أخبار دوليةالأخبارمقالات

طعن “الأبقار المقدسة” بين داروين وابن خلدون… النظام العالمي “ما بعد كورونا”!


تارودانت نيوز : متابعة

أحد الأدعياء أعجبه أن العلم تجربة وملاحظة ونتيجة‏، فأحضر طائراً وصرخ فيه فطار‏،‏ ثم قص جناحيه وصرخ‏، فلم يطرْ‏.‏ فكتب في ملاحظاته‏ الاستنتاج التالي: “الطائر عندما يفقد جناحيه يفقد سمعه أيضاً‏!”…‏ ليس هناك ما هو أسوأ من بناء النتائج على وهم أو تحليل خاطئ. مع “كورونا” اختلطت الحقائق بالأوهام، أعاد الفيروس التذكير بدور الأوبئة في تشكيل التجربة الإنسانية عبر التاريخ؛ رجّ البيئة الإستراتيجية في العالم، وطعن “أبقاره المقدسة”، أحدث تغييراتٍ هائلة في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإذا كانت المؤشرات تقول إن “اللقاح” لن يكتب كلمة النهاية للوباء، فإن العودة إلى الوراء مستحيلة حتى مع التعافي، فكيف نستشرف مستقبل البشرية “ما بعد كورونا”، من دون أن نسقط في الفخاخ المنصوبة؟.

ظل دور الأوبئة حاسماً في محطات مهمة من تاريخ البشر، حفلت القرون الماضية بوقائع أغرب من الخيال. “كورونا” ليس استثناء، نشأت الأوبئة أولاً في أجساد الحيوانات، ثمّ تطوّرت وانتقلت إلى البشر، عندما روّضوا الحيوانات: أخذنا الانفلونزا من البطّ، والتيفوئيد من الدجاج، والطاعون من الفئران، إلخ. كانت الأوبئة “ثمن الحضارة” والمدنيّة بمعنى ما، على سبيل المثال “الطاعون الدملي” أو “الموت الأسود”، وهو أكثر الأوبئة فتكاً في التاريخ، حصد ثلث سكان أوروبا، خلال القرن الرابع عشر، وقضى على 200 مليون شخص حول العالم… رأى المفكر الفرنسي جاك أتالي، أن هذا الوباء شكّل صدمة قاسية للعقل الأوروبي، قادت إلى إعادة هيكلة القارة العجوز ومراجعة الدور السياسي لرجال الدين والكنيسة، لعجزها عن إنقاذ أرواح الناس… نشأت أجهزة الشرطة وولدت الدولة الحديثة وحلّ الشرطيّ مكان الكاهن. ومع تفشي الوباء نهاية القرن الثامن عشر، حلّ الطبيبُ محلّ الشرطيّ، لأنه عدّ أفضل وسيلة لمواجهة الموت.

أسطورة التقدم البشري

وهكذا انتقلنا، خلال بضعة قرونٍ، من سلطة قائمة على الإيمان، إلى سلطة قائمة على احترام القوّة، قبل أن نصل إلى سلطة أكثر فاعليّة، تقومُ على احترام القانون، وحقوق الإنسان، كما تفجرت روح البحث والتفكير العلمي وشكلت مخرجاته وابتكاراته التقنية أداة أساسية للتعامل مع أنواع الأزمات.

اليوم يضع كورونا علامات استفهام، أمام أسطورة التقدم البشري اللامحدود التي أكسبها “عصر الأنوار” ونظرية “داروين” شرعية شبه إيمانية، مع شعور الإنسان بقدرته على السيطرة على الطبيعة وفك طلاسم أسرارها، مغذية زهونا بنصر لا مرد له، ظنت البشرية برهة أن المستقبل ينصاع لحتمية لا يشكك فيها إلا معاند: تقدم مطرد، تطور علمي غير مسبوق، ثورات اجتماعية واقتصادية غيّرت مجرى التاريخ. آمنت البشرية أن التاريخ اتجاه خطي متصاعد يسير بها صوب أفق خلاصي طوباوي، كأنه ملكوت الله على الأرض.

قاتل متسلسل

لكن ابتسامة ساخرة من قاتل متسلسل “كورونا” جعلت البشر كأهل الكهف، تثخن فيهم الفواجع وتتعقبهم روائح الموت إلى داخل كهفهم. أظهرت الجائحة نصاعة أفكار ابن خلدون عن دورات التاريخ المتتالية، أعطت جدارة للتيار المنحدر من “مدرسة فرانكفورت”، خصوصاً فكر والتر بنيامين القائل بعبثية التاريخ، وهو الذي أخذ عِبر التاريخ من مجازر الحربين العالميتين الأولى والثانية… فالإنسان ليس سيد الكون وكيف يكون سيده، وهو بهذا الضعف أمام جرثومة غير مرئية، قد يكون “كورونا” مجرد صدفة، أو من صنع الإنسان وتكفل القدر بالباقي، مهما يكن، صار الفيروس القاتل حقيقة تثير الرعب، تتحدى الفكر الإنساني وتهدم النظريات الحاكمة في عصري الحداثة وما بعد الحداثة.

إن العولمة التي ساهمت في سرعة انتشار الفيروس في أقطار الأرض، كالنار في الهشيم، صارت أولى ضحاياه. يرى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن العولمة هي تشابك فاقد للتضامن، ناتج عن توحيد تقني – اقتصادي يشمل الكوكب، وأنها لم تُحرِز تقدماً في التّفاهم بين الشعوب؛ فمنذ توسعت العولمة، في تسعينات القرن العشرين، اشتعلت الحروب والأزمات المالية والأضرار البيئية، لم يدرك البشر مدى خطورتها، وبمجيء كورونا تجلت المأساة: غاب التضامن الدولي وتوارت الجهود المشتركة اللازمة لكبح الوباء، وانغلقت أُمم على نفسها بأنانية، كل هذا يؤذن بسقوط مدوٍ لنهج العولمة ومنطق الحداثة وما بعدها.

منظومة “الحداثة”

عُرفت “الحداثة” بأنها منظومة ترى أن الإنسان لا يحتاج إلا إلى عقله، سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو التمييز بين الصالح والطالح؛ فالعقل هو الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها؛ ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته. يذهب الدكتور عبدالوهاب المسيري، في كتابه “دراسات في الحداثة الغربية”، إلى أن هذا التعريف يبدو جامعاً مانعاً أو على الأقل كافياً، لكننا لو فحصنا الأمر بدقة أكبر لوجدنا أن الحداثة ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة. وهذا بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية؛ فالعالم المتجرد من القيمة – المنفصل عنها – هو عالم منفصل عن الإنسان، عالم الصيرورة المادية والنسبية، ومن ثمّ يصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر، العدل والظلم، الجوهري والنسبي، وأخيراً بين الإنسان والطبيعة. وقد أدى هذا إلى ظهور القوة والإرادة الفردية آلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات، بكل الوسائل المتاحة.

تأثير الفراشة

لا يلغي الوباء مفاعيل القوّة، لكنّه قد يعيد تشكيلها… تتعرض أبنية النظام الدولي وصيغه القائمة لزلزلة ممتدة، تسري أمواجها في بيئات مملوءة، أساساً، بالمشكلات والتعقيدات، لم يستثنِ الفيروس أياً من الدول كبيرها وصغيرها، سجلت أميركا وأوروبا أكبر عدد من الإصابات والوفيات… لن نتحدث عن الشرق الأوسط وبقية دول الصفوف الخلفية. تقول نظرية “تأثير الفراشة”: “إن رفرفة جناح فراشة في الصين تحدث إعصاراً في أميركا”… فما بالك لو كان جناح خفاش عليه “فيروس تاجي”، إنه اضطراب كبير يرجّ البيئة الإستراتيجية الدولية.

يؤكد الداهية هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي الأسبق أن “كورونا” سيغير النظام العالمي للأبد، تأثيره في الصحة موقت، أما الأزمة السياسية والاقتصادية الناجمة عنه، فستستمر أجيالاً. ووصف – في مقال في صحيفة “وول ستريت جورنال” – الوضع الدولي بالجو السوريالي العبثي، مشدداً على أن أي دولة حتى الولايات المتحدة لا يمكنها التغلب على الفيروس منفردة. وأشار إلى أن المواجهة تتطلب تعاوناً دولياً، من دون ذلك سيواجه العالم ما هو أسوأ من الجائحة. واقترح تضميد جراح الاقتصاد العالمي، عبر تطوير خطة مارشال ومشروع مانهاتن، مذكراً قادة الدول بأن الفشل في إدارة الأزمة قد يؤدي إلى إشعال العالم.

الرد على كيسنجر، جاء من بلده، القوة الأولى عالمياً، إذ عجز الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قيادة سفينة العالم إلى مرفأ أمان؛ فكان أشهر ضحايا “كورونا”. الفيروس هو من أسقط ترامب من سدة الحكم، وحرمه من فترة ثانية، ولولا الجائحة لضمن الرجل بقاءه في البيت الأبيض في شكل مريح؛ استهتر ترامب في تعامله مع الكارثة، حتى وصفه المفكر الأميركي نعوم تشومسكي بأنه “مهرج معتل”، وفكرة أن مصير البلاد والعالم في أيدي مهرج ومعتل هو شيء مروع.

“تحولات” خارج التوقعات

تتحول معادلات الساحة الدولية… تتعثر مجتمعات وتتقدم أخرى، بدأ ذلك قبل تفشي كورونا، لكن الفيروس يحفّز النقلات على الرقعة، على نحو يكسر دائرة التوقعات. في عام 2012، قدم مجلس الأمن القومي الأميركي – أعلى سلطة سياسية ودفاعية فى واشنطن – اعترافاً قاسياً، في تقرير “توجهات عالمية 2030″، “أن أميركا تتقدم فوق منحدر، وطرح التقرير سيناريوات محتملة للعالم: أن تتوقف مسيرة العولمة، أو أن تنعزل أميركا، أو أن يتحقق الأمران معاً”. من العجيب أن الفيروس المستجد فعل كل ذلك دفعة واحدة، ليس مع أميركا وحدها، بل مع جميع دول العالم.

ليس من السهل القول بخروج الولايات المتحدة، من عباءة القوة العظمى، كما فعلها الاتحاد السوفياتي السابق مطلع التسعينات من القرن الماضي، ستبقى هي القوة الأعظم: اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً، زمناً ليس قصيراً، لكن المنافسين المحتملين يتقدمون بعجلة منتظمة، خصوصاً الصين… تشعر واشنطن بالتهديد من صعودها السريع، أسوأ كوابيسها أن تقوم كتلة “أوراسيا الجديدة” التي تضم آسيا وأوروبا وحتى أجزاء من أفريقيا، بقيادة الصين والهند وروسيا وألمانيا، المؤكد في هذا الشأن أن موازين القوى في عالم “ما بعد كورونا” ستختلف عما قبله.

تجاوزت طعنات كورونا أجساد البشر إلى “الأبقار المقدسة” في الاقتصاد العالمي، كحرية السوق والنيوليبرالية، طوال العامين الماضيين أذاق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الطبقة العاملة في بلاده طعم الإذلال، دفعهم إلى الاحتجاجات في مسيرات “السترات الصفراء”، فلما كشف الوباء عورة النظام الصحي في فرنسا – وبلاد الغرب والشرق – لجأ ماكرون إلى وضع يد الدولة (التأميم) على منشآت صحية ومصانع… واقتدى به آخرون؛ في إيطاليا وإسبانيا، فمن كان يتصور ذلك قبل كورونا؟. أجبر جموح الفيروس مجموعة العشرين على ضخ ستة تريليونات دولار في شرايين الاقتصاد العالمي، ووافق الكونغرس الأميركي على طلب ترامب تريليوني دولار في أكبر برنامج إنقاذ عبر التاريخ؛ خشية تكرار “الكساد العظيم” في ثلاثينات القرن الماضي.

نقاشات ساخنة

أطلقت الجائحة نقاشات ساخنة بين الليبرالية الجديدة والمدارس الفكرية الأخرى، توحدت مصالح اتحادات الصناعيين والكارتيلات العابرة للقارات، مع اطروحات ليبراليي العالم الجدد، في تسديد الضربات على مستوى الكرة الأرضية إلى البعد الاجتماعي في نظام السوق وفرض هيمنتها العالمية، بعد الفشل المدوي للشيوعية، باستغلال الترابط بين ثالوث الليبرالية الجديدة الحاكم: الآلة الإعلامية الكاسحة والتقنية العسكرية الجبارة والتوجه الاقتصادي العارم نحو فتح الأسواق الوطنية غير المشروط أمام الشركات العملاقة العابرة للحدود؛ يؤكد الاقتصادي الأميركي ميلتون فريدمان “عراب النيوليبرالية” أن الأزمة وحدها، سواء الواقعة أم المنتظرة في إمكانها أن تحدث تغييراً حقيقياً… وحدها الأزمة قادرة على جعل المستحيل في السياسة حتمية سياسية.

أثارت مقولات “ميلتون” وسوابق النيوليبرالية شكوكاً عميقة؛ وترددت نظرية المؤامرة في الأرجاء، واستشهد أصحابها بالمساعي الحثيثة للتعامل بعملات رقمية، والتخلي عن “الكاش” في العالم كله؛ تمهيداً لإقامة نظام عالمي بحكومة واحدة تكنوقراطية فاشية، مع تقليل عدد البشر، بزعم أن الذكاء الاصطناعي سيتولى إدارة كل شيء، من خلال “روبوتات عاقلة” أكثر تطوراً من الروبوت “صوفيا”. ودللوا على هذا بنصوص “نصب جورجيا الغامض”، وهو جدار غرانيتي من ألواح عدة، في ولاية جورجيا الأميركية، لا أحد يعرف هوية صاحبه أو الهدف من إقامته، نقشت عليه رسالة تضم عشر وصايا بثماني لغات حديثة، منها العربية، وأربع لغات قديمة، منها الهيروغليفية والسنسكريتية… أبرز الوصايا: الحفاظ على التعداد السكاني العالمي في حدود 500 مليون نسمة لا تزيد، حفاظاً على بيئة الأرض، وضع خريطة طريق لإعادة إنتاج البشر، بحكمة وتحسين اللياقة، توحيد البشر تحت لواء لغة موحدة… إلخ.

تتفرق التصورات حول عالم “ما بعد كورونا”، لكنها تتحدد في مسارين: التضخم الهائل لعنف الدولة الذي بدأت تجلياته تظهر في “الحَجْر”، تحت ذريعة التعامل مع أزمة الفيروس، وتغول السلطة على معلومات وحريات الأفراد وحقوقهم، لا سيما أن العولمة والتقدم التكنولوجي والمعلوماتية سلبت منا كثيراً من الخصوصية والحرية، مع سهولة رصد تحركاتنا من طريق الهاتف الخلوي ووسائل التواصل الاجتماعي، كذلك السيطرة التدريجية للآلات على المجتمعات، مع الاستغناء التدريجي عن البشر؛ وربما تصبح حالة الوباء والخوف والإقفال أمراً معتاداً.

الأوبئة كسلاح

قد تكون تلك الرؤى مغرقة في الفزع أو مبنية على أوهام وتصورات خاطئة، لكن حوادث التاريخ تقول لنا إن تلك “الأوبئة” استخدمت كسلاح فعال لتغيير الواقع الاستراتيجي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. يكفي أن نقرأ كتاب شلدون واتس “الأوبئة والتاريخ، المرض والقوة والإمبريالية”، حول الأوبئة الكبرى التي أصابت الإنسانية، خلال القرون الستة الماضية، لنصاب بالهلع جراء الدور الذي مارسته الأطماع الاستعمارية الأوروبية في نشر الأوبئة، حيث تمت إبادة شعوب بأكملها، مع سبق الإصرار والترصد. يوضح شلدون، أن النشاط الاقتصادي للامبريالية ومؤسساتها العملاقة شكل فرصة سانحة لانتشار مسببات الأمراض وخلق بيئة وبائية ملائمة لها، وذلك تحت شعار تنمية المجتمعات التي استعمرتها، فاندثرت شعوب كاملة، بعد أن وقعوا صرعى للأمراض الجديدة الوافدة مع الغزاة، على سبيل المثال انقراض 90 في المئة من شعوب الأميركتين، بالرصاص والأوبئة، وأشار إلى أن المستعمرين الأوروبيين كانوا ينقلون العدوى عن قصد إلى السكان الأصليين. يذكر شلدون أن الجنرال أمهرست قائد الجيش البريطاني في أميركا الشمالية أمر عام 1763 بأن ترسل البطانيات وملاءات الأسرة المحملة بالجدري إلى من تبقى من الهنود الحمر، لتعجل بفنائهم… ولما أهلك الجدري أهالي أميركا أسرع “الرجل الأبيض” إلى “استيراد العبيد” من أفريقيا، وكان هذا سبباً إضافياً لتفشي الأوبئة، كما أدى التوسع في وسائل المواصلات وتصاعد حركة التجارة الدولية إلى اختراق العالم القديم وتدميره.

الإنسان الذئب

من المبكر القطع حول حجم الدور الذي يؤديه كورونا في صياغة ملامح النظام العالمي والأنظمة السياسية وأشكال السلطة. يعتقد نعوم تشومسكي أن كورونا جزء من كابوس رهيب مقبل، حين سلمنا مصيرنا لاستبداد شركات الأدوية التي لا تخضع للمساءلة، لمصلحة نفعية للنيوليبرالية المتوحشة التي تتحكم بالاقتصاد العالمي وبالأنظمة السياسية التي يديرها الأغنياء، ضد مصلحة الطبقتين الوسطى والفقيرة. أصدق وصف على ما يحدث، هو مقولة “توماس هوبز”: إن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، في ظل “حرب الجميع ضد الجميع”. ألح هوبز على أهمية البحث عن “حل إنساني” لفكرة استخدام القوة المدمرة ونتائجها المروعة؛ داعياً إلى ضرورة التعاون في مواجهة الأوبئة والحروب. من أجل ذلك تراهن آراء لا يستهان بها، على “مكر التاريخ” وقدرته على تغيير مساراته، فقد تفضي الجائحة إلى قيام شكل جديد للسلطة السياسية في دول عديدة، يجعلها أكثر ميلاً للتجاوب مع إرادة الجماهير، وانسجاماً مع رغباتهم، خاصة مع ازدياد قوة الدولة الوطنية أمام العولمة المتراجعة، وربما تذبل قطاعات اقتصادية مهيمنة لصالح أخرى واعدة، بالذات تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبحوث الدوائية والهندسة الوراثية وتقنيات المعلوماتية والتعليم عن بعد، والصحة وإنتاج الأغذية وحماية البيئة وتوزيع الطاقة.

مقاومة الأخطار

أثبتت أزمة كورونا أن التعاون بين البشر في وجه الخطر ضرورة، وأن الانعزالية والقرارات الأحادية محكومة بالفشل على المدى الطويل؛ لأننا نعيش في عالم واحد، نعتمد على بعضنا بعضاً، ليس في هذه الأزمة فحسب، إنما في قضايا لا تقل أهمية وتأثيراً – بل تزيد حقيقة – مثل التغير المناخي، ندرة المياه العذبة، الإرهاب، الإفراط في استخدام القوة لحل المنازعات، استخدام التكنولوجيا في الإضرار بالمجموع البشري، من عينة توظيف الأوبئة “السلاح البيولوجي” للدمار الشامل.

دون ذلك ستدفع الإنسانية ثمناً باهظاً، يحذر جاك أتالي من أن فشل جهود احتواء تداعيات كورونا، سيلقي بالعالم في أتون سنوات ثقيلة مظلمة، سيجرى استبدال منظومات الحكم الراهنة وأسسها الايديولوجية بأخرى، مغايرة شكلاً ومضموناً، مع ولادة سلطة جديدة لا تقوم على الإيمان أو القوة أو العقل – ولا على المال أيضاً، باعتباره تجسيداً نهائياً لسلطة العقل – ففي علوم السياسة كما فى علوم الهندسة سواء بسواء، لا تهتز أو تتداعى هياكل الأحزاب والنخب والسلطات، وما شكّلها من أفكار وأيديولوجيات – شأنها شأن المباني – أو تسقط من أسطحها، إنما من قواعدها.

إن مقاومة الأخطار هي “كلمة سر الإنسانية”، وفي ظني أنه لا نجاة للمجموع البشري سوى بإعادة هندسة النظام الدولي، قوانينه ومؤسساته، حتى تصبح مفاهيمنا الاقتصادية والسياسية والمجتمعية “إنسانية” وأقل ظلماً واحتيالاً. إنه حلم بعيد المنال، لكن ليس مستحيلاً، إن المحن دروس كبرى وفرص حقيقية لقلب المعادلات وتغيير الواقع، شريطة وجود عقل نقدي ووعي إنساني. صحيح أن العالم يبدو منقسماً تائهاً بين التفاؤل المُفرط والتشاؤم الكئيب، موزعاً بين الرجاء في السلامة والخوف من استخدام “البيولوجيا” والأوبئة كأدوات سيطرة لاستغلال البشرية وتجريدها من إنسانيتها، لكن في جميع الأحوال لا مفر من الاستماع إلى الشيخ الرئيس إبن سينا، عندما نصح بالصمود والأخذ بالأسباب دون خوف أو وهم؛ فالوهم هو بيت الداء، كما قال، والخوف أسوأ من الأمراض/الأوبئة. وأحسب أن هذا أقرب إلى التعبير عن المعادلة الفلسفية التي صاغها نيتشه: “أنا أقاوم إذن أنا موجود”.

يقول نجيب محفوظ، في “أصداء السيرة الذاتية”: “سألت الشيخ عبد ربه التائه: كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟ فأجاب: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل”!
المصدر :النهار العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى