أخبار محليةالأخبارمقالات

يوميات ساحة “اسراك “

"الرجل البدين"


تارودانت نيوز : ذ. عبد القادر سلك

“الرجل البدين”،لا تعرف الساحة عنه سوى كونه يرتادها في مساءات غير محددة ، وهو لا يعرف عنها إلا ما تحقق له كفضاء فسيح ورحب مكتظ بمرتاديه، منهم من يجلس تحت أحواض الأشجار، و قربهم هناك “بائعة القهوة والشاي” ، “وغير بعيد منها” بائعة الحريرة ،وبعض الخبز والبيض، وسجائر الديطاي”.. فطور الصباح أو المساء للمهمشين، من لا أهل لهم ولا بيت يؤويهم سوى غرفة بين السكان في حي قريب.. بينما المقاهي الممتدة المتراخية على جنبات الساحة، تعج بالدراجات الهوائية في اعداد مثيرة.

“الرجل البدين” يمر حوالي هذه الواجهات غير آبه ولا منتبه لكل هذا ؛ وإن كان يبدو كأنه يحملق في الوجوه.. انه ليس إلا نوعا من الشرود الذي ينتابه.. يمشي متثاقلا، لانه يحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال في تمرين رياضي على طول الوقت، وعلى مدار الساحة..
المساء يزحف على الساحة باردا “.. الراية فوق مخفر الشرطة يحركها الهواء باتجاه الداخل..” هذه علامة على أن الرياح غربية”.. الرجل البدين لا يكترث للريح ولا لاتجاهها، فهو دائب على تمرينه، بدلته المعتادة قميص أزرق فضفاض، وسروال بني قصير، ونعل بلاستيكي تبرز منه أصابع قدميه حتى تلمس الاسفلت..
منذ ان حل بالمكان، شرع يجوب الساحة في شكل دائري.. كل مجانين الساحة يتحركون فيها بهذا الشكل اللاإرادي.. انها “الحضرة” و” الانجذاب” لقوى الساحة الساحرة ،هكذا قال مجالسي على طاولة “مقهى الأقواس”.. وسماها ” السَّواكَنْ*”، كما يروج لدى ساكنة المدينة.. هكذا تحدث رئيس المجلس البلدي، عندما فسحت له جمعية “كناوة” الكلام، في ختام نشاطها ما قبل “كوفيد”. قال مجالسي:” سمعته ذلك المساء يقول :”… اعدكم ايها السادة، ان الساحة ستلبس حلة أخرى، تستحقها، لقد صادقنا على مشروع إعادة هيكلتها بما يليق؛ انها ساحة مفعمة “بالسَّوَاكَنْ “و بالعمق الروحاني.. ”

أما” الرجل البدين” فلا يكترث الا لتمارينه المسائية.. وهو منشغل بطوافه؛ اصطدم بطفلة صغيرة من أطفال الشوارع لم تتعد بعد الخامسة من العمر ، حافية القدمين.. كانت منهمكة في لعب الكرة مع فتيات وفتيان يكبرونها مع بعض التفاوت.. كانت تتبع الكرة التي نأت بعيدا.. لم تنتبه الى الرجل فوق رأسها.. مرت محاذية له.. لم يكترث هو للأمر. ستاتي أمها قبل آذان العشاء لترغمها على العودة إلى البيت.. ربما ان رجلا كان بالبيت.. الأم عازبة، خرجت الآن تجلب بنتها، وتجلب قوتها من الشارع.. ربما أن رائحة الرجل لا تزال لصق ردائها..

بكت البنت عندما جررتها الأم على الاسفلت.. وقف “الرجل البدين ” أمام هذا المشهد، انتبهت الام اليه؛ شتمت ولعنت.. استأنف الرجل البدين تمرينه بخطى وئيدة، لا تزال يداه كدأبهما على نفس الحركة من اليمين الى اليسار لا أحد يزعجه على أمره.. اقترب من الشباك الأوتوماتيكي للبنك .. كانت “السعدية نمرة غلط” تنظر الى وجهها في زجاج الشباك، لقد أخذت زينتها كعادتها قبل المجيء الى الساحة، صبغت شعرها بالأسود وقصته ، طلت وجهها بالمساحيق البراقة.. ،كان الشباك الإلكتروني زاويتها الأثيرة ومرآة زينتها، عندما مر بمحاذاتها “الرجل البدين”،وهو في دورته الواحدة والعشرين، قالت له” تعالى وخذ لك سيجارة واسترح من هذا الطواف المجنون “.. جاوزها واستدار برأسه ناحيتها، ظنته سمعها، حركت يدها ملوحة، قبلت يدها ولوحت بها اتجاهه، أكمل “الرجل البدين” سيره محركا يديه كدأبهما.. قالت :” مسكين مجنون مثلي سيلتقطونه يوما كما تلتقط الكلاب الضالة، ويودعونه في قسم الأمراض العقلية بمستشفى “المختار السوسي”، ثم يحقنونه بتلك الحقنة اللعينة التي تسيل اللعاب وتحدب الظهر؛ وفي الأخير عندما يكتظ المستشفى بالمجانين يرمونه الى الشارع مرة أخرى”.

“الرجل البدين ” اكمل دورته الأخيرة وانهى تمارينه لهذا اليوم، واختفى خلف ستار الظلام، الذي بدأ يغطي الأطراف الخلفية غير المضاءة للساحة.. بعباءته سيلف الليل المكان، الذي سيتعرى عندما يغادر الساحة مرتادوها من العقلاء، لتتسع اكثر لمجانين آخر الليل وخفافيش الظلام .. وسيغط أهل المدينة في نومهم العميق حالمين ” أن المدينة عائدة الى مجدها”.
………………………………..
**السواكن : يقصد بها اهل المكان غير المرئيين، وقد تطلق على من به مس الجن، فيقال عنه “مسكون”..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى