أخبار محليةأخبار وطنيةالأخباررأيمقالات

مواجهة المعوقات جزء من الكفاءة الحزبية


تارودانت نيوز : الدكتور عبد السلام أقلمون

لعل أسهل شيء لمواجهة العجز التبرير، وأيسر المبررات حمل العجز على أسباب خارجية. وهذا السلوك هو نوع من النكوص عن تحمل المسؤولية واستيعاب طرق اشتغال السببية الداخلية في تحصين المشروع أو تعريضه للتراجع أو حتى الانهيار. وهذا النوع من الوعي لا يفيد تغييب وجود عراقيل وعوائق وتربصات ومقاومات خارجية مناوئة توظف ما هو مقدور لها لتكوين سببية خارجية تطيح بالمشروع. غير أن العمل السياسي خصوصا في سياق الدول العربية برمتها، وفي ظل الحيثيات الدولية ذات الحساسية المفرطة من الإشعاع الحضاري المنافس للنفوذ الغربي، تجعل ولوج الميدان السياسي بحاجة ماسة إلى اعتماد استراتيجية علمية تقوم على دراسة المعطيات دراسة موضوعية قوامها ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ولا ينبغي أن تقوم على مشتهيات تقتات من أذهان القيادات وأحلام الأتباع. وعلى كل حال فالمكون السياسي يشكل عبئا ثقيلا على الحضارة الإسلامية وكان دائما مصدر إعنات وخلخلة لصرحها العظيم. ومراجعة التاريخ توقف على العجب بهذا الصدد. لكن المطلوب منا اليوم ليس القيام بدراسات نظرية لحدود نجاح أو فشل نموذج الإسلام السياسي، أو مدى صلابة المرجعية الإسلامية في بدائلها المقترحة لتحرير الإنسانية سياسيا واقتصاديا، أو مدى انسجام الديموقراطية متى برئت من الكولسة وحيل اللوبيات مع مطلب الشورى… وما مدى وعي حاملي المرجعية والحالمين بها معا بكون المنجز الإنساني في مجال السياسة أكثر توافقا في غالبيته مع التوجيهات القرآنية الصريحة، أكثر من المقترحات البئيسة التي يقدمها الكثير من المنتسبين للإسلام. وبإمكاننا أن نجري تمرينا بسيطا وساذجا ولكنه عظيم النفع في عطف العقول على عمق المأزق: لنتصور أننا استفقنا ذات صباح على خبر عاجل: قررت دولة السويد اعتماد المنهج السياسي الإسلامي بعد أن اقتنعت أن دين الإسلام هو الحق، وتطلب من المسلمين هدايتها للسياسة الشرعية الموافقة للإسلام. ستكون المفاجأة أننا لا نملك هذا المقترح ولا نتوفر سوى على شعارات وخيارات شديدة التناقض بل والتحايد والتناكر محليا وجهويا وكونيا. سوف تتوالى المقترحات على الدولة إياها كالآتي: بعد أن فتح الله عليكم وهداكم لدينه فعليكم اتباع الخطوات الآتية:- (ملحوظة: هذه الديباجة سيتفق عليها الجميع، وما بعدها لن يتفقوا على حرف واحد) – مقترح إيران…..مقترح السعودية…..مقترح أفغانستان…… المرجو ملأ الفراغ بتجليات الممارسة السياسية المشهودة. ثم لو نزلنا إلى مستوى الميكرو: مقترح الإخوان….مقترح السلفية…..مقترح العدالة والتنمية…. مقترح العدل والإحسان….. الخ. ولا يخفى أن كل هذه الحركات تجتهد بدورها وتزعم أنها أوفر حظا في تأويل النصوص الشرعية لفائدة المنهج الأسلم والأحسن إسلامية. ربما ستعتذر الدولة المرشحة عندما ستقارن منهجها السياسي بمقترحات الدول والفرق والأحزاب المذكورة، وستكتشف أن آليات التدبير عندها أفضل من كل ما يقترحه المنتسبون. وربما فهم الجميع أن التدبير العلمي وإعزاز المواطن وتكريمه والعدل العام والإخلاص في إنجاز المهام وتجليات ذلك رفاها وعدالة ونظافة ورقيا وتعليما رائدا ومعالجة المواطنين في مستشفيات هيئت لاستقبالهم كآدميبن مكرمين، وحدائق وبيئة راقية ومثيرة للفرح والصحة النفسية…الخ مما يعرفه الجميع، أن هذا سلوك أولي الألباب وهو أفضل من سلوك أولي الجلباب (كناية عن التشبت بالأشكال والغفلة عن الجوهر). السؤال: هل يستحسن أن تبقى تلك الدولة على منهجها، ويخبرها ناصح أمين أن هذا هو التدبير الموافق للمطالب الإسلامية سياسيا، وأن أفضل ما ينبغي أن تفعله هو ان تستمر في سلوكها السياسي الرشيد وتحمد الله على نعمة الهداية والنجاة من التثليت وعبادة البشر.
في الحقيقة لا بد من تفعيل آلية التوقع. فإذا لم يحدث ما ذكرناه حتى الآن فهو وارد جدا. لأن جاذبية الإسلام نظريا قوية وقادرة على إقناع العقول الرشيدة والمستنيرة، ولا يعطل كفاءتها في كثير من الأحيان سوى نابذية السلوك السياسي الفاشل والعشوائي لمن يدعون المرجعية الإسلامية.
وعليه فمناقشة تجربة العدالة والتنمية فرصة متاحة للاجتهاد والاستيقاظ من الأوهام. ثم لأن المناسبة شرط، ولأن ما حدث زلزال سياسي قد تكون له بعض التبعات غير المقصودة وغير المرجوة على الإسلام نفسه، فالذين اشتغلوا موظفين الشعارات الإسلامية قد جعلوا -من حيث لا يشعرون أو لا يقصدون- الله عرضة لأيمانهم. ولعل المتربصين غير المنصفين قد يجعلون فشل الحزب فشلا للمرجعبة ذاتها. ونحن نعرف أن الحزب لم يستوعب آليات التدبير المنصوص عليها قرآنيا ولم يرق إلى مستوى التدبير إنسانيا. فكان فشله نتيجة لاعتماد ما توفر له من إمكانات تم اهتبالها لخوض غمار السياسة بوعود كبيرة تفتح أفق انتظار بهيج للمواطنين، وبمنجزات جارحة تحتاج نضالا كبيرا للتراجع عنها ومسح آثارها وهو أمر لا يكون دائما سهلا ولا متاحا. فإعادة صندوق المقاصة إلى ما كان عليه، واسترجاع وضعية الأجور…. وغيرها من المكتسبات المنكوبة دونه خرط القتاد.
لهذا يحتاج تحليل المعطيات لوضع الحزب تحت مجهر التحليل مثل عينة صخرية وتتبع سلوكه السياسي منذ وعود الكريمات ومقالع الرمال… وانتهاء باعتماد الفرنسة والتطبيع. وهذه القراءة المختبرية على طريقة العلوم الحقة تستهدف التشخيص الموضوعي ليس لصالح الحزب ولا ضدا عليه، فإذا أثبت المجهر أن العينة تتكون من طين وجير وكلس… فمن الجهالة أن نجعل ذلك ذهبا وياقوتا وحجرا كريما… فالوصف مصدره الموصوف، وليس ما يشتهيه الواصف. وهذا ينسجم مع الدعوة القرآنية للاعتبار، وهو استخلاص الدرس المناسب من الظاهرة المدروسة ليستفيد اللاحق من السابق، أما تزوير الحقائق فينتهي إلى استخلاص دروس خاطئة ويقود التجارب اللاحقة إلى الضلال والاستمرار فيه. ومتى تأسس التحليل السياسي على القراءة الموضوعية غير المتجنية ولا المتغنية، سوف يتم تفويت قيم العلم للحقل السياسي، وستدرك الأحزاب أنها إذا كانت لا تمارس الرشد في تدابيرها، فهناك من يمارس الرشد في ترصدها وتقويمها. ومن حكم المغاربةالأثيرة والسيارة: “الله إكمل بخير”. فهم لا يقولون “الله إبدا بخير”. لهذا وجب توجيه الكاميرا الجماعية ناحية الحزب الجديد الفائز لرصد سلوكه السياسي، ومدى وفائه لشعب خاب ظنه مرتين وانكسر خاطره كرتين: المرة الأولى مع وعود حزب تاريخي أبلى في المعارضة بلاء حسنا، وحمل طموحات الشعب طويلا قبل أن يتمخض عن تدبير غير مقنع أو مفجع، فعوقب بأن ركن في هامش الفعل السياسي مدة طويلة، والمرة الثانية حين ظن الشعب أن أصحاب المرجعية الدينية أخلق بالثقة وأحرى بحسن الظن.
لهذا فالتركة السيكولوجية ثقيلة ستجعل هامش الخطأ للحزب المتوج ضيقا، لأن الشعوب لا تقبل أن تستغل ثقتها أكثر من مرتين، أو على الأقل سينطوي ذلك على مغامرة كبيرة لا قدر الله. ورجاؤنا أن ينجح الوطن بكل أبنائه، وأن تنجح الأحزاب في تدبير اختلافها، وأن ينجح الفائزون في وعودهم، وأن يقوم العاثرون من كبوتهم، وأن يعرف المستقبل سلوكا سياسيا أرقى و أنقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى