أخبار محليةالأخباررأيمقالات

بين زقاقات المدينةالعتيقة.. (2)_دكان البَْرشمان (خيوط التَّسْدِيَّه تَنْسُلُ من الخَلْخالْ)

(خيوط التَّسْدِيَّه تَنْسُلُ من الخَلْخالْ)


تارودانت نيوز : ذ.عبد القادر سلك

ها هو ابنك؛ قد عاد قبلك يا أبي الآن.. أضاء له شق في جدار الذاكرة، فانسل و خرج.. فهل ستتأخر عودتك أكثر.. كيف اتحمل الآن عبء الانتظار..وأصم أذني عن أنين “الأمكنة” ؛تلك التي وطأتها أقدام “الصْناعِيَّة” من جيلك، من الخياطين؛ والدرازين والدباغين والصياغين و”لْحْلاسيَّه” *والحدادين، والنحاسين والنجارين… هنا وهناك.. بين هذه الزقاقات..

سيطول الوقت بالطفل، وهو قبالتك، على طول أيام الصيف القائظ؛ وبرد أيام الشتاء القارس وفي يديه خيوط” التسدية” الطويلة.. وعليه ان يعطيك كل الانتباه : “إياك أن تلتفت ذات اليمين أو ذات الشمال “.. مخافة ان تختلط الخيوط بين أصابعك النحيفة.. فينهرك “لمعلم” ويحذرك.. وانت طفل لم يكمل الخامسة من طفولته بعد..

خيوط “التسدية”، تخرج من”خلخال” الصابرة الناعمة التي
تصنعها دودة القز.. قبل أن تًُلفَّفَ، فتصبح خلخالا.. وفي يد”لمعلم”، سوف يرقص خلخال” الصابرة” ، رشيقا إلى آخر حلقة فيه، ومنه يرخي خيوط “التسدية”بمهارة وحذق من بين قدميه..
وياللصدفة العجيبة! ! ، حين نسمع في المذياع صوت “احمد سهوم”في بر نامج؛ “اطلالات على التراث”؛ عندما يشرح ويعلق على قصيدة”الخلخال”بحربتها التي تتكرر:

“خلخال عويشة ”
دُرَّة لَبْها في مكتوبي يا وْليفْ
دَرْتو ومْشى لِيَ كيفْ المعمول إلا تْسالْني
مولات الخلخال”

وعلى أنغام “الملحون” تلك،ترخي ” التَّسديَّه” خيوطها الثمانية، أربعة منها يقبض عليها ” لْمَتْعَلَّمْ” في اليد اليمنى، وفي اليد اليسرى يقبض على أربع أخرى.. وهي خيوط “الصابر ة” الناعمة وقد تم فَتْلُها.. حيث تصير متينة شيئا ما.. وتُرْبَط الي شرائح “الدّوم”، وهو سعف النخيل المائل إلى الصفرة. ويوجد بقلب النخلة القصيرة القامة في البراري.. اذّاك يسهل على “لمتعلم” ان يُشبك الخيوط الاربع من يده اليمنى؛ في نظيراتها باليد اليسرى.. هكذا يسمى :(ضَرْب الرباعي) أربعة في اربعة.. وهناك نوع آخر من الضرب حسب نوع ” قْطيبْ البرْشْمان” المطلوب؛ و منه ضرب( إِدُّو فيدْ خُوهْ) ؛و ضرب (الثْلاَثِي) .. وأثناءها ،بأنواعها، يكون” لَمعلّم” على أُهْبةٍ لتلقي “الضَّربة”على إثْرِ الأخرى تِباعا،بلا كلل ولا ملل، وبلا خطأ من (ْلْمتعلم) في إيقاع متزن؛ بينه وبين (لَمْعلّم).. وتكون خيوط “التسدية” أحيانا بطول أربعة، إلى خمسة أمتار.. ثم تتآكل بفعل “الضرب”، وتتناقص شيئا فشيئا. حتى لايبقى منها غير مقدار شبر أو اقل.. وعندها يتنفس (المتعلم) الصعداء فيستغل الوقت الفاصل الذي يهئ فيه(المعلم) “تسدية” طويلة أخرى فيستريح.. وهكذا دواليك.. منذ الصباح حتى المساء..

كُنْتَ تسمع (لًمتْعلْمين) عند كل آذان للصلاة.. يرددون، بصوت واحد أشبه بإنشاد ديني :” الصلاة علْ نْبي.أو الصلاة علْ نْبي.أو الصلاة عنبي؛ اوالصلاة على رسول الله).. إنه وقت سوف يتحررو ن فيه من الوقوف الطويل. . كأنما كانوا قد رُبطوا الي خيوط قيْدٍ لا يرحم؛ ساعتين ونيِّفٍ.. الآن بإمكانهم ان يمرحوا؛ وأحيانا يرقصون ويغنون في غياب ْ. ْلْمعلَّم، الذي ذهب الي المسجد القريب؛ لأداء الصلاة في مسجد (سيدي أو سيدي) او مسجد (الخرازه) ؛ وفي إحدى الزوايا القريبة.. الزاوية “التيجانية” في درب”جدّهم” ؛ او الزاوية “القادرية” ب”الرحبة” ؛ او الزاوية “الدرقاوية.” في درب “الكزارة” . وكلها لاتبعد عن “” القيصارية””.. مسافةخمسة دقائق.،اوأقل،مشيا على الأقدام..
…………………………………..
*صانعي “البردعة” التي توضع على ظهورالحمير والبغال؛ وتحمي راكبيها..ومن المواد التي تستعمل داخلها؛ التبن.. واللفظة حافظت على الأصل الامازيغي، (اِحَلسان)..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى