اليوم الإثنين 16 سبتمبر 2019 - 12:55 صباحًا

تونس…دراسات قانونية: قراءة سوسيولوجية لجرائم القتل(1-2)

أخر تحديث : الأحد 19 أبريل 2015 - 9:16 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 19 أبريل, 2015 | قراءة

تصاعدت في العشرية الأخيرة وتيرة جرائم القتل ببلادنا بشكل مخيف، فلا يكاد يمر يوم دون أن تطالعنا الصحف بوقائع جرائم خطيرة ومثيرة، وما أصبح يلفت الانتباه أكثر هو تعدد جرائم القتل التي يكون فيها الجاني والضحية من نفس العائلة، الشيء الذي يجعل القيام بدراسات سوسيولوجية وتحليلية ضرورة ملحة.

حاولنا منذ سنة 2005 رصد أهم القضايا التي تم عرضها على الدوائر القضائية وتناولتها الصحف التونسية، خاصة مع غياب الإحصائيات الرسمية حول هذا الموضوع وذلك في إطار متابعة نتائج بحثنا المتضمنة بأطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع الإجرامي.

جرائم اليوم لا تختلف كثيرا عن جرائم الأمس من المغالطات المتداولة. اعتبار تفاقم الظاهرة الإجرامية عموما وجرائم القتل بشكلمحدد ضمن إفرازات الثورة التي عرفتها البلاد وإن كان الانفلات الأمني ساهم في تفاقمها وتحرر الإعلاميين والمختصين في المجال الاجتماعي والاجرامي أخرج هذه الظاهرة من قائمة «التابووات»، فمثلا سجلنا بين فيفري ومارس 2008 ما لا يقل عن 866 جريمة بثلاث صحف هي “الصباح” و”الشروق” و”الصريح” حيث احتلّت صحيفة “الصباح” الصدارة بـ347 جريمة ثم تلتها “الشروق” بـ 272، و “الصريح” بـ247.

خمسة أصناف

تمحورت أهم وأبرز الجرائم المذكورة في خمسة أصناف إجراميّة وهي جرائم السرقة والعنف وخاصة القتل، والجرائم الجنسيّة إضافة للجرائم الماليّة وجرائم المخدّرات (تقريبا نفس هذا التصنيف نسجله اليوم مع بروز ظاهرتين إجرامتين هما الجرائم الإرهابية وجرائم الانترنت)، وكانت نتائج الرصد على النحو التالي:

القتل العمد احتلّ صدارة جرائم العنف المرتكبة، إذ بلغت حوالي الـ 55 % من جرائم العنف الواردة بالصحف المرصودة، إذ رصدنا 106 جريمة قتل من جملة 193 جريمة عنف (الصباح 75 والشروق 70، والصريح 48). ففي صحيفة “الشروق” مثلا، سجلنا 45 جريمة قتل منها 10 ارتكبت ضد أطفال أبرياء، بلغ عدد المتّهمين الـ 49 متّهما منهم 12 جريمة قتل ارتكبت من قبل النساء والبقيّة ذكور.

أمّا بالنسبة لصحيفة «الصباح» فقد سجلت هي الأخرى نسبة مرتفعة من جرائم القتل بلغت 34 جريمة، أدين فيها 39 متّهما منهم 20 بالعاصمة،

و 7 بالوطن القبلي، كما تحدّثت صحيفة «الصريح» هي الأخرى عن 27 جريمة قتل، اتهم فيها 28 متّهما منهم 13 بالعاصمة و7 بالوطن القبلي أمّا بالنسبة لأهم خصائص جرائم القتل الواردة بالصحف الثلاث فإنّنا نلاحظ:

أسباب تافهة لجرائم فظيعة

-أوّلا، المواطن التونسي أصبح يرتكب جرائم قتل لأبسط الأشياء مثلما ورد بالعناوين التاليّة: “3 إخوة يقتلون خصمهم ضربا وركلا” بسبب خلاف حول صابة الزيتون (الشروق 3مارس2008)، أو “ملاسنة ساخنة تنتهي بقتيل” (الشروق 6 مارس) أو “رفضته زوجا فطعنها 6 مرّات” (الشروق 9 مارس)، «مصرع شاب حرقته حبيبته السابقة لأنّه قطع علاقته بها” (الشروق 13 مارس)، أو «شقيقان قتلا ابن خالهما وأحرقا جثته من أجل بورطابل و50 دينارا» وأيضا «نهاه عن الكلام البذيء في محضر أسرته فطعنه بسكين” (الصريح 6 مارس) أو «بعد خروجه من الإصلاحيّة بـ10 أيّام قاصر يقتل طالبا بسكّين لأنّه لم يمكّنه من سيجارة أو دينار!»… «قتله بواسطة سكّين لأنّه ربط علاقة مع صديقته القديمة» (الصريح 10 مارس)، “قتل شقيقه بطعنة سكين من أجل قطعة أرض صغيرة!» (الصريح 12 مارس)،… وما تجدر الإشارة إليه هو أن جل الصحف التونسية اليوم تنشر جرائم مشابهة وتقريبا نفس أسلوب صياغة العناوين.

-ثانيا، العديد من جرائم القتل كان ضحيّتها أحد الوالدين، فمثلا تحدّثت “الشروق” الصادرة يوم 9 مارس عن جريمة قتل وقعت بحي ابن سينا “توفي شيخ الثمانين بعد أن صرّح (قبل وفاته) بأن ابنه عنّفه”، وتحدّثت الصريح يوم 22 مارس عن جريمة قتل بشعة وقعت بمنطقة قرمبالية “قتل أمّه التي تسوّلت من أجله!»، كما ورد بصحيفة الشروق الصادرة يوم 16 مارس 11 جريمة قتل ضد الوالدين نذكر منها: في سكرة، «طعن أمّه حتى الموت من أجل المال»، في سليانة، “نحر أمّه لأنّه فشل في الامتحان”، في طبرقة، “غضب منها فقتلها بآلة حادة” (أمّه)، «حرّض أصدقاءه على قتل والده” (من أجل سرقة مبلغ قدره 20 ألف دينار من خزينة المصنع)، في بنزرت، “قتلت والدها لأنّه متصاب”…

-ثالثا، العديد من جرائم القتل كان ضحيتها أطفال أبرياء، ومن هذه العناوين نذكر: في حي الزهور، “عذّب ابنة صديقه حتى الموت”، في دوّار هيشر، “ذبحت ابنة الجارة انتقاما من أمّها”، في الزهروني، “اكتشفت خيانة زوجها فألقت بطفلها في القنال”، في باجة، “أغضبته زوجته فرمى برضيعه على الحائط”، في سليانة، “انتقاما من زوجها أغرقت أطفالها الأربعة في البئر”…

-رابعا، ارتفاع جرائم قتل الزوجات بشكل مثير، واحتلت صدارة جرائم القتل الأسرية بنسبة تفوق 35 %.

جرائم القتل شبح يهدد مختلف دول العالم

كشفت العديد من التقارير الدولية إلى خطورة تفشي وتفاقم جرائم القتل، فقد أكد مثلا التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة “الدراسة العالمية حول القتل” أن جرائم القتل عرفت ارتفاعا منذ أواسط العام 2011، وأشار إلى أن عدد ضحايا جرائم القتل العمد في جميع أنحاء العالم عام 2012بلغ الــ 437 ألف ضحية،وأشار التقرير إلى أن 15 في المائة من جميع حالات القتل ناتجة عن العنف المنزلي.

كما قسمت الدراسة المذكورة الدول إلى فئات بحسب معدل جرائم القتل المسجلة بها، موضحة أن الفئة الأولى من الدول من حيث ارتفاع القدرة الشرائية والنمو الاقتصادي والاجتماعي هي التي تشهد أقل معدلات القتل في العالم، والمتمثلة في غرب أوربا وكندا والصين وأستراليا، وأن متوسط معدل جرائم القتل العالمي تبلغ 6.2 لكل 100 ألف شخص، غير أن جنوب إفريقيا سجلت 30 ضحية لكل 100 ألف، وأمريكا الوسطى سجلت 26 ضحية لكل 100 ألف، واحتلت الجزائر والمغرب مراتب متقدمة عربيا.

جرائم القتل امتداد طبيعي لجرائم العنف

لا يمكن الفصل بين تفشي ظاهرة العنف ببلادنا وبين نمو وتفاقم جرائم القتل، فهذه الأخيرة هي عبارة امتداد طبيعي لعملية استسهال الممارسات العنفية بمختلف أشكالها وفي كل الفضاءات الاجتماعية، فالعنف في مفهومه السوسيولوجي هو سلوك أو فعل اجتماعي يقوم به الفاعل الاجتماعي أثناء تفاعله مع الآخرين أو تجاه نفسه، وتكمن حدة خطورة الظاهرة العنفية عندما تصبح مجرّد سلوك تقليدي لا يثير الاستنفار الاجتماعي بالمفهوم الدوركايمي أو عندما يخرج من دائرة السلوك الاجتماعي الانفعالي ليتحوّل إلى سلوك اجتماعي تقليدي (على حد تعبير ماكس فيبر الذي قسّم الفعل أو السلوك الاجتماعي إلى ثلاثة أنواع هي: السلوك الاجتماعي الانفعالي، والسلوك الاجتماعي التقليدي والسلوك الاجتماعي العقلي(.

أدوات تحليلية لفهم ومعالجة الظاهرة العنفية وجرائم القتل

تعقّد وتشعّب الظاهرة العنفية وجرائم القتل وخاصة جرائم القتل التي يكون فيها الجاني والضحية من نفس الأسرة والدوافع الكامنة وراء سرعة انتشارها وتفاقمها يجعلنا في حاجة ملحة للاستفادة من كل النظريات والمقاربات التي تناولت هذه الظاهرة، وفي هذا الإطار نشير إلى:

نظريّة التحليل النفسي التي انطلقت من تحاليل «فرويد» للغرائز، حيث ترتكز على التسليم بوجود حوافز عدوانيّة فطريّة لدى الفرد، موجه بصورة تدميريّة نحو الذات، ولا تتجه إلى الآخرين إلاّ كظاهرة ثانويّة، وفي هذا الإطار يمكننا اعتبار جرائم القتل التي يكون فيها الجاني والضحية من نفس الأسرة هو شكل من أشكال الاعتداء على الذات. ويعرّف فريد الغريزة بكونها: «قوّة نفسيّة راسخة، تصدر من صميم الكائن العضوي، وتنبع أصلا من حاجات البدن… هذه الحاجات التي تصدر عن التكوين البدني والنفسي للإنسان، تؤدّي به إذا ما ثارت إلى حالة من التوتّر، يدفعه إلى تدبير المواقف التي تهيأ له ما يلتمسه من الإشباع، وتؤدّي إلى التخلّص أو التخفيف من ذلك التوتّر.» فحسب التحليل الفرويدي تنقسم غرائز الإنسان إلى قسمين: غريزة الحياة، المتجسّدة في الغريزة الجنسيّة والهادفة إلى بقاء النوع وغريزة الموت، المتمثّلة في صورة غريزة أو دوافع عدوانيّة موجهة نحو الذات، كما يمكن أن توجّه إلى الآخرين.

النظريّة الإحباطيّة: تفسّر النظريّة الإحباطية ظاهرة العنف والقتل من خلال مقولة الإحباط أي الحالة التي يتعرّض لها الفرد جرّاء فشله في تحقيق هدف ما أو شعوره المسبّق بالفشل وهذا الإحباط يفرضه المحيط الاجتماعي من ناحيتين: أوّلا، عبر الضغوطات والاكراهات والعراقيل التي تحول دون تحقيق الأهداف والرغبات، وخاصة عدم تكافؤ الفرص في النجاح. وثانيا، من خلال المكانة التي يوليها المحيط الاجتماعي للنجاح والفشل وكيفيّة التعامل مع كلا الطرفين.

ومن خلال هذه النظرية يمكن فهم وتحليل ارتباط العنف والقتل بمسألة التهميش الاجتماعي سواء أكان بين الفئات أو بين الجهات والخلل الحاصل في عدم تكافؤ الفرص، إذ ينتج عن الشعور بالإحباط وخاصة مع غياب فرص التنفيس الانفعالي عند حالات التشنج والانفعال التوجه نحو العنف والعدوان والقتل.
تارودانت نيوز.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.