اليوم الإثنين 22 أكتوبر 2018 - 1:15 صباحًا
أخبار اليوم
تعزية ..والد الأخ ابراهيم بوهالي في ذمة الله            ”جرعة جرأة ” لمحمد شاكر تستمر في حصد ملايين المشاهدات            الكلية المتعددة التخصصات بتارودانت تحتضن المؤتمر الدولي الأول للبيوتيكنولوجيا الخضراء :1 الى 3 نونبر 2018            الأمانة العامة لحزب الزيتونة تعبير عن ارتياحها للأجواء الإيجابية في لقائها التنسيقي الأول بالكتابة الوطنية لشبيبة الحزب            مؤسسة بسمة تنظم ملتقيين وطنيين للشبكات الاجتماعية الجهوية والجمعيات الاجتماعية والتنموية العاملة في المجال القروي            تنصيب الأستاد محمد فلوس مندوبا اقليميا للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية بإقليم تارودانت .            “انت مين” اغنية جديدة لـ ريهام فايق            المنظمة المغربية للاغاثة والانقاذ بسيدي موسى الحمري تنظم دورات تكوينية في الإسعافات الأولية            سلطات مدينة تارودانت تسابق الزمن لجرد وتوثيق المآثر التاريخية للمدينة بالصورة والفيديو !!            اختتام فعاليات النسخة الثانية للمعرض الجهوي للمنتجات المجالية لجهة درعة-تافيلالت           

 

 

أضيف في : الأحد 14 فبراير 2016 - 1:28 صباحًا

 

على خطى عبدالرحمن الكواكبي

على خطى عبدالرحمن الكواكبي
بتاريخ 14 فبراير, 2016

خطر الاستبداد لا يقف على حاضر الأمّة فحسب، فهو يتعداه عند عبدالرحمن الكواكبي لينال من مستقبلها عندما يميت فيها إرادة الرقيّ والتقدم.

عبدالرحمن الكواكبي في لقطة فوتوغرافية له بحلب قبل لجوئه إلى مصر
“وأخيرًا!” هذا ما يمكننا قوله بالإصدار الأول باللغة الفرنسيّة لهذه الوثيقة المرجعية حول تجديد الفكر العربي والإسلامي. ولو أنها خطوة متأخرة، ولكنها تقع في اللحظة المناسبة لتسليط الضوء على النقاشات التي تهزّ أحداثنا اليومية الملتهبة.
الكتابة عن علمٍ من أعلام الفكر النهضوي مهمة صعبة بالمطلق. وأن ينبري حفيد عبدالرحمن الكواكبي إلى تقديم هذه الوثيقة التاريخية والتي تنشر لأول مرة باللغة الفرنسيّة، يضع على كاهله مسؤولية ذات بعدين، علمي وعاطفي. وعلاقتي مع الجد الأكبر، تمتد إلى سنوات الطفولة. حيث قرأت مقتطفات مما كتب بصعوبة مترافقة مع الفخر الذي يكتنف الصغار، والتفاخر الذي يبرزونه أمام رفقائهم. حتى أنني، وفي إطار الفانتازيا الطفولية، بدأت أعيش مع شخصية روائية بامتياز كثيرًا من المغامرات السياسية بقدر وعي المرحلة.

مع انتقالي إلى مرحلة الشباب والدراسة والجامعة، أصبحت أُسأل من قبل كل من يقابلني لأول مرة عن صلتي بالكواكبي الكبير، ناعتًا إياه بصفات تعظيمية متنوعة وأحيانًا متناقضة. وقد كان هذا، كما في الطفولة، مدعى فخر واعتزاز في مرحلة، وأضحى عبئًا ثقيلًا عندما أنهيت دراستي وبدأت في إلقاء المحاضرات والكتابة والمشاركة في الندوات. والسبب يكمن في أن سقف التوقعات من أدائي كان عاليًا والوصول إليه كان متعبًا. إضافة، فقد كان النظر أحيانًا إلى ما أقول وأكتب مرتبطًا بهذه القرابة أكثر من شيء آخر لفترة. وبقدر ما يكون هذا مبعثًا للنشوة، إلا أنه أيضًا سبب للضيق، خصوصًا عندما أُحاسب على عدم مواءمة ما أطرح بما طرحه الكواكبي منذ نيف ومائة عام. وكأنني الناطق الرسمي المعتمد، ولا يحق لي بأن أختلف في أيٍّ مما قاله.

فيما بعد، انتقل معي الكواكبي في أسفاري وفي دراساتي وفي أحلام اليقظة والمنام. فكم من مرة ظهر لي مرتديًا عباءة الشيخ وحدثني بعمقٍ علمانيٍ مفاجئ. وكم مرة، اصطحبت هذا الكتاب الذي ستقرؤون في حلّي وفي ترحالي كي أحظى بدقائق “تأمّل” قبل الخلود إلى النوم.

في حقبة ربيع دمشق الموؤود بداية الألفية الثانية، قام بعض المثقفين في حلب بتأسيس “منتدى الكواكبي للحوار الديمقراطي” والذي سرعان ما تمّ منعه وإغلاقه في إطار عقلية إقصائية وتسلطية تحرم المجتمع من أيّ فسحة حوار أو تعبير عن الرأي في دولة أمضت عقودًا خمسة في ظل مصادرة المجال العام، وفي جو من التصحّر والتصحير الثقافي والفكري راعيًا الظلامية والفساد بامتياز.

وفي سنة 2002، شاركت في تنظيم ندوة فكرية مع الصديق ماهر الشريف حول “مآلات الفكر النهضوي في تيار الإصلاح الديني”، وذلك بمناسبة مرور مئة عام على وفاة الكواكبي. وهاجمني حينذاك، وبتحريضٍ من السلطات، رجال دين رسميون -يسميهم الكواكبي بالمتعممين- معتبرين أنني، وبالحرف، قد جمعت الشيوعيين والملحدين والعلمانيين والماسونيين وعملاء الإمبريالية للتحريض على الإسلام.

فهمت بشدة، بأن الحديث عن التنوير في ظل الظلامية الدينية المبرمجة من قبل السلطات التي تدّعي العلمانية هو خطيئة لا تغتفر. ومنذ ذاك الوقت، بدا أن هذا الإرث الوطني أصبح مصدر قلق للمستبد الحديث. وعلى الرغم من إيراده في الكتب المدرسية كمفكر سوري يُفتخر به، إلا أن تدريسه اقتصر على سرديات لا تغني ولا تسمن. وقامت الندوات الفولكلورية للحديث عن أعماله بعيدًا عن كتابه الأهم والأبرز “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”.

على الرغم من إيراده في الكتب المدرسية كمفكر سوري يفتخر به، إلا أن تدريسه اقتصر على سرديات لا تغني ولا تسمن. وقامت الندوات الفولكلورية للحديث عن أعماله بعيدا عن كتابه الأهم والأبرز (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)
تمر عدة بلدان عربية هذه الأيام بموجات من التحركات الاحتجاجية والمسارات الثورية والتي تعكس انفجار غضب متراكم لفئات عديدة من شعوبها على الحالة الاقتصادية والسياسية التي أوصلتها إليها القيادات السياسية والسلطات الحاكمة منذ عقود. وإن تنوعت أسباب وأشكال الاحتجاجات وأساليب التعبير عنها، إلا أنها تعبّر بشكل صريح، عن وصول الفئات الشعبية إلى مرحلة انتصرت فيها على ثقافة الخوف الكامنة في مشاعرها وممارساتها عبر الزمن وانتقلت إلى المطالبة بالحرية بشكل أكثر وعيًا وأعمق تأصيلًا. ولقد بيّنت الأحداث الأخيرة التي جرت عن تطور الوعي الجمعي إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مع القيام بإجراء الربط الصحيح مع العامل السياسي وخصوصًا، عامل القهر والقمع الذي يمس الحريات الأساسية. وحيث تعتبر حرية التعبير في البلدان العربية في مقدمة ضحايا النظم السياسية المختلفة ويمكن اعتبارها القاسم المشترك الذي يُميّز طبيعة السلطات الحاكمة في مجمل الدول العربية بنسب متفاوتة. والعلاقة مع حرية التعبير في ميراث الثقافة العربية تتجاوز الطبيعة التسلطية للنظم السياسية لتكوّن جزءًا هامًا من بنية المجتمعات التي تحكمها هذه النظم، وذلك بالاستناد إلى إرث ثقافي وديني واجتماعي متراكم ومعقّد. ويبدو إذن أن الأمر هو أشد تعقيدًا من مجرّد كونه علاقة حاكم بمحكوم أو حزب شمولي بإرادة جماهيرية مقيّدة كما كانت عليه الحال في دول المعسكر الشيوعي أو حتى في أميركا اللاتينية. انطلاقًا من هذا المنطق، تتبدّى المسألة أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما يؤسس لقيود على التعبير تتجاوز السياسي ولتمنحه “شرعية” ما من خلال تبني بعض المفاهيم الثقافية والدينية لبعض أبعاد القمع المرتبط بحرية التعبير.

لقد حاول التنويري السوري عبدالرحمن الكواكبي أن يتبصّر قواعد الاستبداد القامع للحريات بالمجمل ولحرية التعبير بالأخص. وما زالت اليوم صرخته المتألمة تتردد حاملة معها الكثير من الخيبة والأسف على سرعة دوران عجلة الزمن إلى الأمام، وتقهقر عجلة الحريات إلى الخلف. وهو الذي كان قد تمنى قبل وفاته، أن ينساه الناس، وينسوا ما كتبه ودعا إليه، بعد مرور بعض من الوقت، لاقتناعه بأن صيرورة التطور البشري ستغير أساليبها السياسية والفكرية نحو الأفضل ويتم بالتالي تجاوز الاستبداد بمختلف أشكاله والانتقال إلى نوع متطور من ممارسة الحياة العامة القائمة على ما أسماه بالديمقراطية الدستورية التي تحكم مختلف أوجه الحياة وتدفع بالمجتمعات إلى تطوير علمها ومعارفها ومكتسباتها وتشكل الأساس للخروج من دائرة الانحطاط التي يحاول المستبد أن يحافظ على هيمنتها. ولم يرد في ذهن الكواكبي أن الاستبداد سيتمكن، وبعد عقود عديدة، من تطوير أدواته وأن يعيد إنتاج ذاته على نحو أكثر صلابة ودموية، بحيث يتم استلهام آخر الابتكارات التقنية لزيادة الرقابة على المجتمعات والحدّ من تطلعاتها إلى حياة أفضل وتعبير أقل تقييدًا ويمارس الفتك بها إن هي عبّرت عن الرغبة السلمية بالتحرر.

بالطبع فإن استقراء أحوال الشعوب القاطنة في هذه المنطقة الجغرافية ليس ناجما عن السحر أو التبصّر، خصوصًا إن كان قد أتى به رجل متنور كان أبعد ما يكون في فكره وعمله عن السحر والإيمان بالمعجزات. بالمقابل، فإننا ما زلنا حتى اليوم نعيش في ظروف مماثلة، بل وأشد عنفًا في ترجمة الاستبداد إلى أعمال قتل وترويع وتهجير كالتي تعيشها سوريا منذ مارس 2011. فالاستبداد وإن تطورت أدواته، فلتساعده لكي ينشط وينمو في ربوع العديد من الدول والمجتمعات. والظلامية في بعضٍ من الفكر والممارسة الدينية ما زالت تمارس ضغطًا على الإبداع والفكر والتعبير.

مفكر تنويري عربي بالفرنسية
إن استعادة النصوص التي أنتجها تكاد تجعل تاريخ ومكان الكتابة مجال التباس للقارئ وحتى المسؤول. فلقد أطاح نشر مقتطفات من كتاباته برئيس تحرير مجلة أدبية في دمشق في نهاية سبعينات القرن الماضي ظنًّا من السلطات الأمنية السورية بأن الكاتب والنص معاصران أو بأن نشر النص في مرحلة سياسية حساسة يُقصد به التحريض ضد الاستبداد المتجدد. وبالتالي، فكتابات الكواكبي كانت تشكل دائمًا خطرًا وتهديدًا لاستقرار الأنظمة المتسلطة على امتداد القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

أغلب الأدبيات الغربية في مجال العلوم الاجتماعية تُجمع على منح فكر عصر الأنوار الأوروبي دورًا أساسيًا في تكوين مفهوم حقوق الإنسان لدى النخب العربية والمسلمة. وباستثناء قلة، فإن الباحثين في الغرب يفسّرون ظاهرة تكوّن الوعي بحقوق الإنسان عبر دخول الأفكار التقدمية الأوروبية المترجمة. هذا الوضع دفع الناشطين في الحقل الحقوقي في العقود الأخيرة للبحث عن مرجعية فكرية عربية وإسلامية للمفاهيم الكونية والتي تأتي حقوق الإنسان على رأس قائمتها. وقد حفّز هذا على القيام بإبراز مفكرين كالكواكبي للإجابة على السؤال الآتي: هل حقوق الإنسان والديمقراطية هي أجسام غريبة جرت زراعتها في الشرق، أم أنها ظواهر ذات صدى كوني وهي متواجدة في الإطار الحضاري للمنطقة أيضًا؟

بين أيديكم، كتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وهو يستند إلى مجموعة من المقالات التي نشرت بين سنتي 1900 و 1902 ثم وسّع الكواكبي تلك الأبحاث ونشرها في كتاب.

لقد تفرد الكواكبي بين مفكري عصر النهضة، وروّاد الإصلاح الديني بتكريس جهوده الفكرية والعملية لتنبيه قومه على مخاطر الاستبداد وضرورة الحياة الدستورية الديمقراطية باعتبار أن ذلك هو المدخل الوحيد للخروج من دائرة الانحطاط. وفي هذا الإطار، كان كتابه “طبائع الاستبداد” أول مؤلف في اللغة العربية يكرّسه صاحبه لتشريح آليات الاستبداد ومفاعيله الفتاكة بالبنية الاجتماعية. لقد جمع فيه الكواكبي بين لغة الخطابة التحريضية شديدة التأثير، كنداء للعمل، ودعوة للنضال ضد الاستبداد من جهة، ومن جهة أخرى، اللغة التحليلية العميقة التي تحاول أن تحيط بمجمل آليات الدولة الاستبدادية، وكأنه أراد به أن يؤسس لنظرية “الدولة التسلطية” فضلًا عمّا ضمّنه من تشخيص لبعض السلوكات الاجتماعية المرافقة للاستبداد، ينتسب موضوعها إلى علم النفس الاجتماعي. ولقد غيّبت “الكتابات التقدمية” هذا الجانب من فكر الكواكبي، لحساب نقده للاجتماع السياسي العثماني، وللرابطة العثمانية وما طرحه من إرهاصات لـ”الفكرة العربية”، فحصرت نقده للاستبداد بالاستبداد “الحميدي” فحسب، متناسية أن الكواكبي تناول الاستبداد بما هو استبداد.

يقتصر الكتاب إذن على موضوع واحد، هو الاستبداد، حين استقر فكره كما يُعلمنا، “بعد بحث ثلاثين عامًا” على أن أصل هذا الداء (الانحطاط) هو الاستبداد السياسي وعلاجه يتم بدفعه بالشورى الدستورية.

لا يتجلى الاستبداد على الصعيد السياسي فحسب، إذ تتحكم آلياته في جملة الظواهر الاجتماعية، وتصوغها بطريقة مشوهة، تساعد المستبد على تشريع استبداده، وأول ضحايا الاستبداد، هو الدين، بعد أن خرّب في الفرد صدقه مع نفسه، وحوّله مرائيًا. والانحراف السياسي يقود إلى الانحراف الديني وتحفيز إنتاج البدع التي شوّشت الإيمان وشوّهت الأديان. فالاستبداد مفسد للدين في أهم قسميه، أي الأخلاق، أما العبادات منه فلا يمسّها لأنها تلائمه في الأكثر. لهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة، صارت عادات لا تفيد في تحسين أمور الناس ولا ممارساتهم ولا في علاقاتهم مع السلطة المستبدة، بل على العكس، تدعوهم إلى الإطاعة والخنوع. ونرى في أيامنا هذه، بأن المستبدّين من علمانيين أو إسلاميين في المنطقة العربية، يلجأون إلى تشجيع جانب العبادات وأكثر جوانبها ظلامية، لدرء الناس عن التفكير في الشق الثاني والمحفّز على الثورة على الاستبداد وهو الأخلاق.

شدد الكواكبي في مجمل كتاباته على حاجة الإسلام إلى التجديد وإزالة الزيادات الباطلة. فالدين كما يراه ليس رديفًا للاستبداد ولا عونًا له. وبدفاعه عن الإسلام يبتعد عن الانفعال وعن التصدي الإقصائي للرأي الآخر، الشيء الذي نفتقده ونسعى إليه اليوم. حتى أنه يبرر لمنتقدي الدين مواقفهم معتبرًا حديثهم عن دين ليس من الإسلام في شيء. فهو يرى إذن بأن ما يدين به أكثر المسلمين هو دين تشويش وتشديد يقوده رجال أسماهم بالمتعممين يضلّلون المسلم بتفاسير واستعارات أسطورية وخرافية لا أصل لها في دين الإسلام ولا في غيره من الأديان التي اعتمدت الحكمة والعقل. وفي سياق دعوته الإصلاحية، اعتبر الكواكبي بأنّ ممارسة الانتقاد في مجال الاعتقاد الديني هو مهمّة صعبة مطروحة أمام العلماء، وذلك لأن هذا النوع من العمل الفكري هو شديد التأثير على من أضاعوا البوصلة لأنّ الآراء الدينية تعتمد غالبًا على الوراثة والتقليد دون الاستدلال والتّحقيق والتحليل، فهي تستند إلى “التعاند دون التقانع″. وممّا يزيد من صعوبة هذه المهمة، في رأيه، أنّ المصلح يتهيّب التصريح بما يفكر به لغلبة الجهل على الناس.

الكواكبي شدّد في مجمل كتاباته على حاجة الإسلام إلى التجديد وإزالة الزيادات الباطلة. فالدين كما يراه ليس رديفًا للاستبداد ولا عونًا له
لا يقف خطر الاستبداد على حاضر الأمّة فحسب، فهو يتعداه عند الكواكبي لينال من مستقبلها عندما يميت فيها إرادة الرقيّ والتقدم. وهو الذي لا يزال الإنسان يسعى وراءه ما لم يعترضه مانع غالب يسلب إرادته، وهذا المانع إمّا هو العجز الطبيعي، أو هو الاستبداد، على أنّ العجز الطبيعي قد يصادر مسار الترقّي لوهلة ثم يطلقه، أما الاستبداد فإنه يقلب السير من الترقّي إلى الانحطاط، من التقدم إلى التأخّر، من النماء إلى الفناء.

إن الاستبداد بالنسبة إلى الكواكبي يمكن أن يتجسّد في صور مختلفة وحتى في ظل أنظمة تتبنّى الشكل الديمقراطي التعددي ما دامت بعيدة عن المحاسبة والمساءلة. وهو يعتبر بأن صفة الاستبداد، يمكن أن تشمل أيضًا الحاكم المنتخب. وأحيانًا، يُعتبر الاشتراك في الرأي ليس شرطًا لازمًا للحماية من الاستبداد، وإنَّما قد يعدّل الاختلاف نوعًا ما من درجة الاستبداد.

وقد يكون الاختلاف عند الاتّفاق على الاستبداد أضرّ من استبداد الفرد، ولنا في بعض التجارب الحديثة الأوروبية خير مثال على هذا التحليل. ويذهب الكواكبي بعيدًا عندما يقول بأن الاستبداد قد يشمل أيضًا الحكومة الدّستورية التي تفصل بين السلطات إن ضعفت المراقبة التشريعية والمجتمعية. وهناك تدرّج في الاستبداد بالطبع، وبأن أسوأ تعبير عنه هو من خلال حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. وكلّما ضعفت إحدى هذه الصفات، اعتدل الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب المؤقت المسؤول والمُسائل.
وفي إطار تعزيز وتدعيم أسس هذه الدولة المدنية الحديثة المنشودة، وجد الكواكبي إذن بأنه لا مفر من فصل السلطات داخل جهاز الدولة لتجنب أن تتحول السلطات إذا اجتمعت إلى مصدر استبداد وظلم. وفي هذا الطّرح يتبين موقفه من تطوير أساليب العمل السياسي ويعبر من خلاله عن وعي عميق لمفهوم الديمقراطية وحتمية التحول إلى النظام البرلماني الحر. وتعتبر “جمعية أمّ القرى” التي تخيلها ترجمة واضحة لرغبته بوجود مؤسسات يتبادل ضمنها أهل العلم الآراء ويعملون على الاجتهاد والتفسير بأسلوب جماعي منتج ومنظم يوضح أهمية المؤسسة في نهوض الأمة.

إن الحكومات الشمولية المستبدة تدرك تمام الإدراك أن قدرتها على السيطرة على مجتمعاتها بحاجة إلى عوامل موضوعية تتمثل أساسًا في حالة يكون فيها الناس الخاضعين لسلطتها في حالة من الجهل والتجهيل. وبالتالي، فألدّ أعداء المستبد هم العاملون في العلوم وليس كلها بالنسبة إلى الكواكبي، فالمستبد لا يخشى العلوم اللغوية، أو الدينية المتعلقة باستعادة النصوص وتكرارها وتلقينها. المستبد يخشى، حقيقةً، من العلوم الإنسانية التي تستمر مهمشة حتى يومنا هذا في كل الفضاءات العربية والإسلامية.

وهو يمارس قمعه وتهميشه على الناشطين في هذا الحقل وخصوصًا المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة في علوم أوردها كالتالي: الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية. وقد اعتبرها علومًا تبني النفوس وتمنح العقول القدرة على التحليل والاستنباط. وأهم من ذلك كله، فالعلوم الإنسانية بالنسبة إلى الكواكبي تشرح للإنسان ما هي حقوقه وتوضّح له مستوى انتهاكاتها من قبل الاستبداد السياسي أو الديني أو الاقتصادي، وتدلّه على أفضل الطرق لكي يطالب بهذه الحقوق، وتضع له مسار التحصّل عليها، وأخيرًا، فإنّها تحدد له أفضل الوسائل للحفاظ على هذه الحقوق.
إنها لوحة شاملة عن الاجتماع السياسي الاستبدادي، الذي ما زال يحكم حياتنا العربية الراهنة، وهو ما يجعل الكواكبي معاصرًا لنا، قدر تلهّفنا للديمقراطية، فهو لا يخاطب عقولنا، ليكشف لنا مخاطر الاستبداد، إلا ليحرّك ضمائرنا ليدفعنا دفعًا لمقاومته.

العرب- سلام الكواكبي
كاتب من سوريا

النص المنشور ترجمة لمقدمة الطبعة الفرنسية
ينشر بالاتفاق مع مجلة “الجديد” الشهرية الثقافية اللندنية

تارودانت نيوز

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.