أخبار دوليةالأخباردراساتمنوعات

الحضارة الإسلامية بعيون مستشرقٍ روسي.. عن كتاب “العالم بعد 11 سبتمبر” لبريماكوف


المستشرق الروسي يفكيني بريماكوف

تارودانت نيوز : متابعة

يعتقد كثير من المسلمين أن معظم المستشرقين لهم موقف عدائي من الإسلام وعقائده مثل مونتجمري واط، والحقيقة ليست كذلك، فكثير منهم كان موقفه حيادياً، ومنهم من وصل به الأمر لحد الإعجاب بالتاريخ الإسلامي والمجتمعات المسلمة، مثل سير توماس أرنولد في كتابه “الدعوة إلى الإسلام” الذي صدر عام 1896 في الهند.

“لا جذور للإرهاب في القرآن” كان عنواناً لفصل من كتاب “العالم بعد 11 سبتمبر وغزو العراق” ليفكيني بريماكوف، الذي كان وزيراً لخارجية روسيا ثم رئيساً لوزرائها (1998-1999)، وهو أحد المستشارين الدوليين للرئيس الروسي بوتين، ناهيك عن أنه في زمن الاتحاد السوفييتي عمل في منطقة الشرق الأوسط كمراسل صحفي لصحيفة برافدا الشهيرة ثم مسؤولاً لوكالة تاس الإخبارية السوفييتية في لبنان ثم رئيساً لمكافحة التجسس في الاتحاد السوفييتي السابق، وله معرفة عميقة بشؤون منطقة الشرق الأوسط، ويعد مستشرقاً بارزاً وعضواً في الأكاديمية الروسية للعلوم ويحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد.

والحقيقة أن الكتاب جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 التي هزت الولايات المتحدة والعالم قاطبة كعمل إرهابي ليس له مثيل في التاريخ!

ويشير السيد بريماكوف بحكم خبرته الطويلة في عالم التجسس إلى أن هذه العملية لم تكن من عمل هواة، وأنها عملية معقدة احتاجت لفترة طويلة لا تقل عن سنتين من التدريب والتحضير وتوفير المال ودرجة عالية من التخصص وتوفير المال، ولذلك فإن حصرها بدوافع عقائدية إسلاموية هو الخطل بعينه!

ويشير السيد بريماكوف إلى أن هنالك موجة عارمة مناوئة للإسلام في الغرب قبل أحداث سبتمبر/أيلول وتفاقمت بعدها على شكل كتب ونشرات وأخبار ملفقة، حتى صار الحجاب الإسلامي كأحد أسلحة الدمار الشامل، ومن أكثر الكتب التي لاقت رواجاً في هذا المجال وعلى مستويات ثقافية عالية كتاب “صِدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي”، للسياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون الذي يقول فيه إن حدود العالم الإسلامي محاطة بالدماء، وجعل صِدام الحضارات واقعاً حتمياً لا مناص منه، وإن العالم في حال صِدام حضاري على أساس ديني أكثر منه سياسياً واقتصادياً، ولم يُخف هنتنجتون في كتابه آنف الذكر عداءه الظاهر والباطن للإسلام والمسلمين، والذي يمثل به أقصى درجات اليمين المتطرف، ولا يتفق السيد بريماكوف مع هذا الطرح.

ولذلك صار يطرح نظرية تعدد الأقطاب وأن التاريخ يعلمنا أن تطور الإنسانية لم يحدث جراء غلبة حضارة على أخرى ولا على أساس ديني أو غيره بل عن طريق تعايش الحضارات وتفاعلها وبتأثير بعضها في البعض الآخر وتلاقحها ومنها الحضارة العربية الإسلامية التي صارت رمزاً لنماذج إرهابية مزورة في عقول اليمين الغربي المتطرف وبعض حركات اليسار المتشددة، رغم أن الحضارة العربية الإسلامية تكاد تكون الأكثر تفاعلاً بخلفيتها الدينية مع الحضارات التي احتكت معها وعايشتها.

ويستعرض السيد بريماكوف تأثير القرآن الكريم على السمات الحضارية لهذه الحضارة من خلال نظرته الخاصة وذلك ليكون القرآن الكريم هو المصدر الأساسي للحضارة العربية الإسلامية، فيقول إن القرآن لا يشكك ولا يلغي وجود أنبياء بعثهم الله يهوداً أو مسيحيين (ونحن هنا ننقل النصوص كما وردت في كتاب السيد بريماكوف لا كما نعتقد به كمسلمين)، وهو يقصد الاعتراف الضمني للقرآن بالآخر وبعقيدته.

إن عملية تزوير المعتقد الإسلامي في الفكر الغربي عملية مقصودة، كما يشير لذلك السيد بريماكوف، فيقول إن الترجمات المبكرة إلى اللغات الأجنبية تعمدت ترجمة كلمة “الله” إلى كلمة “الرب”، وهذا ما قد يثير انطباعاً بأن المسلمين “رباً” آخر خاصاً بهم، بينما يهمل معظم الذين يكتبون عن القرآن أو يترجمون معانيه قوله تعالى (وَلَا تُجَٰدِلُواْ أَهلَ ٱلكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنهُم وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِي أُنزِلَ إِلَينَا وَأُنزِلَ إِلَيكُم وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُم وَٰحِد وَنَحنُ لَهُۥ مُسلِمُونَ)(46 العنكبوت)، ومصطلح “أهل الكتاب” يدل على احترام الآخر واعتراف به كما أشرنا لذلك.

ويأخذ السيد بريماكوف جانباً آخر من تأثير القرآن على مسيرة الحضارات العالمية كونه كتاباً تبشيرياً لا يخص جنساً معيناً من البشر، ويذكر أسماء قسم من العلماء المسلمين الذين ساهموا في مسيرة الحضارة العالمية، وكيف صاروا جسراً لنقل الحضارات السابقة من خلال الترجمة والإبداع في كافة العمل الإنسانية والطبيعية.

ويتنقل السيد بريماكوف بين جوانب عديدة لا يمكن حصرها في مجال صغير فيلمح بأن المتطرفين المسلمين ونظراً لرغبتهم المتعصبة في إخضاع العالم الإسلامي إلى أفكارهم وجعلها حقائق مقدسة إلى القرآن، أو بعبارة أدق إلى تأويل انفرادي متزمت لكتاب الإسلام المقدس هذا، قد أساءوا إلى الفكر الإسلامي ولا يمثلون الأغلبية.

ويقول إن القرآن يُعلم المسلم بأنه يجب عدم المساس بالمدنيين والأطفال والنساء والشيوخ العزل في حالة الحروب كما ينبغي للمسلمين أن لا يغدروا ولا يُمثلوا… إلخ، ويستشهد بالآية الكريمة (وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ)(190 البقرة)، هذه الآية تشدد على السمة الدفاعية الخالصة في الحروب القائمة، بحسب مبادئ القرآن وذلك في تأكيدها على الامتناع عن الاعتداء.

ويشير السيد بريماكوف إلى مسألة في غاية الأهمية ألا وهي أن انتشار الإسلام قد تم بسرعة مذهلة وبلا عنف إجمالاً، وهي ظاهرة فريدة من نوعها حيث تم فتح بلاد ما بين النهرين والشام وفلسطين وما وراء القوقاز وأرض إيران الحالية ومصر وبلاد المغرب وصولاً إلى تخوم الصين وبلاد الأندلس وشواطئ الأطلسي ومساقط مياه النيل في أقل من نصف قرن، واستطاع المسلمون هزيمة الإمبراطورية البيزنطية والقضاء تماماً على الإمبراطورية الساسانية، حيث كان من العوامل المساعدة لهذه العملية دخول أقوام البلاد المفتوحة طواعية في الإسلام وبأعداد غفيرة.

واستناداً إلى دراسة قام بها المستشرق اي ماسيه يقول السيد بريماكوف: “غالباً ما كانت الأرضية مهيأة للفتح، بفضل الفتن الداخلية فكان أقباط مصر والشاميون سعداء أيما سعادة بكسر البيزنطينيين، فاستقبلوا العرب بما يشبه استقبال المحررين إذا جاز القول، ففي إيران وإسبانيا كان الحكام غرباء أيضاً عن الشعب، وكان العرب يكتفون بإجراء بعض التغييرات التي تخفف بعض الشيء من وطأة الجهاز الإداري الذي يرهق الناس بلا فكاك”.

ويقول المستشرق السوفييتي البارز بليائيف (E.A.Beliaiev): “جاء العرب بشروط حياة أخرى أكثر رحمة بأولئك الذين رضوا بهيمنتهم، ومن ثم لم تواجههم أغلب الشعوب المفتوحة بأية مقاومة بل تحالفت معهم على الأغلب، ومثال على ذلك الجزية فلم تكن ترهق كاهلهم وكانت قليلة جداً تعفيهم من الخدمة العسكرية ويعفى منها الشيوخ والمعوقون.

تخطئ إذا التصورات القائلة باعتناق جميع الشعوب المفتوحة للإسلام اعتناقاً قسرياً، فاعتناق غالبية المصريين الإسلام امتد على أربعة قرون وما زال عدد لا يستهان به من المسيحيين الأقباط على دينهم حتى يومنا هذا.

كل هذا يبين سماحة الإسلام النسبية، وهي سماحة مجسدة عملياً أكثر منها نظرياً.

وأكد السيد بريماكوف أن الإسلام أحد أديان العالم الذي تتزايد أعداد أتباعه بوتيرة متسارعة نسبياً من دون اللجوء إلى الإكراه.

ويشير كذلك إلى نقطة جوهرية في التاريخ الإسلامي على عكس هنتنجتون فيقول: “بوسعنا المضي إلى القول إن تاريخ الإسلام بالإجمال ربما كان أقل دموية مثلاً من تاريخ الكاثوليكية، فالإسلام لم يحرق نفوساً حرة على أخشاب محاكم التفتيش”.

من ناحية أخرى وابتداءً من القرن الحادي عشر، شرع الصليبيون بسلسلة محاولات لتحرير القدس والأرض المقدسة من المسلمين بالسيف والنار، وما إن استولوا على القدس أول مرة حتى ذُبح في غضون يومين قرابة 40 ألف مسلم في المدينة التي كان يتعايش فيها بسلام حتى ذلك الحين مسلمون ويهود ومسيحيون تحت الهيمنة الإسلامية، ولكن لا يخطر على بال أحد أبداً اتهام المسيحية كديانة بتمجيد الوحشية والإرهاب، بل إن المسيحيين الأرثوذكس أو مسيحيي الشرق كانوا قد نجحوا في التعايش منذ ذلك الوقت بسلام على وجه العموم مع المسلمين، وطبعاً ليس من دون بعض الصدامات.

هذه بعض آراء السيد بريماكوف نقلناها كما جاءت والتي نعتقد أنها صالحة لتقليل أو إلغاء حالة العداء التي يؤججها عمداً بعض المستشرقين خدمة لأغراض سياسية واستعمارية ويتبناها قسم من المسلمين على أنها تمثل آراء كل الفئات الأخرى من المسيحيين وحتى اليهود، وأن المسألة ليست بهذه العمومية مطلقاً.

ونريد أن نؤكد للمرة الثانية أن النصوص الواردة تمثل رأي السيد بريماكوف سواء أقبلنا ببعضها أم لم نقبل، فيجب الإصغاء لكل الآراء في سبيل حوار هادف يخدم المجتمع الإنساني قاطبةً.
المصدر :عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى