الأخباررأي

عن وحدة الموت في المنفى


حسام يحيى

هل أتاك حديث عشرات آلاف الناجين الذين خرجوا من مصر هربًا بعد انقلاب ٢٠١٣؟ بالطبع أتتك سيرتهم المبعثرة في تركيا، قطر، ماليزيا، غياهب أفريقيا وفي مدن أوروبا البعيدة عن عواصمها، معظمهم إسلاميون بحكم كونهم المستهدَفين الأوائل من شلالات دماء ٢٠١٣ وما تلاها، شباب وشيوخ من الشرقية، الدقهلية، الجيزة، الأقصر لم يكونوا ليجتمعوا في مصر أبدًا، فرقتهم الجغرافيا المصرية وجمعهم الشتات القسري المصري كذلك.

متابعة قنوات أو حسابات على فيسبوك وتويتر، هو ما يجمعهم في عوالمهم الصغيرة المتناهية الصغر على أرض الواقع، وعوالمهم الكبيرة على مواقع التواصل، وما إن تأقلموا حتى أجبرت الظروف الكثير منهم على الحركة مجددًا، فتغيرت الوجهات فالذي سافر إلى السودان بعد ٢٠١٣ اضطر لمغادرتها في ٢٠١٨ بحكم تغير الظرف السياسي فهرب من جديد إلى تركيا، والذي سافر إلى دول الخليج طاولته الظروف كذلك فلجأ إلى أوروبا وكندا، هجرة بعد هجرة ولجوءً بعد لجوء.

في المنافي بنوا مدنًا صغيرة في خيالاتهم واختاروا أشخاصًا بحكم بمشاهدتهم مرارًا على هذه القناة أو غيرها ليصبوا إليهم، العميد طارق الجوهري قائد حرس الرئيس محمد مرسي الذي وافته المنية ٢٠١٥ في الدوحة كان من أوائل الذين تركوا بصمة برحيلهم وندبة في قلوب من كانوا يتابعونه على الشاشات، جنازته المهيبة المزدحمة بأناس لم يعرفوه شخصيًا، لكنهم أحبوه وشعروا بصدق ما كان يردده، بكوا عليه وعلى أعمارهم، ومرت السنوات وتغيرت المنافي.

مساء ١١ ديسمبر ٢٠٢٠، تسرب الخبر ببطء لم يصدقه أحد في البداية وما إن تأكد الخبر حتى تحولت صفحات هؤلاء “الناجين” إلى مآتم خصوصا من عرفوه في اسطنبول، أيمن عبد الغني صاحب الابتسامة الواسعة والحِمل الثقيل في آن واحد، شقيقان شهيدان نتيجة الإهمال الطبي داخل المعتقل، وزوجة وأبناء لم يقابلهم منذ ٢٠١٣ حبسهم النظام عنه بغرض التنكيل به والتضييق عليهم، أحبه الجميع لم يبخل بوقته عن كل من يعرفه أو من لا يعرفه، فإن لم يجد ما يجود به، جاد بابتسامته العريضة المعروفة عنه، شقته التي كانت مبيت من لا بيت له، وسؤاله عن كل من يعرفهم والمختلفين معه أولًا، واقترابه من “الناجين الشباب” الذين سافروا/ هربوا بعد ٢٠١٣ دون وعد بالعودة أو رؤية أهاليهم مرة أخرى كان يشعر بمآسيهم المتكررة فيه، فأحبهم وأحبوه وفقدوه.

لوعة أخرى عاثت في قلوب الناجين، هذه المرة لمن عاشوا في الدوحة بوفاة الشيخ السبعيني الطيب الذي يحفظ أسماء كل من يقابلهم ويسارع في ودهم بابتسامته، رغم إعياء العمر لم يتأخر الحاج عبد الرحمن شكري “نقيب الفلاحين” مرة عن الظهور على الشاشات دفاعًا عن قضاياهم، أول أمس ظهر منافحًا عنهم للمرة الأخيرة، قبل أن يصاب بغيبوبة بعد انتهاء فقرته مباشرة، ويرحل في صباح اليوم التالي بعلة القلب.

ستمر بعد أيام عشر سنوات كاملات على ٢٥ يناير ٢٠١١ التي عنت كل شيء لجيل كامل، قبل أن تأتي ٢٠١٣ لتعني نقيض كل شيء، من ٢٠١٣ إلى ٢٠٢٠ كان الثابت هو العوالم الصغيرة التي بناها الناجون حولهم وإن فقدوا أناسًا ممن كانوا يصبون إليهم، والمتغير المتكرر هو المنافي الموحشة.
المصدر :العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى