اليوم السبت 17 نوفمبر 2018 - 1:17 صباحًا

 

 

أضيف في : الخميس 25 فبراير 2016 - 9:31 صباحًا

 

حديث مع الصورة:الطائفة اليهودية انتربولوجية رودانية

حديث مع الصورة:الطائفة اليهودية انتربولوجية رودانية
بتاريخ 25 فبراير, 2016

لازال بشق من مدينة تارودانت فوق ساقية تفلاكت فدان كان يسمى جنان سيسو على أرضه شيدت مدرسة باب الخميس، وخارج السور بالمحايطة جوار مدرسة بونوني جنان آخر في اسم وملكية نفس اليهودي الروداني، للاشارة أن كافة يهود تارودانت لما قرروا الهجرة الى الخارج سنة 1967 نحو فرنسا ومن بعدها كندا ودول أخرى كمرحلة أولى ريثما يتقرر بلد الاستقرار النهائي أو الهجرة ثانية نحو فلسطين ، قلة منهم من اتخذوا القرار الأخير، حسب ما ذكره لي سابقا آخر يهودي روداني هو سيسو زفراني الذي سلموه توكيلا قانونيا لبيع ممتلكاتهم، بينما هو يحبذ عقد تفويض لارداة تلك العقارات الفلاحية و بيع السكنية منها المتواجدة بحي سكناهم المسمى بالملاح.

وقد حكى لي هذا الحاج أحمد – ج، أحد الرودانيين الذين عرض عليهم زفراني عبر وسيط، عقارات ب ” درب جديد” قبل سنة 1969 بمبلغ 14 سنتيم أي كما نقول اليوم “سبعة دريال” للمتر مربع، ورفض معللا كلامه لي بقوله : أن يد المسلم التي ستدخل الجيب لتعطي لليهودي المال وينقله الى اسرائيل، النار أولى بها؛ نحن الآن بصدد الحديث عن فترة زمنية اصطلح عليها في الاعلام العربي مرحلة الصراع العربي الاسرائيلي وحرب 67 التي خلفت احتلال صحراء سيناء المصرية وقطاع غزة والضفة
الغربيةالفلسطينيتين وهضبة الجولان السورية.

هذه الممتلكات العقارية الفلاحية – هي الآن دور سكنية- مبدئها قبالة مدخل سوق جنان جامع قرب سينما صحراء الى عمق حي الملاح حيث الدور السكنية، أثناء عملية البناء تمت توسعة مقطع الطريق كشطر ثاني وسمي المكان “درب جديد” أما الشطر الأول بدايته من طريق الحدادة الى مدخل السوق حاليا، تهيئته قام بها بعض الوطنيين وعلماء جامع بن يوسف الذين نفتهم سلطة الاحتلال بتزكية الباشا الكلاوي الى سجن القصبة بتارودانت سنة 1937.
image
اشتغل الميسورون من يهود تارودانت بالفلاحة وتربية المواشي، وهو النشاط الرئيسي كمورد عيش على غرار المسلمين، بمجرد لمح اليهودي الروداني لا تخفى معالم شخصيته من خلال قاموس كلامه أولا، لا وجود فيه لحرف السين التي تتحول إلى الشين، فكلمة سيدي تصبح شيدي، ثم لحيته، وأثناء الحديث يرسل الكلام بصوت خافت كأنه يبوح بسر في أذن المستمع.
يقول الفقير محمد الشرادي، على مر الزمن الى يومنا عرف عن اليهود الميسورين حنكتهم في التدبير الاستثماري أكان تجارة أم فلاحة ، كان أحدهم يؤجر الأرض والماشية للمسلمين، يشتري الأبقار والأغنام والجمال ويؤجرها لغيره، هذا بالنسبة لمن يمتهن الاستثمار الفلاحي خارج المدينة، أما داخلها فأشهر ما عرف عن أغنيائهم هو تجارة الأثواب بفندق الكتان المسمى اليوم فندق التيوتي، الذي انتهت أشغال بنائه بآجور الفخار سنة 1936 حسب ما هو مدون فوق قوس مدخله من جهة فناء الرحبة القديمة، داخل هذا الفندق كان اليهود يحتكرون تجارة الكتان دون غيرهم ، أكان خرقة أم مخيطا ، وقد كان أحد الجبليين الشلوح يعمل مساعد تاجر عند يهودي بائع أثواب، وصار الجبلي على نفس التجارة بعد رحيل يهود تارودانت سنة 67، حيث اشترى محلا بالقيسارية المقابلة التي تسمى اليوم قيسارية الخياطة، كانت في ملكية الحاج العربي وشقيقه الحاج حماد خاي، الأخوان من المسلمين الميسورين المعدودين على أصابع اليد الواحدة بتارودانت زمن الباشا الجامعي 1946الى 1953 ، بعض متاجر هذه القيسارية اشترها آل خاي من اليهود الرودانيين بعقد عدلي شرعي اسلامي، أما متاجر فندق الكتان فقد اشتراها الجبليون المسلمون الذين عملوا مساعدين في التجارة لدى اليهود قبل 1967.
image
من بين ممارسات الذكاء/الدهاء التجاري التي تمرس عليها أحدهم خلال احتكاكه بيهود فندق الكتان ، لما يتعلق الأمر بنفس الكتان مع اختلاف اللون والخطوط، يعرض الجيد منه بمدخل المتجر والرخيص يوضع بالداخل خلف اللفافات، لأن شطارة المشتري تجر قدماهه إلى عمق المتجر مكان الجودة عند ظنه، لما توفي الجبلي مساعد اليهودي في السبعينات، خلف ورائه رقم سيولة بنكية، وكان بين من سمع أنهم “قفلوا” 100 مليون سنتيم وقتئذ بتارودانت ما يعادل المليار سنيتم حاليا ، للأسف صدق عليه القول :” كدّ التاعس من سعد الناعس”.
في هذه الفترة كان محمد الجامعي باشا تارودانت شديد الارتباط بفاس مسقط راسه، مما جعله يتغيب كثيرا عن مكتب الشؤون الأهلية فتتعطل أمور الناس، فطلب وجهاء تارودانت تعيين الحاج حماد خاي خليفة له، لكنه توجس خيفة من المسؤولية فاشترط أن يجعل له “وزيرا” من أهله الحاج العربي أخيه، ليشد به أزره ويشركه في أمره، وكان الحاج حماد نعْم الرجل الخليفة لا يخشى في الله لومة لائم لإنصاف المشتكيان، بردّ الحق لصاحبه ولو كان يهوديا، فيسخر المسلمون من أخيهم في الدين “انتصر عليك اليهودي” وإذا كان الحق للمسلم اعتبر انتصاره أمرا عاديا غير ذا قيمة تذكر وسط الرودانيين. يسجل ايضا للتاريخ الروداني المشترك، أنه لما يتوفى يهودي يتحين بعض أطفال تارودانت الفرصة جنب عقبة ما بين مدخل الملاح وأحفير مكان الميعارة العبرانية، وبمجرد وصول اليهود حاملين ميتهم في “الميسان” على أكتافهم، ينطلق الأشقياء كالسهم أسفل النعش في غفلة من حامليه مرددين : لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيضطر اليهود لإرجاع الميت إلى مسكنه لإعادة غسله وتكفينه من جديد، غسل الميت وتكفينه شعيرة دينية مشتركة بين الديانة اليهودية والإسلام، لما اشتكى يهود تارودانت للخليفة الحاج حماد قرر أن يرافقهم دائما مخزني مصاحب.
بعيدا عن تارودانت، عرف في تلك المرحلة نبوغ بعض السوسيين التجار الذين نافسوا اليهود المغاربة والتجار الفاسيين بالرغم من حنكة هاتين المجموعتين وتقاربهما التجاري خصوصا بالدار البيضاء، مما اكسب السوسيين شهرة ومنهم من أصبح يحمل لقب علامة تجارية وطنية، نذكر منهم التاجر الحاج عابد السوسي، الذي ساهم سنة 1958 بمبلغ مليون سنتيم لتشييد المعهد الاسلامي بتارودانت، وكان بوده التبرع بأكثر، لكن اللباقة تحتم عليه عدم تجاوز سقف المبلغ الذي ساهم به السلطان محمد بن يوسف، الى جانب ذلك كان رحمه الله وطني مجاهد بماله – والجهاد بالمال مطلب مقدم على الجهاد بالنفس حسب النص الشرعي – يدعم ب 100 الف فرنك شهريا خلايا المقاومة الوطنية زمن الاحتلال، وقتها كان اللحم يباع بدرهمين للكيلو على سبيل المقارنة ، بشهادة المقاوم الفقيه محمد بوراس الفكيكي،،، لما سئل لحسن وكاك عابد السوسي عن سر نجاح تجارته أجابه بكل تلقائية وعفوية : تعلمت من اليهود !!!
من بين الأمور التي كان اليهود بتارودانت ملزمين بها للمخزن، ضريبة الحلول وهي واجب طلقة المدفع لإعلان المناسبات الدينية ، أما لباسهم المعتاد فهو الجلباب باللون الأسود، لكون الثوب الذي تخاط منه يكون متينا مع القبعة السوداء فوق الرأس، ومنهم من كان يلبس أثواب حريرية ، بينما النساء يضعن غطاء ” لقطيب” فوق رؤوسهن.
الطبقة الفقيرة من يهود تارودانت امتهنوا البيع المتجول للشمع وعود الثقاب عبر المحلات التجارية في أزقة السوق، ليتحول عائد البيع إلى مصروف في حينه لشراء البطيخ وكانوا مغرمون به كفاكهة، ثم زيت الأركان والخضر من المسلمين، يتم البيع والشراء بشكل جيد لا يطبعه بين الطرفين أي خداع على الإطلاق، بل قد يخدعك المسلم بعدم تساهله ولا صبره، لقد كان اليهودي بتارودانت يمدك بما قيمته 3 أو 4 آلاف ريال من التوب وتدفع فيما بعد ، بذكر الفقير محمد الشرادي 1969.
سكنى اليهود بالملاح ، كانت تبدو متسخة نوعا ما، لما يدخل عندهم المسلم لا يخفون عنه الأشياء بل تكون نسائهم إلى جانب المسلم يطبخن ويتحدثن معه ويعتنين جيدا باستقباله، على خلاف العادة عند المسلم؛ والعكس إذا حضر اليهودي إلى مسكن المسلم يبقى بالباب ولا يسمح لنفسه بالدخول، فيما حماره بجانبه يربطه بوتد. رغم أنهم اشتهروا بصنع مسكر الماحيا من ثمر الصبار للإنصاف والحقيقة التاريخية ليسوا جميعهم يتعاطون شربها ، ومن حين لآخر بعض المسلمين يفضلون جرعات منها على شرب غيرها من الخمور التي يتناولها المعمرون الفرنسيون، لنصل إلى ظاهرة البغاء التي كانت موجودة دون استثناء بين الأجناس الثلاث بتارودانت.
المعاملات البنكية كانت في بدايتها بتارودانت، أول مقر بنكي هو BMCI كان بساحة اسراك جوار “نوايل زيت” التي هدمت 1982، وهو المحل الذي يباع فيه التبغ والقمار حاليا، كان البنك يفتح مرتين في الأسبوع : يوم الاثنين لدفع الأموال والخميس لسحبها من أجل التسوق وأداء أجرة العمال لأن يوم الجمعة تتوقف كافة الأشغال الفلاحية والتجارية بتارودانت، حيث يغتسل الناس في الحمامات جميعها تتزود بماء السواقي استعدادا لأداء صلاة الجمعة، مدير البنك اسمه بيلاص Pilas كان يسكن في رياض السكوري بطريق باب الخميس متزوج من رودانية اسمها زاينة أخت ساق ساق من مجمع الأحباب.
image
من بين التجار اليهود يومئذ صاحب رأسمال “صحيح” في تارودانت بذكر المرجع الشفوي صاحبي لما عرضت على أنظاره الصورة التاريخية، مخلوف بنشفار تاجر الأثواب بنصف الجملة لكونه يملك راسمال مهم، مكان متجره بقيسارية الكتان هو الثاني يمينا بعد متجر الحاج امحمد مزيوْقا وهو الروداني المسلم الوحيد الذي يملك محلا وسطهم !!! هناك يهودي آخر اسمه دويح بينما ابنه بمحل آخر متخصص في بيع لوازم الخياطة من أزرار العظم أو القرن، وأزرار تقليدية من الخيط لازالت تستخدم، ولفائف الخيط فوق عود قصب أملس رقيق قبل ان تظهر لفائف البلاستيك/ البكاراة الحالية، وإبر غليظة بثقب عريض نسبيا نظرا لجودة الخيط الذي يكون مشنف الرأس، ثم لاحقا خيوط الحرير الاصطناعي المسماة “صابرا” التي بدأت تظهر، لأن اللباس الأنيق عصري أم تقليدي، كتان أم صوف، أوبرا أم ملف، لم يعد مقتصرا على القياد وخلفائهم والأعيان الشرفاء وشيوخ السلطة ومقدمي الزوايا ووجهاء تارودانت كالملاكين الميسورين وحدهم، بل بدأت تظهر بتارودانت طبقة وسطى صاعدة تريد هي الأخرى أن تثبيت ذاتها وتأسس لها موقعا وسط المجتمع الروداني، من خلال مظاهر الجلباب الأنيق بدل “القشاب” الصوفي الخشن، وبرنس الملف و”تشامير”،،، تأتى هذا مع ظهور أولى آلات الخياطة العصرية الثابتة فوق صندوق، يستخدمها الخياط جلوسا والتي تعمل بدواسة يدوية صغيرة Pédale a main تدار بأصبعي الإبهام والسبابة اليمنى، قبل ظهور آلة الخياطة البديلة فوق الطاولة التي تعمل ميكانيكيا بدواسة الرجل .
image
فندق الكتان كان فيه أيضا بالطابق العلوي/الأول عدد من الغرف يبيت فيها المتبضعون القادمون من بعيد على شاكلة جميع فنادق التجارة بتارودانت، والتي تتجاوز العشرة تضم ساحة الرحبة الوقفية الاسلامية لوحدها أربعة، وبحسب الظروف من حين لآخر، تتحول غرف فندق الكتان إلى وكر “نشاط” سري على أنغام جر أوتار الكمان ودندنات “الطر” ونزع “العلاق” وهو مسمار10 من الجدار الطيني للنقر به على “كيسان حياتي” أو غراف المعدن/mine maille ، ثلاثة أشخاص لا رابع معهم سوى راقصة الغنج، تُنشط سمرهم بضع جرعات ماحيا التين الشوكي المجفف تفي بالغرض من دون عربدة، بعدما وصلت الوشاية المؤكدة إلى علم كبير الفرنسيين المسؤولين عن الشؤون الأهلية بتارودانت، حول الوكر بعيدا الى درب إسمكان/ درب العفو، وقتئذ كان يعتبر خارج المدينة لأنه منزو وسط العراصي والأجنات باب الخميس، لتبقى “الفوندة” وحدها وسط المدينة يصعب على المسلمين الرودانيين ارتيادها خوفا من الفضيحة وخمر النصارى يعافه ذوق السكارى.
كان الحزان يحضر الى متجر ولد قايد الرحى بساحة اسراك بعد صلاة الجمعة ويُقفل عليه داخل المحل ليحدّ سكاكين الدبح، ومما أفادني به محاوري قال : تسللت مرة من دار الدباغ بأسراك خلف المتجر بدافع الفضول، وأطليت على الحزان من فتحة خلفية وهو في خلوة المحل خلف الأبواب الموصدة، فرأيته يتحسس باللسان “خط المضا” أين وصل، من مقدمة السكين في اتجاه المقبض وهو يهمهم ترانيم أو شيء كهذا ، لأن طريقة الذبح لدى اليهود خاضعة لشروط مضبوطة، جميع ترتيباتها تتم في خلوة تامة، لا يمكن لأحد أن يطلع على خفاياها، موكولة للحزان وحده دون سواه، وهو نفسه مقيد أثناء ذبح الديّكة أو الذكور من الماشية بضوابط دقيقة في المعتقد اليهودي، منها الذبح بضربة إرسال السكين دفعة واحدة لا يعقبها جر باليد، وإلا اعتبرت الذبيحة غير طاهرة، مصدر آخر أشرف على عقده الثامن أطال الله عمره في طاعته، أفادني أن عملية الذبح كانت تتم في المجزرة القديمة خلف سور تارودانت يسار باب الخميس، وقد هدمت وأعيد بنائها بالاسمنت لتصبح مقر تعاونية الدباغين العصريين وهي مهجورة الآن، يختار الحزان وقتا للذبح يخالف يوم عمل جزار المسلمين بتارودانت، بعد الذبح أول ما يقوم به مساعد الحزان، الفحص الدقيق بداية من اللسان ثم الحلقوم ثم البلعوم وأخيرا محتوى “الكرشة”، إذا علق به أو وجد فيه شوائب معدنية كغطاء قنينات الزجاج أو سلك أو مسمار ترمى الذبيحة؛ وإذا لم يعثر على شيء يحضر الحمار من جرف الوادي الوعر هناك، ويحمل اللحم في “شواري” والجلد مع بقية السقط في الثاني، وينطلقا مهرولان نحو حي الملاح …
من بين من مارسوا هذه المهمة الدينية الحزان دودو، جميع من أدركوه من الرودانيين الحاليين، كلهم الآن تجاوزا عقدهم السابع، يجمعون على كونه دخل مرحلة الكهولة لما كانوا هم يافعين 1945 ، رواية أخرى تقول أن الحبر دودو لم يمارس قط مهمة حزان بصفة رسمية ولكن قام بها بصفة رمزية رفعا للحاجة وتيسيرا للضرورة العبرانية، توفي بتارودانت منتصف ليلة الأربعاء12 مارس 1953/ 25 أدار 5713 بالتقويم العبري، ودفن بالمقبرة العبرية بملاح تارودانت، كان تقريبا الوحيد في أوساط اليهود الرودانيين الذي يرتدي دائما لباس نخوة ولا يخالط تجمهرات القوم في الاحتفالات الرودانية والتجمعات العمومية أكانوا بني جلدته أم غيرهم من المسلمين الرودانيين أوالمسيحيين المعمرين؛ إبان الحرب العالمية الثانية مع اشتداد أزمة المواد الغذائية على المستوى العالمي، كان ثالث ثلاثة الدين منحوا حصيص السكر “البون” رغم كون عدد طائفتهم محدود جدا مقارنة بالمسلمين، إلا أن سلطة الحماية ما فتئت تدلل اليهود الميسورين، كان متجره بالزاوية اليمنى دخولا الى درب يحيى أوالطالب بزنقة الحدادة، متجر لحسن لماكني حاليا، حيث يجلس طوال الوقت خلف “الكونطوار” يستخلص الأداء، ليذهب المشتري لفندق السكر مصحوبا ببعثية طلب Bon de commande .
بالنسبة للعادات الغذائية أشهر ما وصلنا يتم تناقله شفويا حتى الأمس القريب، مطلع أغنية مناسبة عاشوراء : “إلى مشيت أموشي تمشي لدكالة تاكل خبز القمح البلواني ما فيه نخالة” القمح “البلواني” هو أفضل أنواع الحبوب على الإطلاق وأجودها قيمة غذائية، يزرع في مناطق البور ذات التربة الهشة مثل بورة أهل تارودانت/لاسطاح، كان يهود تارودانت يجمعون النخالة عند المسلمين الذين يرمونها للماشية عن جهل بقيمتها الغذائية، واليوم تبث علميا وطبيا الفوائد الغذائية الصحية للقمح بكامل نخالته على الجهاز الهضمي على الخصوص، تأكد هذا بعدما أصبح القمح صنف البلواني في حكم المنقرض؛ دائما في مجال الحبوب أساس التغذية الرودانية ، ذكر لي محاوري الذرة البلدية والتي كانت تسمى “البشنة المارسية” بيضاء كالحليب مستديرة الحبوب بحجم الجلبان، يصنع منها دشيش غليظ للحساء والرقيق للكسكس، يفور فوق قدر أفراس وهي أوراق اللفت البلدي أو البسباس وهو عشب بري يكثر في فصل الربيع بسيقان أوراقها شعيرات طرية بنكهة طيارة قوية ، أكلة كسكس البشنة هذه هي المسماة بداز، كانت معروفة عند المسلمين واليهود على السواء بتارودانت، تهيأ مرتين على الأقل في الأسبوع، يقول اليهود أنها وجبة غذائية “سخونة” ، أي تمد الشخص بالطاقة البدنية.
بالنسبة للدهن، يهود تارودانت يتناولون زبدة الحليب المخيض الطرية ولا يستخدمون إطلاقا السمن المملح، أيضا صفار البيض/المح، دون بياضه الذي يعتبرونه مجرد ماء لزج أو ينعتونه ريش الدجاج، ما يفهم منه الدجاج يأكل والريش يرمى، فيتعقب اليهودي الروداني عند أبواب المدينة صاحب الدابة و”الشواري” القادم من أحواز المدينة ليشتري منه كافة البيض، وبعد تودد وتدلل ومساومة دهاء يقتني منه البيض المكسور فقط، بعشر ثمنه لأن غرضه بصفار البيض أما بياضه سيرميه ، وقد تبث علميا الآن أن جل المكونات ذات القيمة الغذائية تتركز في صفار البيض وليس بياضه، وصفار بيضة واحدة تعادل قيمتها الغذائية من البروتينات ما يوجد في 100غ من اللحوم الحمراء؛ أيضا يتناولون في الأكل والطبخ زيت الأركان- مصدر أعلاه ذكره وهذا مصدر ثاني يؤكده – ولا يستخدمون على الإطلاق قطر زيت الزيتون، علما أن عدد من أفراد الطائفة اليهودية يعتبرون ملاكين أصليين لأفدنة الزيتون بأحواز تارودانت، والبعض الآخر مشرفين ليهود غير رودانيين؛ ولا يدخلون في الطبخ البقدونس/القزبور بل الكزبرة/المعدنوس أوالكرافس، كذلك القرنبيط/الكرنب الذي كان يغرسه فلاح وخضار في نفس الوقت منهم اسمه بلبّيح، أدركه محاوري قارب الشيخوخة ولم يتنه العمر عن حمل “شواري” القرنبيط على كتفيه ووضعه فوق ظهر دابته، كان يملك حانوت أشقاف في حي الملاح يجلس فيها ابن له أعور لبيع الخضر لليهود، يستأجر بلبيح جنان أزدو لزرع القرنبيط في حومة بنيارة، الفدان ملكية مناصفة بين أيت بلحميدي والسمسار، هو الذي شيدت فوق أرضه مدرسة أحفير حاليا، هذا النوع من القرنبيط صغير ما بين حجم النافيل والبطيخ انقرض هو الآخر مثل القمح البلواني والبشنة المارسية وعدد من الخضر والفواكه التي كانت تحفل بها أفدنة وبساتين وعراصي تارودانت، ليعوض القرنبيط البلدي ما يسمى المكور او الملفوف ثم الشفلة، القرنبيط يأكله اليهود مسلوقا أو في طهي كسكس بداز. جميع ما عد من عناصر الطبخ ونسب الى مطبخ يهود تارودانت، كان مطلوبا يفضلونه لكونه “سخون” يمدهم بطاقة القوة البدنية، ويساعد على البنية الجسمية القوية والصحة الجيدة، سر طول العمر في ذاك الزمن.

كل زمن وتارودانت بألف خير

تارودانت نيوز
بقلم :علي هرماس
​​​​​​

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.