اليوم الأربعاء 15 أغسطس 2018 - 6:13 مساءً
أخبار اليوم
أيها الزوجان.. هذا ما لم يخبركما به أحد عن الزواج            اقليم تارودانت …أزمة عطش غير مسبوقة بأغلبية جماعات الاقليم            عاصفة صحراوية تخرب المعبر الجزائري الموريتاني قبل تدشينه            ما نصيب دوار ” اكرور وشن ” بقيادة الصفاء من المبادرة التنمية البشرية ياحكام الإقليم            هل تم الاستغناء عن خدمات مركز القاضي المقيم بماسة ؟            المندوب السامي للمياه والغابات مطالب بفتح تحقيق عاجل ……            أكادير :جمعية الوحدة الوطنية المغربية تستقبل وزير التقافة بمهرجان الصحراء .            بعدما كانت سبباً في وصوله للحكم بالمغرب..التوحيد والإصلاح تنفصل عن ذراعها السياسي، وقلق حول شعبية العدالة والتنمية            «بلاك بانثر» ثالث فيلم يحقق أعلى أرباح في أميركا.. حصد خلال أشهر 700 مليون دولار!            وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية، تؤكد على ضرورة تمكين النساء من رخص الرضاعة           

العرب والديمقراطية والفضاء العام: بحث في دور «الجزيرة»

أخر تحديث : الجمعة 15 يناير 2016 - 10:49 مساءً
تارودانت نيوز | بتاريخ 15 يناير, 2016

يُقدِّم كتاب «العرب والديمقراطية والفضاء العام في عصر الشاشات المتعددة: بحث في دور الجزيرة»، قراءة تحليلية عميقة لدينامية علاقة الإعلام بالسياسة والتحول الديمقراطي في المجال العربي انطلاقًا من تجربة قناة الجزيرة والدور البارز الذي لعبته في المجال العام منذ انطلاقها في 1996. وتتجسَّد أهمية الكتاب، الذي صدر حديثًا عن مركز الجزيرة للدراسات، في محاولة بناء أُطر نظرية وبلورة حُجج برهانية في مقاربته لتأثيرات الإعلام في الحقل السياسي، خاصة بعد أن اكتسحت المنطقةَ العربيةَحركةُ تغيير واسعة؛ انطلقت من تونس مع ما أصبح يُعرَف بـ «الربيع العربي»؛ حيث لعب الإعلام وما تشهده القرية الكونية من أنماط ترابط غير مسبوقة دورًا رائدًا في موجة التغيير الجارية لتهيئة أرضيتها التواصلية ومواكبة حركتها في ميادين العواصم وفي المدن المترامية.
وهنا، يتجاوز الكتاب لمؤلِّفه عز الدين عبد المولى، الرؤى التقليدية والمناهج؛ التي توسَّل بها بعض علماء السياسة والمختصين في نظريات الديمقراطية ودراسات الشرق الأوسط، لتحليل وفهم ظاهرة ماقد يبدو للكثيرين «ممانعة عربية للتحول الديمقراطي»؛ حيث لم تقدم هذه الرؤى سوى صورة مُجْتزَأة عن العلاقة المعقَّدة التي تربط العرب بالديمقراطية. ويعود قصور تلك المناهج في عمومها، كما يرى المؤلف، إلى منظورها الفوقي الذي تستخدمه نزولا من سطح السياسة ومؤسساتها إلى عمق المجتمع وحركته؛ ولذلك لم يكن مستغربًا أن تكون الإجابة التي تشترك فيها نظريات التحول الديمقراطي، ذات المنشأ الغربي، أن هناك استثناءً عربيًّا.
ويستفيد الكتاب في دراسته لحركة التغيير في العالم العربي والعوامل المؤثرة في مسارها من أطروحة الفضاء العام للفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس، والنقاش الذي واكبها؛ كما يعتمد مقاربة منهجية تنطلق من قراءة التحولات السياسية من قاعدتها الاجتماعية الواسعة بأصواتها المتعددة وخطاباتها المتنوعة ومنابرها التي تعبِّر عنها، صعودًا إلى مؤسسات الحكم ونخبه التي تقود أجهزته وتصنع قراراته؛ وهي الجدلية التي حكمت إلى حدٍّ كبير الصراع من أجل الديمقراطية في المجال العربي؛ باعتبار أن هذا الصراع ليس حركة تقدمية مستمرة، وإنما هو مسار متعرج طويل الأمد ومفتوح النهايات.
هذه الإشكالية كانت محور الفصول الخمسة لهيكل الكتاب؛ حيث سيجد القارئ تركيزًا على قناة الجزيرة باعتبار الدور البارز الذي لعبته في تغيير المشهد الإعلامي في المنطقة، ومن خلال هذا التركيز نفهم الآليات التي يعتمدها الإعلام، والإعلام الجديد تحديدًا، في إعادة تشكيل فضاءات التواصل العام، ونتعرف على الكيفية التي تعيد بها تلك الفضاءات الناشئة صياغة علاقة المواطنين بأنظمتهم السياسية وتمكينهم من التأثير في علاقات القوة التي تحكم أوضاعهم.
لقد قدَّمت الجزيرة، في نظر الدكتور عزِّ الدين عبد المولى، نموذجًا إعلاميًّا يسعى إلى تيسير الوصول إلى المعلومة، وفتح المنابر العامة للتعبير الحرِّ ومناقشة القضايا التي تهم الناس دون تمييز. ولا شك أن ذلك النموذج، الذي وجد صداه في بعض وسائل الإعلام العربية الأخرى، قد كان له أثره في تطوير الخطاب السياسي العربي حول الديمقراطية سواء من قبل أنصارها أو من قبل أعدائها؛ فقد نجحت الجزيرة منذ أيامها الأولى في خلق بيئة صحافية جديدة مختلفة جذريًّا عن النمط الذي كان سائدًا؛ بيئة تعددية يتقاطع في فضائها باستمرار، سواء في نشراتها الإخبارية أو في برامجها الحوارية، مختلفُ الآراء والخطابات الرسمية وغير الرسمية، الحكومية والمعارضة. ومن خلال تفاعل تلك الخطابات واتفاقها واختلافها تخلَّقت دينامية جديدة في المنطقة وتَشكَّل وعي سياسي متسلِّح بالمعلومة وبالقدرة المتزايدة على تحدي السلطة وسياساتها ورواياتها.
على هذا الأساس، يناقش الكتاب في الفصل الأول نظريات التغيير الديمقراطي السائدة ويحلِّل أطرها النظرية وقدرتها على التطبيق الكوني ويقف على قصورها النظري والمنهجي حين يتعلق الأمر بالمنطقة العربية. فقد تبيَّن للباحث من خلال تقليب هذه النظريات على أكثر من وجه، أن أطرها النظرية التي وقع تطبيقها في شكل دراسات مقارنة على مدى العقود الماضية شملت أغلب أنحاء العالم، ولكنها لم تأخذ بعين الاعتبار حركة التغيير في المنطقة العربية؛ فظل «العرب والديمقراطية» خارج سياق البحث العلمي واكتفت الدراسات القليلة التي أشارت إليهم بوضعهم في خانة «الاستثناء». كما يتناول هذا الفصل نظريات التغيير الديمقراطي من زاوية نقدية ويحاول أن يُطوِّر مقاربة بديلة لا تكتفي بالنظر إلى المسألة من منظور الفلسفة الليبرالية وأنساقها وبِناها الفوقية وأيديولوجياتها ونخبها القائدة، وإنما تتعداها لتُلامس العمق الاجتماعي بقواه المختلفة وأصواته المتعددة.
ويبحث الفصل الثاني في علاقة الإعلام بالسياسة مُتَّخِذًا من شبكة الجزيرة نموذجًا للدراسة؛ فخلافًا لما نعرفه في نظريات الإعلام من علاقة نسَقية شبه عضوية بين طبائع النظم السياسية وأنماط المنظومات الإعلامية، شكَّلت تجربة الجزيرة ظاهرة خارجة عن المألوف؛ فالأدبيات التي نظَّرت للعلاقة بين السياسة والإعلام تذهب في عمومها إلى القول بأننا لا يمكن أن نفهم وظيفة المؤسسة الإعلامية ودورها في المجتمع دون الرجوع إلى طبيعة النظام السياسي الذي نشأت فيه وتعمل ضمنه. فإذا كان النظام السياسي استبداديًّا مطلقًا كان الإعلام أداة طيعة للدعاية الفجَّة. وإذا كان النظام السياسي ديمقراطيًّا ليبراليًّا كان الإعلام حرًّا تعدديًّا يمارس دوره باستقلال عن القرار السياسي. ظاهرة الجزيرة خرجت عن هذا النموذج ومثَّلت تحديًا لهذا التصنيف التقليدي، فهي لم تنشأ في سياق ديمقراطي ليبرالي ولكنها لم تكن قناة الرأي الواحد والصوت الواحد والأيديولوجيا الواحدة.
ونظرًا لأهمية الفضاء العام في العملية الديمقراطية سواء في المراحل الانتقالية أو في مراحل ترسيخ النظم الديمقراطية؛ فقد خصَّص له الباحث فصلين اثنين. يتناول الفصل الثالث مفهوم الفضاء العام ويعرض لتكوينه التاريخي وأبعاده الاجتماعية والسياسية كما وردت في أطروحة هابرماس الأساسية، ثم يناقش تلك الأطروحة مستفيدًا من نُقَّاد هابرماس ومن ردوده عليهم ومراجعاته الأخيرة. من خلال مناقشة هذا المفهوم يستنتج المؤلف أن الفضاء العام هو في الحقيقة «فضاءات عامة» بصيغة الجمع، وأن خصوصية نشأته ضمن مجتمعات أوروبا في حقبتها البورجوازية لم تمنع من وجود فضاءات عامة خارج السردية الهابرماسية. كما تبيَّن أن الفضاء العام الهابرماسي لا يعدو كونه نموذجًا مثاليًّا وقع تجريده من واقع تجربة تاريخية معينة يصعب تعميمها؛ فهناك فضاءات عامة نسوية وفضاءات عامة شبابية وفضاءات عامة للملوَّنين وفضاءات عامة للطبقات العمالية إلى غير ذلك. فوجود الفضاء العام في أماكن غير أوروبية وأزمنة غير بورجوازية، وإن اختلفت أسماؤه واختلف مرتادوه واختلفت أساليب تداولهم، يفتح الباب أمام إمكانية الحديث عن الفضاء العام في السياق العربي.
يستكمل الفصل الرابع النقاش النظري حول مفهوم الفضاء العام ويحاول تبيئته في المجال العربي من خلال إعطائه بُعدًا تطبيقيًّا؛ فالتطورات المتلاحقة التي شهدتها ساحة الإعلام العربي منذ إطلاق قناة الجزيرة في منتصف التسعينات وما لحق بها من قنوات فضائية أخرى، وفَّرت للمواطن/ المشاهد العربي مساحات حرَّة للتعبير والحوار والتواصل المباشر لم يكن يتمتع بها من قبل. وقد أضافت شبكات التواصل الاجتماعي التي تمارس الإعلام وفق قواعد غير تقليدية، أبعادًا جديدة للفضاء العام الناشئ ومنحته خصائصه المميزة، وأبرزها كونه فضاءً حرًّا عقلانيًّا ونقديًّا، فضاء تواصليًّا، فضاء تلعب فيه اللغة دورًا محوريًّا، فضاء متعددًا، فضاء عابرًا للحدود، فضاء داعمًا للتغيير الديمقراطي. هذه الخصائص، وإن بدت متنوعة، إلا أنها تدور في مجملها على مدار العلاقة بين الإعلام والديمقراطية؛ فتحرير الإعلام شرط أساسي لتحرير المجتمع وتهيئة الطريق نحو التغيير الديمقراطي، وهو ما يبحثه الفصل الخامس والأخير من هذا الكتاب.
يتعقَّب هذا الفصل أثر الجزيرة في بيئتها العربية ليقف على ما أحدثته من تغييرات في ساحة الإعلام أولا ثم في المجال السياسي تاليًا؛ فقد أثبتت الدراسات أن التغيير في الحقل الإعلامي، خاصة في عصر القنوات الفضائية، يدفع إلى تغييرات على مستوى القرار السياسي. وقد تبلور ذلك التأثير فيما أصبح يُعرف بـ «أثر سي إن إن»، والذي يعبِّر، حسب ستيفن ليفنغستون، الذي ارتبطت باسمه هذه العبارة، عن «افتقاد السياسيين القدرة على التحكم في السياسات بسبب قوة الإعلام». وبالتطبيق على الجزيرة، نجد أن هذه القناة دفعت بمقولة: «أثر سي إن إن» أشواطًا أبعد. ساعدها على ذلك التطورُ الهائلُ والمتسارع في المنظومات التواصلية وتكنولوجيات المعلومات.
ويخلص الكتاب إلى أن العلاقة بين حقلي الإعلام والسياسة شهدت تحولات نوعية أخرجتها من الصيغة التقليدية للعلاقة النسقية بين النظام السياسي ومنظومة الإعلام إلى نموذج تفاعلي يحكمه قانون التأثير والتأثر. وإذا كانت قناة الجزيرة العلامة الأبرز في التحوُّل الذي شهده الإعلام العربي في العشريتين الماضيتين، فإن الربيع العربي، الذي لا تزال تفاعلاته مستمرة، يمثِّل أهم التغيرات السياسية منذ عقود. ويرى المؤلِّف أن حركة التغيير التي عرفها المجال العربي تكشف عن ارتباط وثيق بين السياسة والإعلام، فقد كانت الأحداث على الأرض وعلى شاشات التليفزيون تجري بشكل متزامن وكان التفاعل بين المجالين (السياسة والإعلام) فوريًّا.القدس العربي
باحث مغربي
محمد الراجي

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.