أخبار محليةأخبار وطنيةالأخباردراساترأيمقالات

السياسة بين العلم والإديولوجيا.. دروس العدالة والتنمية


تارودانت نيوز : الدكتور عبد السلام أقلمون

لا يمكن لانتخابات المغرب الأخيرة إن تمر دون أن تكون موضوع تأمل عميق لاستخلاص الدروس والعبر بطريقة علمية وموضوعية. ولتحقيق ذلك لا بد من تجاوز القراءات السياسية الغارقة في الحزبية والكيدية، والاستعانة بأساليب أكاديمية تقوم على الوصف والتشخيص الموضوعيين للظاهرة لمعرفة طبيعة الأسباب التي قادت إلى تلك النتائج. ويبدو أن العدالة والتنمية ككل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية لم تستطع أن تدرك موقع الفعل السياسي بين العلم والإديولوجيا. فبغض النظر عن اللحظة التاريخية التي قادت الحزب إلى سدة الحكم وسهلت تصدره للمشهد السياسي محمولا على كاهل كم كبير من تطلعات المواطنين وأشواقهم وحسن ظنهم بالخطاب الإديولوجي الذي يقدم الإسلام يافطة لنواياه. والظاهر أن الشعب المغربي لميكن متعجلا في إصدار الحكم على حزب كانت وعوده السياسية بحجم الوحدتين المعجميتين اللتين يتكون منهما اسم الحزب:” العدالة. و. التنمية”. لكن الحزب نفسه كان تحت وقع المفاجأة محمولا على جناح المتغيرات الكبيرة إلى تدبير الشأن الحكومي والشأن المحلي. كان الحزب نجيبا على مستوى الإيديولوجيا مسنودا بدعامته الدعوية : “حركة التوحيد والإصلاح”. كل الجهود الدعوية ابتداء من الجلسات التربوية وصولا إلى كل أشكال التواصل الدعوي بنفس تبشيري: الصلاح،الخير،طلب الجنة… ثم طلب الانضباط التنظيمي المإجور عليه، خدمة الإسلام من خلال دعم المتصدرين للعمل السياسي الميداني ( رئيس الحكومة، الوزراء، البرلمانيين،رؤساء وأعضاء الجماعات الترابية…). الجهد كله منصب على ضمان استمرار هذه الوضعية تدعمها الدعوات والصلوات والأذكار والآثار النفسية العميقة للمخيمات والأناشيد الحماسية وشعارات رفع التحدي ضد الخصوم والأغيار… كان الغرق في الإيديولوجيا على حساب حقيقة السياسة بصفتها : علم تدبير. لم يكن الحزب مهتما بتكوين كفاءات تدبيرية قادرة على بناء وعي سياسي متطور ينبني على فلسفة إعداد المشاريع ووضع المخططات التنموية الجريئة وغير التقليدية استيعاب آليات تدبير الميزانيات وتدعيمها… لم يشهد الحزب دورات تكوينية نوعية جادة. لم يكن إيضا مستعدا لاستيعاب الخبرات والكفاءات الوطنية. فوقع المحظور انغلاق الحزب على نفسه واعتبار الفوز السياسي بالمناصب فرصة مستحقة لمكافأة المناضلين الذين ضحوا وبذلوا الجهود المضنية… لم يفهم الحزب إذن ان التضحيات من أجل الوطن والمواطنين وليس من أجل مكافأة الذات وتعويض بعض أفراد الحزب الذين يحسنون تكوين اللوبيات الداعمة لهم وتوجيه الجرح والتعديل في اتجاه تحجيم المنافسين الداخليين وترويضهم. والغريب هو غياب البعد الاستراتيجي واعتماد آليات التوقع فالحزب اعتقد أن المغاربة منحوه شيكا على بياض وأن خطابه الإيديولوجي كفيل بأن يستمر في إسقاط الخصوم وأن يجعله على سدة الحكم إلى ما لا نهاية. كانت المفاجأة مدوية. كان السقوط مفجعا، فالحزب لم يخرج فقط من الحكم بل أخرج من المعارضة أيضا، هذا النصاب الهزيل لا يسمح له بالتفاوض حتى في ذيل خيارات المعارضة. لو حاز العلم في ممارسة العدالة نصيبا مساويا للإيديولوجيا لكانت قراءة الحزب للواقع قادرة على فهم نباهة المغاربة والتجاوب مع تطلعاتهم. لو اعتمد العلم لحقق الحزب أشياء تلفت نظر المواطنين إلى بدائل نوعية يتردد صداها عبر أركان التراب الوطني : خيارات نوعية مثلا في التعليم، تطوير غير ميبوق للصحة، حلول غير تقليدية للسكن، انخراط بكل مؤهلات الحكومة لخلق فورة التشغيل… لو كان الحزب إضافة حقيقية لكان مآله غير هذا المآل. لكن الشيء المؤكد أن رفع شعارات كبيرة ثم التنصل منها بسهولة، ليس من الأخلاق ولا من القيم ولا من العلم: الفتح العشوائي لصندوق المقاصة على المجهول حد بين البطولة والرعونة وإضرار بالطبقات الفقيرة والهشة، العودة بالأجور إلى الوراء ليس حلا مبدعا بل إضرار بالطبقة المتوسطة أحدث غما مجتمعيا كبيرا، التنازل عن أسس المبادئ الحزبية التي اعتبرت عنوانا للمرجعية الإسلامية دون قيام بمراجعات واضحة تقرها قواعد الحزب وتعلن إقرارها ىبخطأ تصوراتها السابقة وفهمها السلبي للخطاب الإسلامي … كل ذلك رسخ قناعات متلاحقة أن النافدين حزبيا يريدون الاستمرار في الكراسي بالتطبيع بدون تطبيع بتقنين القنب الهندي أو بظون تقنين… بإصلاح منظومة التعليم العمومي أو بإطلاق العنان للخثخصة الفاحشة… كل شيء أصبح ممكنا حزبيا شريطة البقاء في الحكم. لكن الشعب المغربي قال كلمته: البقاء في الحكم له شروط أخرى غير هذه التي اهتدى إليها حزب العدالة والتنمية. والآن مبروك لحزب الأحرار ونرجو له كامل التوفيق مى غلب العلم على الإيدولوجيا وحقق مطالب الشعب الواضحة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى