قديما، واستقر بها  المنتسبون الى الأشراف الأدارسة وإلى آل الولاية والصلاح، وظهر بها دعاة وثوار اِتخذوا الدين مطية للظهور وجمع الناس حولهم.([3])  مثلما تدل قمم الجبال والتلال على الرفعة والسمو والعزلة العمرانية المقدسة التي تجعل البناية الدينية محفوفة برمزية الرهبة والخشوع والتميز، ونيل الأجر والثواب، لأن الزائر إليها لا يصل إلا بشق الأنفس.([4]) لذلك، لاحظنا خلال البحث الميداني، وجود نسبة كبيرة من الأضرحة المشيدة فوق قمم الجبال أو سفوحها أو عند قدمها، أو على الهضاب والتلال، بالريفين الأوسط والشرقي، وفي الغالب يختار المكان المرتفع لإقامة ضريح الولي المشرف على تجمعات السكان، وعلى الأسواق والطرق والساحل. بل إن عددا من الجبال والمرتفعات بالمنطقة، حملت أسماء الأولياء والصلحاء وألقابهم، واحتضنت وماتزال أضرحتهم ومزاراتهم، التي تذكر الأجيال بجوانب من مكانة هؤلاء وسلطتهم، وسريانهما في الحاضر والمستقبل، رغم عوادي الزمن، مثل ما يظهر من الجدول أسفله:
جدول رقم: 1 جبال تحمل أسماء أولياء وصلحاء بالريفين الأوسط والشرقي:

تتسم منطقة الريفين الاوسط والشرقي، بغلبة الطابع الجبلي على جغرافيتها، وبتضرسها، ووجود كتل جبلية صخرية وعرة يصعب النفاذ إليها من الناحية المورفولوجية، لهذا شكلت الفضاء المناسب لآل الولاية والصلاح، للاِنزواء والاِبتعاد عن الخلق في إطار مجاهدة النفس وممارسة الخلوة والتذكر والتفكر والاِبتعاد عن الخطر الذي يهدد الولي الصالح وزاويته كلما ساءت علاقته بالسلطة. مثلما أن المرتفع يدل على تلك المكانة المرموقة التي يحظى بها الولي الصالح وشموخه المتسامي فوق الجميع، مما يكسبه قوة رمزية كبيرة بمقدورها حماية الأهالي من كل الشرور التي تصيبهم وعلى رأسها هجمات الأعداء الخارجيين أو المجاورين؛ حيث تتخذ بعض الأضرحة المبنية فوق قمم الجبال كمرصد طبيعي لكل ما يجري في الساحل. في هذا الإطار، يتوسل الانسان الشعبي من سيدي بوخيار المساعدة والمعاضدة عبر “الازلي” الغنائي الشعبي، رغم وعر موضع ضريحه، و تضرس موقعه، مما قد يكون حال دون تحقق زيارة المريد (ة) للمقام، في زمن نفسي،  يبدو فيه طالب (ة) المساعدة، في وضعية ضعف واحتياج واشتياق للزيارة والتواصل مع “سيدي بوخيار” الذي يظهر، من خلال البيت الشعري التالي، صاحب  شأن وسلطة وقوة:
‏ ([5])gi ùicet n weDra® – a siDi buxiyya
‏siV-ay-d fus ineK, ùusiD-ay-d gi ruoa®.)[6](
  ونظرا لشهرته في الأعالي والآفاق، ولمكانته ووظيفته لدى المريدين المؤمنين بها، وجد من عبر عن التزامه بالصعود لزيارة مقامه، والتماس بركاته، التي بدونها تنطفئ الحياة:
‏a  siDi buxiyya® gi ùeorurù  iIcehha®.
‏mara wa Va®-K d-uriV, aD wDiV gi rebpa®.)[7](
مثلما وثق الإيزلي الريفي، لعملية النزول من آعالي شقران بالريف الأوسط، زيارة لسيدي بوخيار، ذاكرا أسماء مقامات أخرى هي محطات عبور واستراحة في طريق العودة من رحلة الحج وزيارة المقام البوخياري:
‏– a siDi bu xiyya® ssin id nhwegga.
‏amrabeD n ciyyu® )[8] ( ssin id nÇedda.
‏a siDi apmeD  )[9] (Din i ntekkes tisira.
‏a tasrivwa n bucekraD  )[10] (DinIi nskuta. )[11] (
روي أن مجموعة أضرحة السادة الأولياء والصلحاء بمنطقة الريف كانت ملجأ للساكنة للإحتماء من قصف القوات الاستعمارية خلال العشرينيات من القرن الماضي، إذ يبدو أنه كان من الريفيين من يؤمن بقدرتها على رد قنابل العدوان الاستعماري، أو عدم تمكن سلاحه من استهدافها، رغم تعرضها مرارا للقصف، مثلما يذكر هذا البيت الشعري الغنائي عن سيدي ابراهيم الذي تعرض للقصف من قبل طيران الاستعمار الاسباني:
‏a ùuri-d Tiya®a siDi brapim)[12] ( iI ùewùa.
‏ùewùa imjapDen, ùarwa n Sapaba.
  وهذا “سيذي شعيب أونفتاح”ٍ ([13])  قصف مرات عديدة من قبل البوارج الحربية الأوربية، ولم تنل منه شيئا، وهذا يشي بدور الضريح في حماية ساكنة المنطقة، خلال مراحل من تاريخها الحديث والمعاصر، من القصف البحري نظرا لموقع الضريح المتضرس والمرتفع عن مستوى سطح البحر، مثلما يبدو من الصورتين المرفقتين أسفله لموقع ضريح “سيدي شعيب أونفتاح”.


أما سيدي بوخيار، فقد توجه اليه الانسان الشعبي المؤمن ببركته التي لا تنقطع، خلال فترة اجتياح القوات الغازية للمجال، متوسلا منه ، عبر الإيزلي التالي،   رد العدوان وابعاد أحصنته التي استعملها جنود الاستعمار للصعود نحو قمة جبل شقران بالريف الأوسط:
‏sugen-d iRumiyen sugen-d x isa®Dan.
‏a  siDi bu xiyya®, yaK a ùen-DareD arawan.
ربط بعض الدارسين هذه الأضرحة بمعتقدات قديمة لدى الساكنة([14])؛ إذ كانت  للجبال مكانة دينية في قلوب الأمازيغ، حسب إشارة الكتاب الكلاسيكيين الذين ذهب بعضهم إلى اِعتبار الجبل أطلس إلها ومعبدا([15])، فالأماكن العالية كانت – على ما يبدو- تسهل عملية الاِتصال مع المعبودات السماوية، لذلك لا نستغرب إذا اِعتبرت بعض الأماكن في الجبال أماكن مقدسة.([16]) وكان الأمازيغ، قديما، يعتقدون أن الجبال تسكنها أرواح، وفي الليل ترى أنوارها ويسمع صوتها، وأي حركة خاطئة تهيجها مما يؤدي إلى هبوب الرياح ([17]).إن الأولياء والصلحاء، حسب هذا الرأي، يمثلون نوعا من الاستمرارية لتلك المعتقدات؛ حيث تسكن أرواحهم هذه المناطق المرتفعة. بينما نجد لدى الشعوب القديمة عادة دينية تتمثل في إقامة المعابد في الأماكن المرتفعة كالزاقورات في العراق والأهرامات في مصر، مثلما يجري الحديث في العديد من الثقافات عن جبال أسطورية تشكل مركز العالم (جبل Meru في الهند وجبل البلدان في الرافدين) ([18]). وتم تقديس الجبال وتأليهها في الميتولوجية الإغريقية والرومانية والأمازيغية([19]). بل إن كل البلدان والشعوب تعتبر جبالها مقدسة([20]).  فالجبل بهذه الصورة، يعبر عن نوع من العلاقة (واسطة) بين السماء والأرض([21])، ويتم النظر إليه في المجتمعات الدينية – حسب مرسيا إلياد- كأهم مظهر من مظاهر التواصل بين الأرض والسماء([22])، ولذا يفترض أنه يوجد في مركز العالم([23])، ويحمل دلالات رمزية متعددة، يرمز للإرتفاع والعلو، والسمو والعظمة، والتفوق والتعالي، والرفعة والمفارقة، والظهور والتجلي.([24])
 بلجوئهم إلى الجبال، يشكل الأولياء والصلحاء، بالنسبة لمن حواليهم من السكان مركز العالم، وخزانة للقداسة السماوية التي تتجلى في أضرحتهم. والصعود إلى هذه الأضرحة والقمم المرتفعة، التي تأوي مزارات آل الفضل والصلاح والولاية، هو آرتقاء يجعل الزائر يحس بسمو المكان وتعاليه، وجاذبيته ومركزيته، مثلما تراءى لنا، من خلال زيارات متكررة لضريح الولي الصالح “سيدي بوخيار”، وضريح الولية “للا منانة” بقمة جبل حمام. ذلك أن موقعهما المرتفع جدا على سطح البحر (1907 مترا بالنسبة لضريح سيدي بوخيار، و1964 مترا لضريح للا منانة) يسمح بمشاهدة ورؤية ومراقبة مناطق برية وبحرية ممتدة في الأفق، في مختلف الإتجاهات؛ شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ويتولد عن هذه المشاهدة والرؤية والمراقبة إحساس بالوجود في مكان ليس كباقي الأمكنة، عال ومرتفع عنها، لكنه قريب إلى السماء، ويبدو للعيان وكأنه نواة مركزية للمناطق المحيطة والمشاهدة. وفيما يلي عرض لصور ملتقطة من الإتجاهات الجغرافية الأربع، آنطلاقا من موضع ضريحي”للا منانة و”سيدي بوخيار”. 

رغم تضرس المكان، وتعرضه للرياح والتعرية وتساقط الثلوج شتاء، وغياب شبه تام لتجهيزات وبنيات تحتية، كفيلة بالاِستقرار والانتاج، وتوفير الراحة لزواره؛ فالمكان – رغم تهميشه ونسيانه ممن يفترض أن يثمنوا أثره وتراثه ورأسماله الرمزي والطبيعي، ليساهم في الاِقلاع التنموي، إلى جانب باقي مناطق الوطن- مشبع بالروحانية، وبقدرات وإمكانات طبيعية وتاريخية غنية ذات أثر سحري، تعمل على  استمرار العلاقة وتمتينها بين الانسان والمكان، بعمارته، خلال موسم سيدي بوخيار، الذي يصادف انعقاده يوم التاسع من ذي الحجة أي؛ يوم عرفة، كزمن قدسي، يحظى بمكانة ورمزية لدى المسلمين. لقد تحالفت رمزيتا المكان والزمان وتكاملتا، لصنع الحدث ووشمه في الذاكرة التي تأبى النسيان، من خلال تنظيم الموسم المقام على شرف الولي الصالح سيدي بوخيار والولية الصالحة  للا يامنة. بهذا قاوم المجال محاولات اقتلاعه ونسيانه، بإضفاء القدسية عليه، من خلال حضور المقدس فيه، وبذلك اكتسى صورته ووجوده الفعلي، بآنتمائه لدائرة المقدس.
اِنطلاقا من وصف مقام الولي الصالح سيدي بوخيار ومورفولوجيته وعناصره المؤثثة لمشهده، يمكن معرفة كيفية حضور المقدس بالمجال.
وهكذا يتكون المجال من ضريح صاحب المقام المؤسس سيدي بوخيار، وسوق الصالحين، ومسجد للصلوات الخمس، ومقبرة قديمة، وجُب لجمع مياه التساقطات وتخزينها لأوقات الحر والجفاف، إلى جانب بقايا بناء قديم تعرض للسقوط والهدم يعتقد أنه ضريح ل”تَامْرَابَطْ لَلاَّ مَنَّانَة”، و”كَرْكُورٍ”([25]) من الأحجار الصغيرة وضع بين بعضها قطع من أغصان الأشجار المحيطة بالمكان. هذه العناصر التي تؤثث المجال، ينبعث منها جميعا المقدس، وتشارك من خلال الطقوس التي ترتبط بها في إظهار المقدس والسماح له بالعبور إلى الدنيوي ومن الدنيوي إلى المقدس، من الزمن العادي إلى الزمن القدسي من دون مخاطر. ([26])
يتكون ضريح سيدي بوخيار من بناية مستطيلة الشكل، تقدر مساحتها بتسعين مترا، يقدر طولها بعشرة أمتار، تتوفر على بابين ينفتح أحدها على الجهة الشرقية، والثاني على الجهة الشمالية، حيث يتراءى البحر الأبيض المتوسط، والجنوب الاسباني عندما يكون الجو صحوا. وتتكون البناية المسقفة، بآستثناء مركز زقاقه المفتوح على السماء،  من خمس غرف، واحدة في زاويتها الجنوبية الغربية تحوي ضريح سيدي بوخيار، بينما الغرف الأربع، مخصصة لنزول زوار الضريح. تبدو البناية متواضعة في بنائها، مطلاة بالجير، بدون تزيين أو زخرفة، وبدون قبة. تجاورها من جهة الشمال الغربي بناية مسجد، بإسم الولي سيدي بوخيار، مخصص للصلوات الخمس، تابع لدوار “محلات”، يتوفر على قاعة للصلاة ومحل للوضوء بدون صومعة، ينتهي سقفه المائل بصفائح وقطع من الزنك، وضعت بهذا الشكل، لتجنب تسرب الأمطار والتخلص من الثلوج التي تسقط بكثرة على المكان، خلال فصل الشتاء، وللضريح والمسجد مقدم يحمل إسم الولي بوخيار.


وبين البنايتين تترآى شواهد قبورمقبرة سيدي بوخيار (أنظر الصورة رقم:18)، قديمة، على ما يبدو، تؤثثها بقايا أحراش وغابات الدرو والبلوط. إلى شرق المسجد، وشمال شرق الضريح، يوجد فضاء مفتوح واسع ومستطيل الشكل، يخصص لإقامة سوق سنوي، بمناسبة موسم سيدي بوخيار (أنظر الصور رقم:15 و17 و19) حيث يقصده تجار التقسيط من الاِقليم والمناطق المجاورة، منذ الصباح الباكر،  لبيع مختلف البضائع والحاجيات، للمتسوقين والزوار القاصدين المكان، للتبضع والتبرك… عند مدخل السوق ينتصب خزان مائي أرضي، أنشئ لتجميع مياه التساقطات المطرية والثلجية وتخزينها عند الحاجة.


“رْمَجْمَعْ”، ساحة توجد شرق ضريح سيدي بوخيار، بجوار السوق، تخصص لأداء صلاة     الجماعة، يجتمع فيها مريدو الطريقة العليوية والراغبين في مشاركتهم طقوسهم، بالمناسبة، والتي يتداخل فيها، التهليل، والذكر، والرقص، بالطواف الجماعي، و”العِمَارة”، آنطلاقا من المصلى، في اتجاه الضريح والمرور بجواره، نحو ساحة جنوبه، لإقامة طقوس تتخذ شكل دائرة بشرية من المشاركين الذين يوسعون قطرها ويضيقونه حسب كثافة حضورهم، مرددين بشكل جماعي الفاتحة وابتهالات بالعربية تسمى الذكر.


إلى الأعلى قليلا، ناحية الشمال الغربي من ضريح سيدي بوخيار، تنتصب قمة جبل حمام، التي تعلوها بقايا بناء قديم، تعرض للإنهيار والإهمال (أنظر الصورة رقم: 24 و27)، يعتقد أنه يعود للولية الصالحة للا منانة، الوصول إلى هذا الأثر، صعب للغاية، بحكم شدة آنحدار السطح، سيما خلال فصل الشتاء، وتساقط الثلوج. لكن ما أن تطأ قدماك القمة، يستقبلك ركام من الأحجار المتباينة الأحجام وضعت على شكل “كركور”، يبدو من خلال وجود أغصان الأشجار والنباتات المحشوة بين قطع الأحجار المكونة للكركور (أنظر الصورة رقم: 25) أن هذا الأخير، له نصيبه من القداسة، ضمن الشعائر والطقوس، التي تؤدى بالمقام. حاولت من خلال معاينتي الشخصية، للبناء المهدم، الوقوف على أثر لقبر الولية، فلم أعثر على شيء، حتى عندما توجهت بأسئلة البحث عن مرقد الولية، نحو بعض الزوار الذين حضروا إلى المقام لأغراض مختلفة، خاصة الذين تربطهم علاقة معرفة قديمة بالمكان، لم أتلق منهم إلا التأكيد على آرتباط المقام بهوية الولية الصالحة التي تسكنه رغم غياب أثر لمرقدها. وترتبط بهذا المكان آعتقادات الناس الزوار، الذين يقبلون على أداء طقوس وشعائر، بعضها ظاهري، والبعض الآخر معبر عنه بشكل خفي، للتعبير عن مطالب تظل مكتومة لا يفصح عنها جهرا بالكلام العادي، وإنما عبر استحضارها داخل الذات (أَذِيخْرْ كِيْ نًفْسْ) وترجمتها بطقس خارجي أي؛ بلغة طقوسية. ومهما يكن فالزائر يأخذه إحساس بالتعالي والسمو والاِرتفاع، سيما وأن المقام يبدو مُطِلاًّ على العالم، شَاهِدا ومُرَاقِبا وحَارٍسا لما يقع حوله في كل اتجاه (أنظر الصورة رقم: 26).


ثانيا – سيدي بوخيار الولي الصالح المؤسس للتآلف بين المجال والمقدس، وقناة تصريف القدسي في التاريخ والمجال والمجتمع:
تختلف الروايات حول تحديد أصل “سيدي بوخيار”، رغم غلبة الرأي القائل بأنه قدم من تلمسان بالجزائر غريبا بدون عائلة أو خدم أو متاع([27]). اِختار أن يعيش، ويستقر كناسك متعبد في المكان الذي ما أن حل به، زاهدا متعبدا  متجردا، حلت القدسية والمقدس به، لدرجة أصبحت معه هوية سيدي بوخيارالمؤسس هي ذاتها هوية المجال: ” أَذْرَارْ نْ سِيدِي بُوخِيَّارْ” ( جبل سيدي بوخيار)، ” تَامْزِيذَا نْ سِيدِي بُوخِيَّارْ”( مسجد س. بوخيار)، “رَمْوَسًمْ ن س. بوخيار” (موسم. س. بوخيار) مثلما يظهر أن مجموعة من الأشخاص الذكور بالمنطقة يحملون إسم بوخيار تيمنا بالولي الصالح، الذي بفضله ولج المجال دائرة القداسة. حتى عندما اختفى سيدي بوخيار من الوجود الفعلي الواقعي التاريخي، استمرت الطقوس المرتبطة به، بفضل حضور المجال الذي يحتضن ضريحه وموسمه اللذان يستقطبان زوارا وزائرات، خلال لحظات زمنية تحيينية وتكرارية دائمة للحظة التأسيس. وبذلك يصبح التاريخ المجالي متخذا صيغة دائرية، محكومة بقانون العودة، مما يشي بوجود تآلف بين المقدس والمجال بفضل المؤسس الأنموذج الولي الصالح سيدي بوخيار، الذي مثل قناة لتصريف القدسي في التاريخ عبر الموسم والزيارات اليومية المتكررة إلى مقامه.
ثالثا – إطلالة على موسم. سيدي بوخيار؛ “رْمَجْمَعْ” أو مجمع ومُلتقى الزوار والمتسوقين والحجاج الراغبين نيل أغراض وآمال يتداخل فيها الديني بالدنيوي:
ينتظم حول المقام البوخياري تجمع موسمي، حافل بأعمال وممارسات طقسية، ذات أبعاد ودلالات رمزية، يتداخل فيها الديني بالدنيوي. مثلما أن الموسم مناسبة للاحتفال، وللتجارة، وللمتعة  الروحية، وللتجمع والتواصل بين الأفراد والمنتسبين إلى طريق الله، والباحثين والباحثات عن الاستجابة لآمالهم وأغراضهم، في التبرك ونيل البركة، أوفي الشفاء من سقم، أو طلب ذرية أو زوج أو التخلص من شر أو نحس أو “تابعة”، أو التعويض عن شعيرة دينية مستعصية القيام بها في مكان آخر بعيد، يحتاج إلى تحمل تكاليف وظروف السفر، فضلا عن إمكانات وظروف غير متاحة لجميع المؤمنين الراغبين في استكمال دينهم وإيمانهم.
يحضر موسم الولي الصالح سيدي بوخيار، عدد كبير من الناس([28])، من مختلف مناطق الريف الأوسط وقبائله ومراكزه وقراه، ومن خارجه، أجانب ومهاجرون ريفيون بأوربا. أعمارهم مختلفة؛ شيوخ كهول، شباب، وأطفال من كلا الجنسين، مع غلبة ساحقة للذكور، وآقتصار الحضور النسوي على نساء كبيرات في السن، وفتيات صغيرات العمر. انتماءاتهم الاجتماعية مختلفة؛ تجار، فلاحون، عمال موظفون، طلبة باحثون، سياح، فقهاء، ومتصوفة.
يأتي الجميع متسلقا أوعار التضاريس الجبلية المرتفعة، ومشاق منعرجات الممرات والطرق وضيقها، للتعبير عن التعلق بالمكان والمقام والموسم. يختلف القادمون القاصدون في أوقات التحاقهم بالمكان، بحسب أغراضهم التي يتداخل فيها: الدنيوي بالديني، والمقدس بالمدنس، التجاري والربح المادي بالعبادة والبركة والذكر والاحتفال الطقوسي، التواصل اللغوي بالجسدي.
يعرض التجار- الذين يشكلون أول الملتحقين قصد الفوز بمكان مناسب بمحيط الضريح-      بضائعهم، منذ الصباح الباكر من يوم عرفة، بسوق الصالحين، في آنتظار قدوم الزوار والحجاج والمتسوقين، الذين يتوافدون فرادى وجماعات، عبر وسائل نقل تتراوح بين الدواب والدراجات الهوائية والسيارت المتباينة القيمة، حاملين آمالا وآنتظارات ونيات كامنة، قاسمها المشترك نيل قدر من بركة المكان “سيدي بوخيار”، والاحساس بالسرور والفرح والابتهاج، خلال الأيام المباركة المرتبطة بعيد الأضحى التي تحضى بمكانة محترمة لدى ساكنة المنطقة.
مع بزوغ أشعة الشمس على قمة سيدي بوخيار، ترتاد أمواج من الناس المكان، ويبدأ صخب أصوات تجمعهم الموسمي يرتفع بالتدريج، ليصل ذروته مع تعالي أصوات البائعين، الذين يشهر بعضهم البضائع عبر أبواق ومكبرات صوتية، مرددين عبارات وألفاظ لغوية منمقة موزونة، تتداخل فيها الدارجة بالعربية والأمازيغية، لجذب المتسوقين، يقول أحد بائعي بخور العيد: “تْعَالَوْ هَا لْبَارَكَا وَ لْبَارُوكْ”، إنها “تجارة البركة” التي تعرف رواجا، خلال المناسبة، وتضم مستلزمات الهدية والزيارة والفتوح (شموع وبخور…).
يتوجه الزوار فرادى وجماعات نحو مقام سيدي بوخيار، عبر بوابتي بناية الضريح. يحمل أغلبهم هدايا عبارة عن رزمات وقضبان من الشمع، يجمعها القيم على الضريح في أكياس ليعاد بيعها وتوزيعاها فيما بعد. أضيئت غرفة وجود قبر الولي المغطى بتابوت خشبي مكسو بثوب مزركش، بشمع لإنارة حشود “الطُّورْبَا”([29])* الذين يرددون آيات بينات من القرآن الكريم، والدعاء بالكلمة الطيبة، للزوار والزائرات الذين يتقدمون بهداياهم لسيدي بوخيار، والتي تشمل، بالإضافة إلى الشمع، نقودا توضع في صندوق حديدي مقفل وضع بركن داخل المحل الذي يحوي قبر الولي الصالح، والأضاحي التي تنحر أمام بناية الضريح ويتصدق بها لإعداد الطعام لمرتادي الموسم.
ويستلقي عدد من الزوار والزائرات في المحلات الأربع، المخصصة للإستقبال والمبيت، وهي لا تتوفر إلا على حصير بلاستيكي، يتكلف مقدم الضريح بنظافة المقام ومساعدة الزوار وتوجيههم. ورغم أنه يتلقى جزءا من الهدايا، إلا أنه مستاء من عدم إدماجه من قبل وزارة الأوقاف، ليستفيد هو الآخر من إعاناتها، وهو الذي يقول إنه مكلف أيضا بمسجد سيدي بوخيار، وراسل المصالح الاِدارية للوزارة دون جدوى. ([30])
في الجهة الشرقية لبناية الضريح، حيث “رَمْصَلُى”/المصلى، إلتأم جمع من  الزوار، قبل الاِنطلاق في موكب يتقدمه شيخ كبير السن يرتدي جلبابا، ويلف حول رأسه رَزَّةً برتقالية، يتعلق الأمر بمقدم الطريقة العليوية([31]) التي يشكل مريدوها وأتباعها، أغلب عناصر الموكب الذي آنطلق في آتجاه الضريح بمحاذاة سوق الصالحين، بأصوات مُهللة ومذكرة بشكل جماعي أورادا، ومرددة لازمة: “..الله الله الله …” وقد تدرجت نبرات الأصوات في الحدة، بآزدياد الحشود المنضمة إلى الموكب الذي توقف في طوافه أمام مقام ضريح سيدي بوخيار، حيث تم نحر بعض الأضاحي من الجدي المهداة من قبل الزوار. تهليل، تكبير، ذكر، وصلاة على النبي محمد: “.. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم صل على رسول الله، اللهم صل على رسول الله، اللهم صل على رسول الله”. يزداد المنضمون إلى الموكب، ويجتمع حشد آخر من المتتبعين لهذا الطقس الذي يشرف عليه أتباع الطريقة العليوية بالمنطقة. واصل الموكب الذكر والقراءة الجماعية لأوراد الطريقة العليوية، والسير نحو ساحة مركز التجمع “رْمَجْمَعْ”، حيث آنتظم المشاركون في الطقس في شكل دائري، تحت إشراف مقدم العلاويين، الذي تقدم نحو مركز الدائرة، وأشار للحاضرين بانطلاق المرحلة الثانية من الممارسات الطقسية التي تعرف ب”العِمَارَة” بقراءة جماعية لسورة الفاتحة، ردد بعدها بشكل جماعي عبارة: “يارحمان يارحيم” لمرات عديدة، ثم  تلاها التهليل الذي تواصل بذكر جماعي لإسم الجلالة الأعظم: “الله الله الله”، إلى درجة أضحت حالات الجذب والاِرتعاش والاِهتزاز والرقص المصاحب بعملية تنفس إيقاعي عميق، بادية للعيان على عدد من المشاركين في طقس “العِمَارَة”. ومن كثرة ترداد إسم الجلالة ومداومته ” الله الله الله الله” بشكل جماعي وبسرعة، إقشعرت النفوس وارتجت الجبال الواقفة، وأصبحت أجسام الفقراء العلاويين المشاركين تتمايل في حركية إيمائية أكبر إلى الأمام وإلى الخلف، وتغيرت نبرات أصواتهم الممزوجة بعملية تنفس إيقاعي عميق، وحتى لفظ الله تم تحويره إذ لم تعد أسماعنا تلتقط مما يصلها من أفواههم سوى عبارة ” هُوْ هُوْ هُوْ ” التي تعني؛ الله.
في بداية طقس “العمارة”، انسلت امرأة كبيرة السن بين الحاضرين، وألقت بحزام، عبارة عن حبل من الثوب، على الأرض وسط الدائرة، التي شُوهد فيها أيضا وجود زوج حِذاء، وعصي تستعمل في الاِتكاء عليها ومساعدة المسنين الذين تصعب عليهم الحركة. وهي جانب من الممارسات الطقسية التي تتغيا تحقيق مطالب تهم الخصوبة والزواج والصحة. مطالب تم بصددها رفع الأدعية للاِستجابة لها   ولغيرها، من قبل الممارسين لطقس “العِمَارَة” ب”رْمَجْمَعْ نْ سِيدي بُوخِيًارْ”، قبل فض الحلقية، بعد ساعة تقريبا من الأداء.
افترق المجتمعون جمعهم متوجهين صوب سوق الصالحين، منهم من اتجه صوب الضريح، ومنهم من اتجه نحو مسجد سيدي بوخيار لتجديد الوضوء استعدادا لصلاة الظهر الجماعية التي تقام في المصلى في الهواء الطلق، بدل المسجد الذي يتوفر على قاعة للصلاة.
في نفس الوقت، اتجه عدد من الزوار للتسلق نحو قمة مشرفة على سيدي بوخيار وسوق الصالحين والمصلى، شديدة الاِنحدار، حيث مزار يعتقد أنه مقام ولية صالحة تعرف ب”لَلاَّ يَامْنَة”، بمكان عال في قمة الإبهار، مشرف على العالمين الأرضي والسماوي. المزار عبارة عن بناية قديمة تتكون من كوخ يظهر من وضعيته أنه مسجد قديم، ومن محل صغير، يعتقد أنه مرقد       “للا يامنة”. تعرضت البناية / المزار للهدم بفعل عوادي الزمن والطبيعة ولا مبالاة الانسان. مع ذلك، ما تزال جوانب من أسوارها وسقفها قائمة صامدة متحدية مقاومة محاولات الاِقتلاع والنسيان. وقد وضعت بين تشققات الأسوار والأحجار، هنا وهناك، أجزاء أغصان شجر البلوط الأخضر، كشاهد على ممارسات طقسية، قام بها زوار للتخلص من شر أو مكروه، أو أذى، أو سقم، أو لعنة من اللعن، وطردها أو تحويلها. وينتشر بمحيط البناية ركام الحجارة الملقاة في إطار ممارسة شعرية كانت تعرف برجم الشيطان، لم يبق منها اليوم إلا ركام “كركور” من الحصى والأحجار المتباينة الأحجام التي وضعت فوق بعضها البعض، مع وجود قطع من أغصان الأشجار وضعت بينها، في إطار اتصال بين المعتقدين الممارسين للطقس وما يعتقد أنه بركة الشيء أو المكان المرتبط بذكرى الولية، يتوقع منه فائدة معينة.
يُعتقد أن تكرار الزيارة إلى سيدي بوخيار، خلال موسمه السنوي، لثلاث مواسم متتالية، تسمح للزائر الحصول على “حج الفقير” أو “حج المسكين”، الذي يساوي في قيمته الدينية نصف الحج إلى مكة “أَزْيَنْ ن رْحِجْ” (نصف الحج). ينطوي هذا الاعتقاد على رغبة في تعويض طقس يعتبر ركنا من أركان الاسلام الخمسة، وهو الحج إلى بين الله الحرام بمكة المكرمة. وبما أن القيام بهذا الفرض في الأزمان الغابرة، كان صعبا على مسلمي المنطقة، في ظل البعد الجغرافي، وضعف البنيات التحتية للمواصلات وعتاقتها، وضعف الأمن، رغم ما بذل من مجهودات في هذا الإطار من قبل آل الولاية والفضل والصلاح،([32]) فقد ارتأت شخصية فقهية من المنطقة، تعويض فريضة الحج إلى مكة بحج الفقير أو المسكين أو بعبارة أخرى، تعويض الحج المنشود بآخر مشهود، فانتشر الاعتقاد بأن زيارة مقام الأولياء والصلحاء، ومنهم سيدي بوخيار بالريف الأوسط([33])، وسيدي عيسى أوسيغاو الواقع بقمة جبال إفرني بقبيلة  “أيت توزين” بالريف الشرقي، وسيدي عبد السلام بن مشيش بالريف الغربي، وغيرهم بمناطق أخرى من المغرب وشمال إفريقيا، هي بمثابة “حج المسكين”.
يجسد هذا الموسم في نظرنا نوعا من التعويض بالنسبة للفئات الفقيرة غير القادرة على أداء      الحج، حيث تتمكن من الإحساس فعليا بأنها مندمجة في الأمة الاسلامية رغم بعد المكان، مثلما يعبر الموسم بفضائه وممارساته الطقوسية عن حركية المقدس الذي انتقل بفضل الأولياء والصلحاء والشرفاء من مكان إلى مكان، نتيجة تداخل عدد من العوامل والأسس، وتضافرها لتأسيس، سلطتهم ومكانتهم في ارتباط بهويتهم العامة وأعمالهم المنجزة بفعل الأدوار والممارسات المرتبطة بهم.

الهوامش:

*  – أستاذ باحث في التراث الثقافي والتاريخي والابداع الأدبي بأمازيغية الريف.
[1] – دايفيد مونتكمري هارت: أيث ورياغر قبيلة من الريف المغربي دراسة إثنوغرافية وتاريخية (الجزء الأول). ترجمة وتقديم وتعليق: محمد أونيا، عبد المجيد عزوزي، وعبد الحميد الرايس، منشورات جمعية صوت الديموقراطيين المغاربة في هولندا، الطبعة الأولى، مطبعة أقواس لنشر، هولندا، 2007، ص: 290؛ خريطة  أكنول الطبوغرافية 1/50000.
[2]  –  زكية زوانات: ابن مشيش شيخ الشاذلي. ترجمة أحمد التوفيق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006، ص: 237.
[3]  – ابراهيم القادري بوتشيش: المغرب والأندلس في عصر المرابطين المجتمع الذهنيات الأولياء. ط.2 منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، مطبعة الخليج العربي، تطوان 2004، ص: 143.
[4]  – عبد الإله لغزاوي: منوغرافية المقدس بمدينة مكناس مقاربة لظاهرة الأولياء في تجلياتها الثقافية والأدبية ودراسة آليات اشتغال الكتابة. الجزء الأول، ط. 1، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2010، ص: 215.
[5]  – يقع ضريح الولي سيدي بوخيار بأعلى قمة جبل حمام على ارتفاع 1907 مترا، أما احداثيته المحددة بواسطة جهازG P S فتتمثل في:  006 – 23 – 471 E و 004 – 80 _764 N، ويدخل ضمن تراب جماعة شقران قبيلة ايت ورياغل  (الريف الأوسط) ،  إقليم الحسيمة؛ زيارات شخصية ومعاينات ميدانية.
[6]  –  سعيدة السعيدي: (47 سنة). دوار ايت معاذ، جماعة الزاوية، اقليم الحسيمة رواية شفوية بتاريخ: 17 – 5 – 1999(أذنت بالاشارة اليها).
[7]  – من رواية إنصاف العلالي (19 سنة). دوار أقريشا، جماعة بني عبد الله، إقليم الحسيمة، بتاريخ: 12 – 6 – 2010 (أذنت بالاشارة إليها)
[8]  – يعرف هذا الولي محليا بأمرابض ن شيور نسبة للمكان. وقذ ذكر لي بعض الرواة أن اسمه هو محمد الكتابي. يقع مزاره بدوار ايث ادريس جماعة بني عبد الله إقليم الحسيمة على ارتفاع 714 مترا من سطح البحر يشرف على واد غيس وبوزدور، عند الاحداثيات الجغرافية التالية: 904 -22 – 801 E   و 006 – 92 884 N. ترتبط به معتقدات وطقوس موغلة في القدم، منها طقس مرور زواره وقاصديه بحثا عن الرضا والتخلص من اللعنة والمس، بين صخرتين ضيقتين. زيارات واستطلاعات ميدانية متكررة.
[9]  – يتعلق الأمر بضريح سيدي أحمد الغلبزوري (احمد بن محمد بن عمر بن عيسى بن عبد الكريم) دفين دوار اقنيا ينتسب لأسرة ايث بوزمبو الغلبزوريين، يقع ضريحه الذي يتوفر على قبة وسط مقبرة الاسرة الغلبزورية بجوار الزاوية التي تأسست بالمنطقة ما بين أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر الميلادي، وعرفت أنشطتها استمرارا الى حدود منتصف القرن العشرين. يذكر البوعياشي انه “ولد في تاريخ: 1012هـ، في نحو 65 سنة مضت منها بزاوية سيدي يوسف واستمر هناك على مبلغ الرجال ثم صارت الكرامات تظهر على يده وشهدها الحاضرون من زمانه بالتواتر، فذهب اليه جمع من الناس من بني عبد الله وطلبوا منه الانتقال اليهم للسكنى عندهم رغبة في صلاحه، فترددوا عليه الى أن استجاب لهم وانتقل فنزل بمنزل اقنيا الى أن توفي هناك عن عمر 68 سنة ودفن هناك، وله ذرية هناك يعرفون بالشرفاء القنيين وبأولاد بوزمبو”. بينما تقدم الرواية الشفوية قصة تختلف عما أورده البوعياشي، إذ تذكر أن سيدي احمد اقنيا، قدم صغيرا مع أمه العثمانية، التي كانت متزوجة بزاوية سيدي عيسى، قبل أن يتوفى عنها زوجها الأول، وتتزوج برجل من أسرة النحاس، فاستقدمت معها ابنها ربيبا لزوجها الجديد. وتسترسل الرواية ذكر عدد من الأحداث تضفي على شخصية أحمد، كرامات ومظاهر الصلاح والسلطة التي شاعت بين الأسرة والجماعة، في اطار التأسيس لهوية الولي الصالح في زمن ومجال، كانت الظروف الذاتية والعامة والمحيطة تتضافر لتأسيس لرأسمال رمزي كفيل بإقامة زاوية اقنيا من قبل أعقابه ورثة  رأسماله، داخل مجال كان يعرف انتشار تنظيمات مماثلة تستقي من نفس المرجعية. أحمد عبد السلام البوعياشي: حرب الريف التحريرية ومراحل النضال. (جزءان)، الطبعة الأولى، مطبعة دار أمل طنجة، 1394 – 1974، الجزء الأول، ص: 234؛ عبد القادر الغلبزوري: (60 سنة) دوار اقنيا، جماعة بني عبد الله ( اذن بالاشارة اليه)
[10]  – يتعلق الأمر بشجرة خروب تعرف بهذا الاسم  ربما نسبة لشخص يلقب ببوشكروذ، قد يكون مالكها أو ارتبط بها لاعتبارات معينة، ذات صلة بأخذ قسط من الراحة تحت اغصانها الواسعة والظليلة، بعد اجهاد وعياء التنقل مشيا على الأرجل ” إشكراذ” مفرد “أشكروذ”.  كانت تقع بجوار المركز الحالي لجماعة بني عبد الله(عند مدخل الباب الجنوبي للسوق القديم)، بإقليم الحسيمة، عند ملتقى المسالك الطرقية التقليدية ( إزاكاون) ارتبطت وقائع واحداث اجتماعية بها، في زمن التنظيم الاجتماعي التقليدي للمنطقة، إذ كانت المقر الرئيس لاجتماع “ئمغارن” قسمة ايث عبد الله الورياغلية، للنظر في أمور وقضايا الجماعة والقبيلة، وفق ما استقيناه من الرواية الشفوية.
[11]  – من رواية محمد السعيدي، مركز بني عبد الله، 55 سنة، رواية شفوية. (أذن بالاشارة إليه)
[12]  – يتعلق الأمر بسيدي ابراهيم الذي يوجد ضريحه بدوار اشانن بتمسمان اقليم الدريوش بالريف الشرقي، بيد أن تمسمان تحثضن أيضا ضريح ولي تحت اسم ” سيدي الحاج ابراهيم”بمنطقة اسعيدة.
[13] – يتعلق الأمر بسيدي شعايب اونفتاح أو شعيب ابن مفتاح بن محمد بن عبد الله. يعتبر ضريحه من أشهر الأضرحة بالريفين الأوسط والشرقي، التي عرفت بآحتضانها احتفالات الغناء والرقص والأعراس وختن الأطفال بعد انتهاء موسم الحصاد، طيلة أشهر فصل الصيف. كان الفنانون الشعبيون المعروفون محليا ب”إمذيازن”، يقصدون هذا الضريح لتنشيط اللقاءات الاِحتفالية، بحضور الأهالي والزوار من مختلف مناطق الريفين الأوسط والشرقي، يتوافدون ذكورا وإناثا أفرادا وجماعات، قصد تحقيق أماني ومطالب محددة. يروى أن الولي الصالح  “سيذي شعيب أولفتاح” كان أميا، لا يكتب ولا يقرأ، وكان مجرد راع يجيد العزف على الناي وترديد فنونا من السماع الصوفي والوجداني بالأمازيغية، وأنه مات وهو أعزب، ودفن معه نايه. ويظهر أن هذه الصفات والوظائف هي التي جعلت الولي “سيدي شعيب” ينال حصة الأسد من متن “الاِيزلي” الريفي الموظف لآل الولاية والصلاح بالريفين الأوسط والشرقي. وهو ما قاد أيضا خطى جل المغنين المعروفين ببلاد الريف إلى قبته البيضاء، ليشهدوا بعد ذلك، بكامل الفخر والامتلاء أنهم “قد مروا”من هناك. حضور مثل هذه الاشكال الاحتفالية بموسم ضريح س. شعيب جعل أحد الباحثين الأمريكيين، يصنفون صاحب المقام ضمن “اليسار المتطرف” الى حد ما في الحركة الصوفية المغربية. دايفيد مونتغومري هارت : ايت واياغر. م س، ص: 281؛  تاميمونت العتابي. 85 سنة، دوار تلوين جماعة أيت عبد الله، إقليم الحسيمة، رواية شفوية ( أذنت بالإشارة إليها)؛ منعم الأزرق:  ” في حضرة ولي تمسمان سيدي شعيب أو مفتاح“. جريدة تيفراز، ع: 13، ماي 2004، ص: 32؛ فؤاد أزروال:”مزارات وأضرحة للشعر والفن في الثقافة الشعبية الأمازيغية“.  ضمن الرابط الإلكتروني: https://www.facebook.com/AladbAlamazyghy?notif_t=fbpage_fan_invite.
* فؤاد أزروال: ” الفنون الأمازيغية بالريف: الأنواع وتطورها”. ضمن كتاب: مساهمات في دراسة منطقة الريف. (مؤلف جماعي)، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سلسلة دراسات، رقم: 14، الطبعة الأولى، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
[14] – أورد دوطي حكاية عن قبيلة زرقت حيث يعتقد سكانها أن سفينة نوح قد رست على أحد جبالهم « Trdziglin » وبجانب غمارة، جرف صخري يحتضن قبة ضريح ولي يدعى سيدي يحيى الورداني، جبل له خصرة على شكل ضرع (ثدي) لها حجرة كبيرة، الأهالي يدعونها مغارة زاوية بنت سيدنا نوح، ويعتقدون أنها مدفونة هناك. Edmond DOUTTÉ : Notes sur l’islam Maghrébin : marabouts, Ernest Leroux éditeur, Paris 1900, p. 67.
‏[15]  –   Abdelaziz BELFAIDA :  «Montagne et Sacré en Afrique préislamique». In La montagne dans L’histoire du Maroc. (ouvrage collective), Pub de la faculté des lettres éd sciences humaines Sais-Fès, Série : Colloques et Séminaires sciences Humaines N°3,1994, p: 1.
[16]  – مصطفى أعشي: “المعابد في المغرب القديم”. معلمة المغرب، مطابع سلا، الجزء 21، 2005-1426 صص:7182 – 7183 Gabriel CAMPS; Berbères Aux marge de L’Histoire. Ed, des Hespérides, 1980, pp: 194 – 196
‏[17] – René BASSET :  Recherches sur la religion des berbères, Paris, Ernest Leroux, 1910, p : 4.
[18] – مرسيا إلياد: المقدس والمدنس، ترجمة: عبد الهادي عباس، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ط.1 دمشق 1988، ص: 36.
‏[19]  –  Èdith HAMILTON:  La mythologie Ses dieux, ses héros, ses légendes. Traduit de l’anglais par Abeth de Beughem, Nouvelles éditions Marabout, Belgique, août 2004, p:7.
‏[20]  –  Jean CHEVALIER  et Alain GHEERBRANT: Dictionnaire des Symboles Mythes, Rêves, Coutumes, Gestes,Formes, Figures, Couleurs, Nombres. Éditions Robert Laffont, S, A. et Éditions Jupiter, Paris, 1982,p : 645.
[21]  – عبد اللطيف الشاذلي: التصوف والمجتمع نماذج من القرن العاشر الهجري. منشورات جامعة الحسن الثاني، سلسلة أطروحات ورسائل، رقم: 4، مطابع سلا، المغرب، 1989، ص: 180؛ Jean CHEVALIER et Alain GHEERBRANT ; Dictionnaire des Symboles Mythes. Op. Cit, p: 645.
‏[22]  – Mercea ELIADE : Le sacré et le profane. Gallimard, 1965, p: 38.
[23] – مرسيا إلياد: المقدس والمدنس، مرجع سابق، ص. 36.
‏[24]  – Jean CHEVALIER  et Alain GHEERBRANT : Dictionnaire des Symboles Mythes. Op. Cit, p: 645.
[25] – تنتشر بالريفين الأوسط والشرقي “كراكير” عبارة عن ركام من الحجارة التي تتقارب في الحجم. تثير في نفوس الناس مشاعر الرهبة والقداسة، بالنظر إلى ارتباطها بأسماء الأولياء والصلحاء، لذلك شكلت بدورها مجال ممارسات طقسية من قبل المعتقدين(ات) بفاعليتها وقدرتها التأثيرية. يعتبر “الكركور” مكانا مقدسا يتحول إلى ركام هائل من الشرور التي يتخلص منها المحبطون من وهن المرض أو اللعنة أو الظروف الاجتماعية القاسية. تقضي المعتقدات والطقوس أن يلجأ كل راغب في التخلص من شر فعلي أو معنوي إلى إضافة حجر واحد أو أكثر إلى “الكركور”، مرددا عبارة لفظية تحمل طلبا وتفصح عن رغبة. وقد تبين لنا من خلال المعاينة الميدانية لمواضع هذه “الكراكير”، ولمواقعها، ارتباط أكثرها بالطرق والممرات والقمم المشرفة على الأضرحة. وكان المسافرون كلما بلغوها رموا في المكان حجارة للتخلص من عناء السفر والمشي، مثلما هو الشأن بالنسبة ل”ثاجورث ن سيدي آحمد” بدوار ايت سعيد بجماعة أيت عبد الله، و”تاحجورت ن سيدي بوزكري” بدوار كمون جماعة بني حذيفة، بالريف الأوسط. وفي حالات أخرى، يكون “الكركور” نفسه ضريح ولي، يمثل مشهدا يحمل إسم علم، يحظى بالاحترام والتبجيل. يمكن القول إن الطقوس المرتبطة بالصخور وركام الحجارة، تمثل جانبا من المعتقدات القديمة التي استطاعت الاستمرار رغم التحولات الدينية التي عرفتها المنطقة، خلال تاريخها الديني، وذلك بالنظر إلى قدرتها التأثيرية والرمزية ووظيفتها العلاجية للنفسيات البشرية المرهقة والمريضة التي عانت في ظل غياب العيادات والمصحات النفسية. حول الدلالات التي يتخذها لفظ الكركور أنظر: إدموند طوتي: السحر والدين في أفريقيا الشمالية. ترجمة فريد الزاهي، منشورات مرسم، مطبعة بورقراق، الرباط، 2008، صص: 290-292؛ محمد شفيق: من أجل مغارب مغاربية بالأولوية. إصدارات مركز طارق بن زياد، الطبعة الأولى الرباط، صص: 163- 179؛ عبد الله صالح: ” أكركور “. ترجمة الحسين أسكان، المصطلحات الأمازيغية في تاريخ المغرب وحضارته. الجزء الأول، منشورات IRCAM، مركز الدراسات التاريخية والبيئية، اشراف الأستاذ محمد حمام، مطبعة المعرف الجديدة، الرباط، 2004 ص: 33 – 39؛ Gabriel CAMPS; Berbères Aux marge de L’Histoire. Op. Cit, pp: 235-237؛  
‏Malika HACHID ; Les Premiers Berbères entre Méditerranée, Tassili et Nil. Ina-yas. Edi sud, Aix Provence, 2000. pp: 229-274
‏[26]  –  Eliad (M) : Le sacré et le profane. Gallimard, 1965, p: 60 et p:77.
[27] – دايفيد هارت: أيث ورياغر: قبيلة من الريف المغربي. م. س، ص: 290؛ David M. Hart : « An ‘Imarah in the central Rif : the annual pilgrimage to Sïdï Bu Khiyar ». Tamuda, año v, Tetuan 1957, semestere 1, p:240 ؛ هناك من الروايات التي تقول بأصله الصحراوي، ومن الغرب، وأخرى تتحدث عن علاقة أخوة بينه وبين سيدي عبد القادر أكناو الذي تنسب له زاوية بإسمه. ومن المحتمل أن يكون من أصول شرقية، خاصة وأن المخيلة الشعبية تربط أصول معظم “الأولياء والمتصوفة” المنتشرين في المغرب، بالمشرق الذي يعد أرض الرسالة، وقد يكون هذا الولي من المتصوفة الأوائل الذين جابوا الأرض من المشرق إلى المغرب منذ عهود التصوف الأولى حيث لم يحتف بمناقبه من قبل المصادر المكتوبة التي تحدثت عن آل الولاية والفضل والصلاح بالمنطقة.
[28]  –  حسب بعض تقارير المندوبية الجهوية لوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بجهة تازة الحسيمة تاونات، يقدر عدد زوار الموسم ما بين 2000 و5000 زائر.
[29]  – هم فئة من الطلبة الفقهاء الحافظين للقرآن الكريم، يتولون الاشراف على شؤون المساجد بالقرى، ويسمون ب”الطوربا” نسبة إلى الطلبة.
[30]  – يتعلق الأمر ببوخيار الحدوشي، من مواليد 1971 بدوار محلات، جماعة شقران، قيادة أربعاء تاوريرت، إقليم  الحسيمة.
[31]  – ترتبط طريقة العلويين أو العليويين أو العلاوييين، ” إِعَلَوِيًنْ” بالريفية بشيخها ومؤسسها الجزائري أحمد بن مصطفى بن عليوة، الذي أعلن عن تأسيسها بمستغانم. سنة 1913، بالإنفصال عن درقاوة. وقد نقلت تعاليم الشيخ العليوي إلى الريف في الثلاثينات من القرن الماضي، من قبل المهاجرين إلى الجزائر. دايفيد هارت: أيث ورياغر: قبيلة من الريف المغربي. م. س، ص: 297.
[32]  – لقد عرفت طريقة الحجاج الماجريين انتشارا بين عدد من الأولياء والصلحاء بالريفين الأوسط والشرقي، كانوا مقدمين للطائفة، وناشرين لتعاليمها ومبادئها بالمنطقة، والتي تنبني على فكرة جوهرية، تتلخص في طقس الحج كواحد من من مبادئ الطريقة الراسخة، ولا نستبعد أن يكون الأولياء والصلحاء الذين اشتهرت أضرحتهم ومزاراتهم بالمنطقة بلقب “سيدي الحاج”، من أتباع ومريدي هذه الطريقة. فهذا أبو مروان عبد الملك (دفين دوار إجلوتن،  جماعة الرواضي اقليم الحسيمة، حيث يعرف ضريحه محليا بسيدي مارك)كان شيخه أبا محمد صالح الماجري شيخ آسفي في وقته، شيخ الطريقة. لما استقر الشيخ عبد الملك بسبتة، صار يصنع ليلة المولد طعاما للفقراء يأكلونه، وكان طعامه الكعك والعسل، ويحضر تلك الليلة الفقراء والمحبون يعمل فيها السماع. وعرف الشيخ علي بن ماخوخ التوزيني (نسبة لقبيلة ايت توزين بالريف الشرقي) بخدمة الفقراء والحجاج بزاويته؛ وفي رواية للبادسي منسوبة للشيخ، نجد هذا الأخير يذكر قولة لأبي محمد صالح في سياق يدل على اطلاعه على أفكاره، وعلى طريقته في خدمة الحجاج. عبد الحق البادسي: المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف. تحقيق سعيد أعراب، المطبعة الملكي، الرباط، 1982، 1402، صص: 100 – 117.
[33]  – تفيد حكايات شعبية أن سكان هذه المنطقة التابعة لقبيلة آيث ورياغر، قد عبروا لفقيههم، عن المشاق والأخطار التي كانت تطال سفرهم للحج إلى بيت الله الحرام بمكة، بسبب طول السفر ووعرة المسالك البرية والبحرية، والتي كانت تصل حد الموت بالنسبة للكثير من الحجاج، مثلما أكدوا له عن توقهم الصادق جميعا إلى إكمال دينهم بأداء فريضة الحج. وقد قاد اجتهاد الفقيه إلى الإفتاء بفتوة نادرة في تاريخ الاسلام، وهي جواز أخذ حُفنة من تربة بيت الله الحرام وذره برابطة سيدي بوخيار، لتنوب تلك التربة عن أرض مكة. ويُعد الحج إلى سيدي بوخبيار، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة السابقة على أول أيام العيد، فيه شيء من الحج إلى قبر النبي محمد، وتقول الحكاية برواية أخرى أن الفتوى صدرت من الولي الصالح سيدي بوخيار، الذي تحققت له رؤيا الني في المنام أو الحلم وهو في مكة المكرمة، فأمره (صلعم) بأخذ حُفنة من تربة قبره ليضعها فوق قمة الجبل الذي يرابط فيه، أثناء عودته. وفي روايات أخرى أن الفتوى صدرت من عالم في مكة، أجاز إقامة شعائر الحج في مكان عام يتوسط القبائل، شريطة نثر تراب مقدس مستقدم من أرض الحرمين، وذلك تخفيفا من معاناة السفر إلى الحجاز. وتجمع هذه الحكايات أن من حج ثلاث مرات متتابعة يكون قد استوفى فريضة الحج التي تكتمل بها أركان الاسلام الخمسة. ويقال أن سيذي محند أوموسى هو الذي أقنع الزوار بالتشابه بين شعائرهم ومناسك   الحج، حيث أصبح يسمى “حج الفقير”، ويساوي في قيمته الدينية نصف الحج إلى مكة “أَزْيَنْ ن رحِجْ” (نصف الحج)، وهو الذي طلب من مرتادي الضريح في إحدى المناسبات عندما كانوا يتأهبون للصلاة قبل الزوال أن ينتظروا حتى الظهر حيث فتح لهم أبواب السماء ليتمكنوا من رؤية مكة والديار المقدسة. دايفيد هارت: أيث ورياغر: قبيلة من الريف المغربي. م. س ص: 292؛ David M. Hart : « An ‘Imarah in the central Rif» .  Op. Cit, p: 239 – 245.

المصدر :د. اليماني قسوح* /أرنتروبوس

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق