الأخبار

اخيرا صدرت مذكرات وودي آلن… أسرار وأكاذيب عائلية


الدارالبيضاء :المكتب الاعلامي/ متابعة

قبل نحو ثلاثة أسابيع، رفضت مجموعة دار “هاشيت” في أميركا نشر كتاب مذكرات وودي آلن الذي سماه “عن لا شيء”. فور انتشاره على وسائط التواصل الاجتماعي، أحدث الخبر ضجة، خصوصاً في أوساط محبي المخرج الأميركي الكبير، البالغ من العمر 84 سنة. كيف لدار نشر ذات صيت واسع، أن ترفض نشر كتاب أحد أعلام السينما؟ شيء واحد يمنعها من ذلك: هذا الوحش الذي بات يحمل اسم “الصواب السياسي” وأصبح يهز العروش في الغرب. فآلن، كما بات معلوماً منذ زمن طويل، متهم بالتحرش بابنة طليقته ميا فارو، ديلان فارو، يوم كانت في السابعة من عمرها، في قضية رأي عام تلاحقه منذ عام 1992. حديثاً، أعيد فتح هذا الملف إعلامياً بعد ولادة حركة “مي تو” وتشجيع ضحايا التحرش الجنسي على الكلام. وعلى الرغم من أن المحكمة لم تدنه لا بل برأته مرتين، فالبعض لا يزال مقتنعاً بأن الرجل متحرش.

أمام الضغوط التي مورست عليها، تراجعت “هاشيت” عن نشر الكتاب الذي كان من المتوقع أن يصدر في السابع من أبريل (نيسان) المقبل. على الرغم من أن عملية طباعته كانت قد بدأت وبات مطروحاً للبيع على “أمازون”، وتحول إلى بست سيللر حتى قبل صدوره. شقيق ديلان، رونان فارو، الذي فجر قضية هارفي واينستين في الصحافة، ساهم في تراجع “هاشيت” عن طباعة الكتاب. فهو تواصل معها وقال إن المعلومات التي يتضمنها غير دقيقة. أغضبه أن الدار لم تدقق في صحة ما يقوله آلن عن قضية التحرش، معتبراً أن هذا عمل غير مهني. الصحافي الشاب الذي نال في عام 2018 جائزة بوليتزر، هدد بعدم التعامل مجدداً مع الدار، إذا ما وافقت على نشر مذكرات والده. زاد الطين بلة أن عدداً من العاملين في فرع من فروع “هاشيت” (نيويورك) تظاهروا أمام مبنى الدار للاعتراض على نشر المذكرات، بعدما أبدوا تعاطفهم مع “رونان وديلان فارو، وكذلك كل ضحايا الاعتداءات الجنسية”.

أصوات كثيرة احتجت ضد هذا القرار، الذي يقع في خانة الوصاية الأخلاقية والرقابة الذاتية. في أميركا، حيث كبار المجرمين واللصوص ينشرون كتباً عن سيرهم، وقع فنان لم يُدَن بأي جريمة ضحية الرقابة. أحد المعترضين على هذا القرار هو الكاتب الروائي ستيفن كينغ الذي غرد قائلاً، “القرار الذي اتخذته “هاشيت” بعدم نشر كتاب وودي آلن يزعجني. ليس بسبب وودي آلن، لا يهمني أمره. ما يقلقني هو: مَن الذي سيتم إسكاته في المرة المقبلة؟ إذا كنتم تعتقدون أنه بيدوفيلي، فلا تذهبوا لمشاهدة أفلامه. لا تذهبوا للاستماع إلى الجاز الذي يعزفه في كارلايل. صوتوا بمحفظتكم فارفضوا إخراجه من جيوبكم. هكذا نفعل في الولايات المتحدة”.

بعدما تنازلت “هاشيت” عن حقوق الكتاب، أعلنت دار “أركاد” لصاحبتها جانيت سيفر، أنها ستنشر الكتاب في الثالث والعشرين من مارس (آذار). المكتبات مقفلة ولكن نسخاً إلكترونية ستكون متوافرة عبر الإنترنت. سيفر هي التي اتصلت بالمخرج. تقول: “في هذا الزمن حيث الحقائق يُنظر إليها باعتبارها أخباراً ملفقة، نحن الناشرين، نفضل أن نترك فناناً محترماً يعبر عن نفسه، بدلاً من الإذعان إلى مَن يريد إسكاته”. سيفر تدعم آلن إلى أقصى حد، وتقول إنه كانت ستنشر الكتاب حتى لو دانته المحكمة.

كتابان في كتاب

يضم”عن لا شيء”، كتابين في كتاب واحد: الأول يروي فيه آلن ذكريات طفولته، على غرار ما صوره في فيلميه “زمن الراديو” و”وردة القاهرة القرمزية”، بحيث يستعيد طفولته في بروكلين، متحدثاً عن والديه وابنة عمه ريتا التي كانت تأخذه إلى السينما. كان طفلاً معذباً، قلقاً. يروي بطريقة مستفيضة بداياته في مجال الـ”شو” التلفزيوني واستعراضاته في النوادي الليلية، وعلاقته بالممثلة ديان كيتون. تقول الصحافية هيلين فيسيير في مقالها في “لو بوان”، إن آلن يتحدث في الكتاب عن أفلامه، ولكن بشكل سريع، فقط ليقول أموراً مثل أنه أحب العمل مع سكارليت جوهانسون التي هي بالنسبة له نجمة سينمائية بالفطرة، أو كيف أن ماريون كوتيار هي الممثلة الوحيدة التي لم يفهم لماذا بكت خلال التصوير مع أنها كانت رائعة.

ثم، هناك ميا فارو التي تحتل متن الكتاب. عاشا معاً عشر سنين من السعادة، وصورا أفلاماً مهمة مثل “هانا وشقيقاتها” و”برودواي داني روز”. وعلى الرغم من كل المشكلات التي فصلت بينهما لاحقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالحضانة، فآلن يتحدث عنها بموضوعية، واصفاً إياها بـ”امرأة الأحلام الجميلة واللامعة”. كعادته، لم يوفر نفسه من السخرية، إذ هناك الكثير من النكات المرتبطة بأفلامه، وكيف تم استقبالها من جانب المنتجين في العروض التجريبية التي تسبق العرض الرسمي.

أما النصف الثاني من “عن لا شيء”، فهو أكثر سوداويةً ويعكس مرارة الكاتب. إنه أشبه بلائحة اتهامات. ينكر آلن الاتهامات الموجهة إليه جملةً وتفصيلاً، لا بل يتهم ميا فارو بأنها كانت على علاقة غير صحية مع أحد أبنائها من زواج سابق. حتى أنها عاملت بعض أطفالها بشكل سيئ، وأن اثنين منهما انتحرا. ويروي آلن أنه عندما تبنت ميا فارو ديلان، نشأت عاطفة بينه وبين الأخيرة. ثم، بعد سنوات من تكرار المحاولات، حملت ميا برونان، الأمر الذي برد العلاقة بينهما. شعر آلن أنه أتم وظيفته، ولم يعد له حاجة.

شرح آلن علاقته الإشكالية بسون يي التي بدأت في مطلع التسعينات، وهي الفتاة من أصول كورية التي كانت تبنتها ميا فارو يوم كانت مع زوجها السابق. عرفها آلن وهي في الثانية والعشرين فيما هو كان يكبرها بثلاثين سنة، وأفضت علاقتهما إلى الزواج عام 1997. يروي آلن أنهما كانا يخرجان معاً إلى السينما أو لحضور مباراة في كرة السلة. يوماً بعد يوم، اقترب أحدهما إلى الآخر، وذات يوم اكتشفت ميا فارو العلاقة عندما عثرت على بعض الصور لها التي كان نسيها آلن في المنزل.

اكتشاف ميا فارو للعلاقة بين آلن وسون يي تحول إلى دراما. ضربتها بالهاتف على رأسها وحبستها في غرفة. لكن آلن يتفهم شعورها بالصدمة، ويعتبرها رد فعل طبيعياً. يكشف أيضاً أن سون يي لطالما عوملت بقسوة خلال السنوات الـ22 التي عاشتها مع “أمها”. زواجه منها كان مشروع إنقاذ لها. هل إذا عاد به الزمن إلى الخلف، يتزوجها مجدداً، باعتبار ما أحدثه الزواج وقتها من فضيحة “أخلاقية”؟ سؤال يرد عليه آلن بـ”من دون أدنى تردد”.

يعتبر آلن أن الاتهامات التي وجهت إليه بالتحرش كانت نتيجة علاقته بسون يي. يقول إنه لم يلمس ديلان قط في حياته، وإن المسألة برمتها مجرد انتقام خططت له ميا فارو. حتى أنه يذهب إلى أبعد من ذلك، آخذاً على القاضي الذي حكم في الدعوى انحيازه إلى فارو، بعدما وقع تحت تأثير سحرها، علماً أن تحقيقين أجريا في القضية ولم يتم العثور على أي دليل يثبت إدانته، لا بل سُمح له بتبني طفلتين مع سون يي.

يكشف الكتاب أيضاً نفاق بعض الممثلين. فثيموثي شالاميه الذي دان آلن في العلن عام 2018، مصرحاً بأنه لن يعمل معه مجدداً، قال لشقيقة المخرج (هي أيضاً منتجته)، إن كلامه كان مقصوداً ليرفع من نسبة حظوظه في نيل الـ”أوسكار” التي كان مرشحاً لها وقتذاك. أما في ما يخص الطاقة السلبية التي تبلورت ضده في بلده منذ عام 2018، وعدم عرض فيلمه الأخير “يوم ممطر في نيويورك”، فيقول “لا أستطيع أن أنكر أن هذا الأمر يدخل ضمن فانتازماتي الشعرية، وهي أن أكون فناناً أعماله لا تُشاهَد في بلده. يأتي إلى بالي هنري ميللر. ديفيد هربرت لورانس، جيمس جويس. أتخيل نفسي بينهم، أتحداهم. ثم، فجأةً، توقظني زوجتي لتقول لي: أنت تشخر يا وودي!”.

آلن الذي لا يأبه برأي أحد به ويقول إنه سيظل يعمل حتى الرمق الأخير، حتى لو لم تُعرض أفلامه ولم تُنشر كتاباته، ينهي معلناً، “إذا متُ الآن، فلن أتذمر، ومثلي كثيرون لن يتذمروا من موتي أيضاً”.
تارودانت أنيوز.
المصدر :اندبندنت عربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى