أخبار محليةالأخبارالإقتصاددراساترأي

حديث مع الصورة // الأفران البلدية، خبز الدار وخبز السوق – ج1


تارودانت نيوز : علي هرماس

توثق المجتمعات هويتها التاريخية من خلال مجموعة عناصر من بينها المعمار الثابت واللباس والطبخ المتجدد، لا يمكن أن نقصي بأي حال من الأحوال النسخة الأصلية originale في اللباس، والأصيلة authentique في المطبخ، فالمفاهيم المتخيلة تبقى ثابتة فيما جوهر الشكل يخضع للمتغيرات التي توحي بها ظروف الأحوال وتفرضها مسايرة الزمن، فالجلباب مثلا دائما يبقى جلبابا مهما اختلف شكله، والخبز هو الآخر يظل خبزا مهما أدخلت عليه من تغييرات واضافات التجديد الشكلي والابداع الفني الغذائي.

لتحديد المفهوم واستنباط معنى الدلالة المعرفية لعنوان هذه المدونة، نحيل القارئ الكريم على مرجع الأكاديمي محمد بن عبد الجليل بلقزيز “حضارة وثقافة عبر منشآت فنون وحرف”ج1 ص445 ، حيث نجد مصطلح ” الفرن البلدي” الذي يحيل مفهومه على خصوصية اجتماعية محلية خاصة بالبلد وأهله، أما مفهوم “الفرن التقليدي” بالرغم من كونه اسم مكان يحيل على أصالة التقليد الحرفي، فذلك لا يمنع الانتشار الجغرافي على أوسع نطاق؛ الفرن التقليدي يقابله الفرن العصري، كلاهما يحيلان على الصورة النمطية للمكان أو وسيلة طهي الخبز، كما أن “الفرن البلدي” الذي يمتحي من الخصوصية المكانية وإن تعددت أشكاله فتنحصر جل استخداماته الوظيفية في طهي الخبز بمختلف أنواعه: “خبز الدار” بالأساس، في مرتبة ثانية فران/كانون “خبز طويجنة ” للمناسبات الدينية خاصة رمضان، أخيرا “خبز فرقش” و “خبز تنورت” للمناسبات العائلية، ثلاثة أنواع كل منها مرتبط بخاصية اجتماعية رودانية.

بعد الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، للخبز أهمية ومكانة خاصة يحتل بها صدارة الترتيب على باقي مقومات الغذاء في الحياة البشرية، فاذا كان الماء هو الحياة، فالخبز يجسد طعم هذه الحياة والمغزى البليغ للعيش بكرامة من خلال العديد من الأقوال الشعبية منها “اللهم الخبز البايت ولا شفنج شمايت” والحكم المأثورة منها “خبز حاف في زمن السلم خير من لحم في زمن الحرب”، ونصوص الأدب الرفيع مع “الخبز الحافي” لمحمد شكري رواية اكتسبت صفة العالمية بعد ترجمتها لأزيد من عشرين لغة، لأنها تترجم معاني حياة الحرمان وصور البئس.

اذا كان الماء والخبز متكاملين في الحياة، فالخبز والفرن متلازمين في الحي، الفرن نجد له أشكالا مختلفة يحددها التخصص الحرفي، فالمستندات المكتوبة التي وثقت عدليا تاريخ تارودانت ، تحدثنا عن أفران الجير وأفران الآجور برك أشبار، وفرن ملح البارود بساحة القصبة، جميعها طواها الزمن وأمست في خبر كان لارتباطها بظرفية خاصة لتاريخ معين، عدا أفران الخبز المرتبطة بتواجد الانسان وبقائه على قيد الحياة، منها “فرن بلدي” بتارودانت يرجع تاريخه لنفس الحقبة الزمنية 973ه أي اربعة قرون ونصف.

مع نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، عرف المجتمع الروداني تحولات اجتماعية جدرية عميقة في العادات الغذائية بفعل العهد الرقمي وقبله السمعي المرئي وقبله كتب الطبخ المنمقة بصور جذابة لإضفاء جمالية على المرئي، جميع هذه المؤثرات البصرية أسهمت في التحولات التي أقبلت عليها جل العائلات في إطار السعي للتجديد الغذائي ومنه الخبز ، وعصرنة معدات التجهيز المنزلي الخاصة بالمطبخ، مما جعل الرودانيون يتحولون بالاستدراج والتدريج من مجتمع محافظ متشبث بنظام طقوس مرعية لا يبغون عنها تبديلا ولا تحويلا، إلى مجتمع منفتح في عوائده الغذائية ، فبعدما كان “خبز الدار” طقسا مقدسا عند جميع الأسر، أصبحنا اليوم نرى جل الأسر بمختلف طبقاتها الاجتماعية وقد اعتادت على اقتناء “خبز السوق”، وقد كان من غير المقبول اجتماعيا في تارودانت فترة الستينات والسبعينات أن تقتني الأسرة خبزها من السوق، لما في ذلك من مساءلة لقدرة المرأة ،سيدة البيت وعماد الأسرة، على تدبير شؤون المنزل لأن “خبز السوق يأكله البراني”.


“خبز الدار” تسبقه ترتيبات قبلية المسؤول عنها رب الأسرة شخصيا أو من يتكلف نيابة عنه بحكم خبرته وعلاقته بالعائلة الرودانية، ليس بالضرورة أن يكون رجلا بل غالبا تكون امرأة – أمينة السر- تتردد على بيت الأسرة باستمرار لمد يد المساعدة في شؤون التدبير الداخلي، فكان أول عنصر بدأ التراجع والتخلي عنه هو الشخص-رجلا أو امرأة- خبراء المعرفة البصرية والتمحيص بالكف في رحبة الزرع بحثا عن أجود سلعة حبوب وأرفعها قيمة غذائية وهي ثلاثة أنواع: القمح البلواني للخبز والشعير البوري للكسكس والذرة المارسية للحساء، فيكتال منها ما يكفي تموين العائلة لمدة قصيرة بصاع الحبوب”العبرة”، أو كمية كبيرة بالقنطار لاحتياط التخزين ؛ ابتداء من عقد الثمانينات بدا اقتناء الزرع وتنقيته من الشوائب الدخيلة وغسله وتشمسه وحمله للمطحنة ثم ارجاعه للبيت لينخل على مرحلتين قبل التخزين الجيد في براميل محكمة الاغلاق حفاظا عليه من عفونة الرطوبة والحشرات، جميع هذه الأعباء المضنية تم الاستغناء عنها شيئا فشيئا بعدما انتشرت ظاهرة اقتناء الدقيق مباشرة من البقالة، بالتقسيط او الجملة، جاهز ليعجن منه “خبز الدار”؛ رافق هذا التحول الاجتماعي في نمط الغذاء الروداني عنصر متمم، هو دخول فرن الغاز بمختلف أحجامه الذي حل واحتل مكانه في المطبخ وارتدى غطائه المطرز جنب باقي التجهيزات، فرن الغاز بدوره ما برح يتنقل بين زوايا المطبخ بحثا له عن مكان مناسب حتى هلل خلفه المتطور ونحاه، الفرن الكهربائي الذي صمم بخصائص شكلية وتقنية ليتلاءم وجميع الظروف المكانية الآمنة والاستخدامات المطبخية الغذائية المختلفة التي لم تعد مقتصرة على طهي “خبز الدار” فقط.


أفران الخبز التقليدية المسماة مجازا “البلدية” لأنها تمتحي من الخصوصية المكانية للبلد، عموما لا تصنع خبزا وانما تكتفي بانضاج الأخباز التي يأتي بها قاطنوا الحومة الى الفرن، يشتغل بها عادة شخصين: الأول يلقب “الطراح” أو”مول الحفرة” مهمته دقيقة وحساسة لكونه مسؤول عن إنضاج الخبز دون إفراط ولا تفريط، مهمة مرهقة جدا لأنه مجبر على تعريض وجهه للحرارة باستمرار لمراقبة درجة احمرار الخبز ومستوى النضج داخل بيت النار، يتوافد عليه أهل الحومة فتيان وفتيات بل حتى النساء بين متأبط “لوصلة” الخبز الخشبية تحمل العجين، ومن يضعها فوق رأسه من أجل مزيد من السترة والمكانة الرمزية والمنزلة الفخرية لخبز الدار؛ الشخص الثاني يلقب “مول لخلاص” مهمته محددة في تنظيف كافة مرافق الفرن بكرة كل يوم، بعد النظافة مباشرة دفع الحطب لتحضير الموقد المعروف باسم “بيت النار”، أخيرا استقبال ألواح “خبز الدار” وتفحص درجة اختمار العجين وترتيب الجاهز منها للطهي قبل غيره، فتتولد مع الأيام وتعاقب الأجيال علاقة ود وارتباط وثيق بين أهل الحومة وأصحاب الفرن؛ استثناء يمكن أن نجد شخص ثالث، واحد بين كل عشرة أفران، اذا كان هذا الأخير مخصص لإعداد وبيع “خبز السوق” الذي يقتنيه غريب الدار/البلد بالواجهة الشرقية لأسراك الى حدود 1969 تاريخ اعادة هيكلتها لتصبح ساحة، فتحول بائعو “خبز السوق” بمحاذاة درب أيت اولامين وفناء الرحبة الى اليوم، عرض كان دائما اقل من الطلب تفاديا لبقاء وفساد “النعمة”، ما يجعل العرض بتارودانت دائما ينفذ مع أذان مغرب كل يوم.

بدخولنا القرن الواحد والعشرون، دلفنا مجبرين رغما عنا ما يمكن تسميته عصر الاغتراب المطبخي فوق المائدة الرودانية والمغربية بصفة عامة، لاسيما بالنسبة للأطفال واليافعين الذين هم في أمس الحاجة لوجبات ذات قيمة غذائية بجودة عالية مفيدة لبناء الجسم بشكل متكامل حسيا وجسديا، هكذا بتنا نرى عددا من الناس من مختلف الأعمار يتناولون الوجبات السريعة خارج البيت الأسري، اغتراب مطبخي يسائلنا جميعا عن ماهية الغذاء الصحي، وما طبيعة الأكل السليم؟؟؟ هل الغذاء هو الأكل لسد الجوع بشطيرة “خبز السوق” لم يكتمل بعد نضجها داخل الفرن، أم الأكل ثقافة اختيار، وعشق تحضير، وفن تقديم، تشكل كسرة “خبز الدار” عنصرا من الكل؟؟؟

مسايرة لهذه المتغيرات التي أملتها الظروف الاجتماعية العامة بتارودانت كما بغيرها، تراجع الاقبال عن إعداد “خبز الدار” وحمله للطهي في “الفرن البلدي” لفائدة اقتناء الخبز الجاهز من الأفران العصرية والمخبزات ، هذه الأخيرة من أجل جلب أكبر عدد من الزبناء وتلبية الحاجيات، لا تتردد في تنويع المعروض وانتقاء عناصر تحضير “خبز السوق” الذي لقب فخامة “خبز لباتسري” وهو يدخل في خانة الصناعة الغذائية التي يحكمها منطق السوق وفلسفة الربح ولو حساب صحة المستهلك، خبز اجتمعت فيه كافة العناصر المضرة بصحة المستهلك على المدى البعيد بداية من نوع الدقيق، مرورا بكمية السكر الصقيل الذي يخلط به للاختمار بعجالة والاصفرار بسرعة في فرن الوقود السائل، وصولا الى مادة كيميائية خطيرة تسمى “محسن الخبز” تستخدم وفق مقدار 50غرام/القنطار بحسب ما هو مسجل كبيانات على كيس فئة 5كلغ، فيما عمليا يتم تقدير الكمية بحفنة اليد حسب افادة صاحب فرن عصري …

المخابز العصرية التي تعد “خبز السوق” من أجل استقطاب مزيد من الزبائن تتعاقد مع مستخدم متخصص في المطعمة أو عامل راكم خبرة في الصناعة الغذائية وتجربة دراية بمتطلبات تسويق الخبز، هذه المحلات تقدم للعرض عدة أنواع من “خبز السوق” يبدأ سعره من درهم واحد للوحدة/قرص القمح اللين وهو الشائع الأكثر مبيعا، متبوعا بخبز دقيق سميد القمح درهمين وصولا الى خبز بسعر (9)تسعة دراهم للوحدة/كوميرة، لا نبالغ اذا اعتبرنها “عروسة الخبز” من ناحية سعر البيع وجمالية متناهية وقيمتها الغذائية الصحية التي تتغياها، يدخل في اعداد هذا النوع دقيق الدخن/ايلان ويزيين الوجه بخليط متجانس ومقادير متوازنة من حبوب السمسم/جنجلان وبدور عباد الشمس أو القرع و بدور الشيا وبدور الكتان وبدور الشوفان.

هذا الصنف من “خبز السوق” باعتباره عنصر تجديد فخم رغم قربه من الكيك منه للخبز، يمتحي من أصالة الشكل التي كانت معروفة ومتداولة قديما عند أرباب “الأفران البلدية” والعائلات الرودانية واستخدامها جد متداول، يزينون وجه الخبز بقرصتين أو ثلاث pincées من بدور الحبة السوداء/السانوج والسمسم/جنجلان، الوحيد حاليا الذي ما يزال محافظا على التقليد الأصيل بتارودانت، باباعلي بائع الخبز بفناء الرحبة مند نصف قرن أقول 50سنة وهو صاحب “الفرن البلدي” بالحدادة-درب الفران، فيما “خبز الدار” الذي تعده ربات البيوت يستخدمن بدور الكرويا والأنسون/حبةحلاوة والشمر/النافع، جميع ما عد وذكر من البدور الطبيعية التي تدخل في قائمة مقادير “خبز السوق” أو “خبز الدار” توفر المناعة الصحية التي يكتسبها الشخص تلقائيا مند الطفولة، وتمنح جسم الانسان بشكل منتظم بضع مليغرامات يوميا من الأملاح المعدنية التي تقوي الحواس وتعزز عمل أعضاء الجسم الوظيفية الرئيسية والمركزية :القلب الكبد الكلي والدماغ، وحرق الكوليسترول السيء ووو بعد خروج الخبز من الفرن تكون هذه البدور الطبيعة الطبية قد فقدت جزءا من زيوتها الطيارة بفعل حرارة الطهي، وتتوازن بذلك قيمتها الغذائية الصحية بالنسبة لجسم الانسان بعد الأكل، سر انتفاء عدد من أمراض العصر الحالية سابقا.

للتذكير المتداول المعتاد في التغذية الرودانية والسوسية عامة مند القدم الى حدود منتصف القرن العشرين هو الشعير، ولم تشهد عوائد إعداد “خبز الدار” تعديلا، الا نهاية الحرب العالمية الثانية مع نزول القوات الأمريكية فوق التراب المغربي. ذكرت الحبوب فقط، اعتبارا لمكانة الخبز فوق المائدة المغربية مند القدم الى اليوم، في هذه الفترة 1942-1963 كان جنود القوات الأمريكية يتمون مباشرة من بلدهم بأكياس دقيق/طحين تحمل إسم farine des forces américaines، انطلاقا من تاريخه “خبز الدار” فوق المائدة المغربية بدأ يعرف تحولا نوعيا من خبز دقيق الشعير، ليحل معه لأول مرة في تاريخ المغرب خبز القمح اللين الأمريكي ، المسمى مجازا بتسمية الأكياس “فرينة د فورص” farine des forces أو “فورص مريكان” forces américaines، ومن تاريخه بقيت تسمية “فورص” متداولة الى اليوم.

كل زمن وتارودانت بألف خير – يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى