أخبار جهويةالأخباردراساتمقالات

الريف زمن الحماية الإسبانية…1912-1956 الاستعمار الهامشي، كتاب يعالج مرحلة حاسمة من تاريخ منطقة الريف

أعده للنشر د. جمال المحافظ


” الريف زمن الحماية الإسبانية…1912-1956 الاستعمار الهامشي” عنوان كتاب للأستاذ الباحث ميمون أزيزا يعالج فيه مرحلة حاسمة من تاريخ منطقة الريف، من خلال تسليط الضوء على بعض سيمات الاستعمار الاسباني في شمال المغرب، كما يحاول تحديد طبيعة هذه التجربة الاستعمارية المختلفة عن مثيلتها الفرنسية.
ويغطى المؤلف طول فترة الحماية الاسبانية بالمغرب، مع تركيز أكثر على الفترة الممتدة من 1928 إلى 1956، أساسا بدعوى إنخراط المجتمع الريفي بشكل شبه كلي في منطق التحول لما بلغ الاقتصاد الاستعماري ذروة تطوره.
وفي هذا السياق، يتناول الكتاب في ثلاثة أقسام أولهما ” الريف في مطلع القرن العشرين: التأسيس لاقتصاد استعماري مفروض” يقارب فيه المؤلف قضايا المجال والسكان والتسرب الاقتصادي الكولونيالي، وحصيلة الاستعمار الإسباني في المغرب والاستثمارات الاسبانية في منطقة حمايتها.
أما القسم الثاني المعنون ب” المجتمع الريفي في مواجهة الاستعمار 1928 – 1956″، فيتناول البنيات الاجتماعية والاقتصادية شمال المغرب : التحولات وأشكال المقاومة وأزمة الاقتصاد الكولونيالي والمنطقة الخليفية، إبان المرحلة الممتدة من 1936 إلى 1942.
وفي القسم الثالث حول ” المغرب الخليفي خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية: التحولات الاجتماعية وميلاد فئة المأجورين ( 1942- 1956 )”،يتطرق الكتاب الى النمو الديمغرافي والتحولات الحضرية ونشأة فئة اجتماعية جديدة في الريف هي فئة المأجورون.
وإن كان الاستعمار الاسباني في المغرب، في الحقيقة، يعد موضوعا شائكا وسجاليا، لوجود آراء ووجهات نظر متباينة، بخصوص تقويم حصيلته الاجمالية، بين الكتاب والباحثين الاسبان، لكن المؤلف يرى أن الحصور الإسباني بالمغرب، اتسم بصفة عامة، بخاصيات مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية الاسبانية من جهة، وبالموروث التاريخي المشترك الاسباني المغربي من جهة أخرى، وهي عوامل متظافرة أسهمت في بلورة سياسة استعمارية اختلفت بشكل واضح عن نظيرتها الفرنسية.
من هذا المنطلق فإن الكتاب يرمي الى غايات عديدة في مقدمتها تفكيك الجذور التاريخية للحماية الاسبانية بالمغرب، والوقوف على أسباب اهتمام اسبانيا بمطقة النفوذ في الشمال المغربي، توضيح مميزات الاستعمار الاسباني، ولماذا ظل هامشيا؟ مستخلصا في هذا الصدد بأنن إنجازات هذا الاحتلال وكذلك آثاره تبدو باهتة مقارنة برديفه الفرنسي، وإن داما لنفس المدة.
وبالنظر لطابعه الهامشي، فإن الاستعمار الاسباني، لم يحظ بما يكفي من الاهتمام الاكاديمي، ليس فقط من طرف الباحثين المغاربة، بل كذلك من المهتمين الأجانب بتطور الدولة والمجتمع المغربيين، لكن الغايات من هذا الكتاب/البحث كثيرة أهمها : تبيان الأسباب التي جعلت هذا الاستعمار منذ بداياته وحتى زواله هامشيا، جوهرا وفعلا، واستعراض الخصوصيات من ذلك التواضع في الأهداف مقارنة مع الاستعمار الفرنسي، ثم وضع الأصبع على مكامن التحول الطارئ على المجتمع الريفي خلال نصف قرن من الزمن.
كما يهدف الكتاب الذي هو في الأصل بحث لنيل شهادة الدكتوراه، تقدم به ميمون أزيزا لنيل الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة سنة 1994، تحت عنوان ” الريف ومن الحماية الاسبانية، التهميش والتحولات الاجتماعية: ظهور العمل المأجور”، الى بسط آليات التطور وما يترتب عنها من مضاعفات مست البنيات والعقليات والولاءات…والعلاقة بالدولة المركزية، ثم امتداد لكل هذا بالدولة الحامية بعد انسحابها.
ان العمل الذي بين أيدينا مجدد في الكثير من مناحيه لتركيزه على التداعيات الاقتصادية الناتجة عن فرض نظام الحماية لنظمه المختلفة، لا سيما ماله صلة بمسألة العمل المأجور، وهناك يكمن التجديد الأبرز لكون الدراسات السابقة، ركزت على المستويات السياسية والإدارية، وقلما تعدتها إلى ما هو أعمق، كما جاء في تقديم الكتاب الذي دبجه الأستاذ عبد المجيد بن جلون.
ويبدو أن أبرز نقاط القوة في الكتاب الواقع في 401 صفحة من الحجم الكبير من ترجمة محمد حاتمي وجمال حيمر، والصادر عن منشورات ” ملتقى الطرق ” سنة 2021، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، التفصيل في البنيات الاجتماعية لأهل الريف، وهي بنيات من شدة ترسخها جاذبت بين التنافر المستدام والاستقرار الطارئ كلما تعرض المجال لعدوان خارجي، ومن ذلك السر في قوة المقاومة وطول نفسها واستمرارها في أشكال مختلفة حتى بعد نهاية مرحلة التهدئة.
وعلى العموم تشكلت لدى الريفيين صورة سلبية عن الحضور الاسباني الذي كانت تقوده الطغمة العسكرية. إننا حيال استعمار يستحب نعته ب” استعمار الفقراء”: تعوزه الإمكانيات المالية لخلق الثروة، فشاعت صورة الاسباني الفقير والمملق. لقد كانت الحصيلة الاجمالية هزيلة جدا، وظلت المنطلقة مفتقرة للبنيات التحتية الضرورية والاقلاع الاقتصادي، كما أن وسائل المواصلات بين المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية للنفوذ الاستعماري جد متواضعة.
فبعد نهاية الحماية لم تتجاوز الشبكة الطرقية أزيد من 2000 كلم، وخطوط السكك الحديدية 230 كلم، في الوقت الذي كان القطاع الصناعي، جد محدود، وبالمثل التجهيزات الاجتماعية، مقابل الفشل الذريع في ميادين الاقتصاد والتعليم والصحة.
بيد أن اسبانيا استثمرت بالمقابل الكثير في ميدان الأمن إلى درجة أن مكاتب المراقبة والثكنات العسكرية كانت منتشرة في كل الأماكن، وحتى في المناطق النائية من المجال الريفي، كما جاء في إحدى استنتاجات الكتاب.
وإجمالا، – كما يستخلص المؤلف في الكتاب الذي عززه بصور فوتوغرافية عن تلك المرحلة وبيبليوغرافيا ومراجع باللغات العربية والأجنبية – اكتسى الحضور الاسباني بالمغرب طابعا عسكريا بالأساس، حيث كان الجيش يتحكم في القرار السياسي، ويوجه السياسة الاقتصادية، ومن تم توارت كل مظاهر السياسية الاسبانية بالمغرب خلف أهمية مشاكل الأمن، وتم تأجيل قضايا التهيئة المجالية والتدبير الإداري والتنمية الاجتماعية والنهوض باقتصاد المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى