اليوم الأربعاء 24 أكتوبر 2018 - 12:14 صباحًا
أخبار اليوم
النساء و الاحتجاجات الاجتماعية والموت الذي يصر أن يكون مؤنثـــا              “فاطمة الزهراء أوفارا” ابنة تارودانت تحقق انجازا علميا بجامعة محمد الخامس بالرباط            فوانيس ورززات في جولة فنية وطنية بعرضها المسرحي “كاموفلاج”            مبادرة ابتسم للحياة في نسختها الثانية            تعزية ..والد الأخ ابراهيم بوهالي في ذمة الله            ”جرعة جرأة ” لمحمد شاكر تستمر في حصد ملايين المشاهدات            الكلية المتعددة التخصصات بتارودانت تحتضن المؤتمر الدولي الأول للبيوتيكنولوجيا الخضراء :1 الى 3 نونبر 2018            الأمانة العامة لحزب الزيتونة تعبير عن ارتياحها للأجواء الإيجابية في لقائها التنسيقي الأول بالكتابة الوطنية لشبيبة الحزب            مؤسسة بسمة تنظم ملتقيين وطنيين للشبكات الاجتماعية الجهوية والجمعيات الاجتماعية والتنموية العاملة في المجال القروي            تنصيب الأستاد محمد فلوس مندوبا اقليميا للوكالة الوطنية لمحاربة الأمية بإقليم تارودانت .           

 

 

أضيف في : السبت 17 سبتمبر 2016 - 8:07 مساءً

 

في انتظار الحرب أو المعجزة…الإنسان صار يغرق في البحر وهو ظمآن

في انتظار الحرب أو المعجزة…الإنسان صار يغرق في البحر وهو ظمآن
بتاريخ 17 سبتمبر, 2016

توقع أن تكون الحروب القادمة هي حروب مياه بات أمرا محتملا، فقد بدأت فعلا حروب وثورات المياه نتيجة ندرة هذه المادة الحياتية لدى الإنسان، من ذلك حروب الشرق الأوسط والثورة السورية والخلافات بين الدول حول اتفاقيات المناخ. لكن أزمة المياه لم تتوقف في تلك الحدود فقط، بل إن مجتمعات بحالها تشهد منذ سنوات تغيرات جذرية في تركيبتها وانتشارها وكيفية تركزها، لتظهر مشوهة ودون منطق، وكل ذلك بسبب نقص المياه وسوء استغلالها.

في انتظار الحرب أو المعجزة

لا يمكن بأي حال من الأحوال نقاش مبدأ “الماء للجميع”، فالأمر حياتي ويدخل ضمن ضروريات البقاء على قيد الحياة، لكن الإشكالات التي بدأت في الظهور اليوم، والتي تترافق مع ندرة المياه، هي الحسابات الاقتصادية التي تريد تحويل الماء إلى سلعة وسوق وحجم تبادل ومضاربة وربما سوق سوداء.

وقد أكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقريره سنة 2010 أن الحق في الماء يعد ضمن حقوق الإنسان الأساسية، وهذا ما يجبر الدول المنخرطة في الأمم المتحدة على تقديم الخدمات المتعلقة بالماء وجعلها متاحة أمام كل المواطنين في شبكة إيصال الماء إلى البيوت. ويعد هذا الإجراء الأممي حسب خبراء إحدى أهم الآليات التي تحمي قطاع المياه مما يمكن أن يطرأ عليه من تلاعب بدافع الربح المادي في حال كانت المياه في يد الشركات الخاصة، لكن الملاحظ في الفترة الأخيرة أن العديد من الدول تذهب نحو خصخصة هذا القطاع رغم كل الإشكالات والمخاوف التي تحيط بالثروة المائية وبهذا الإجراء أيضا.

الماء والسوسيولوجيا

تؤكد الدراسات الديمغرافية والمتعلقة بنسب النمو البشري والاستهلاك، أن العلاقة بين الكمية المتوفرة والتي يمكن أن تتوفر من المياه في المستقبل لن تكون متطابقة مع عدد سكان الأرض، حيث يتزايد السكان بشكل أسرع من وتيرة توفير المياه، مما سيتسبب في المستقبل في أزمة حقيقية في المياه تجعل الإنسان أمام كارثة العطش.

ويؤكد خبراء أن مخاوف نقص المياه العذبة قد تتزايد على الرغم من أنها ليست المرة الأولى في التاريخ التي من المتوقع أن يتعدى فيها الطلب المعروض من المياه. وقال توني بارولاري وهو باحث بجامعة ديوك لمؤسسة تومسون في دراسة له “يتراجع استهلاك الفرد من المياه عالميا منذ 1980 ما يعني أن الكفاءة تتزايد”. وأضاف “لكن إذا استمرت اتجاهات النمو السكاني فسيتقلص استهلاك المياه بصورة أكبر”.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن من المتوقع زيادة عدد سكان العالم إلى 9.6 مليار نسمة بحلول عام 2050، في حين أن العدد سبعة مليارات الآن، وقالت الدراسة إن مدى تكيف البشر على تناقص إمدادات المياه يتوقف على مدى تطوير التكنولوجيا الجديدة لإيجاد موارد للمياه مع ثبات معدلات النمو السكاني.

الخطر في تزايد نظرا لارتفاع نسبة سكان الأرض وتزايد الحرارة التي تضغط على المائدة المائية
وتضمنت الدراسة التي نشرت نتائجها في دورية “وايرز ووتر” الأميركية المتخصصة في قضايا المياه تحليلا لبيانات تاريخية خاصة باستهلاك المياه وبأعداد السكان واقترن ذلك بنماذج رياضية لرصد التغيرات على مدى الزمن. ويتضرر من نقص المياه الملايين من الناس بالفعل في العالم، ففي ساو بالو بالبرازيل على سبيل المثال، يلجأ السكان لتخزين المياه في شققهم السكنية في أعقاب موجة جفاف.

وقال بارولاري إنه يمكن حل المشاكل الحالية لنقص المياه أو الحد منها بالاستعانة بخبرات جديدة، منها النهوض بتقنيات إزالة الملوحة من مياه المحيطات لإنتاج مياه نقية صالحة للشرب.

ومثلما يحدث للحيوانات، فإن من بين أسباب نزوح وهجرات الإنسان فوق سطح الأرض يوجد سبب حياتي وحتمي وهو الماء. فندرة هذه المادة الحياتية لم تتوقف فقط عند تهديد الإنسان بالموت عطشا بل تسببت في تغيير بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية وعمرانية، نتيجة بحث الإنسان إلى اليوم عن مكامن الماء للعيش قربها.

يقول الباحث التونسي في علم الاجتماع جهاد حاج سالم لـ”العرب” إن قيامه بدراسة ميدانية في المناطق الداخلية لتونس، وأساسا محافظة القصرين الغربية الحدودية مع الجزائر، مكنه من ملامسة إشكالات عديدة متعلقة بأزمة المياه والتي هي في الأساس إشكالات اجتماعية واقتصادية وبالتالي سياسية. ويصرح حاج سالم قائلا إن “القيام بإنشاء سدود في غرب محافظة القصرين من قبل السلطات الجزائرية على الأودية التي تنبع من الجزائر وتصب في تونس وكذلك قيام التونسيين بتركيز نواتات سدود قرب الأودية القادمة من الفروع المائية بالشمال الغرب نحو الجنوب جعلت من منطقة غرب وجنوب غرب تونس في عزلة مائية حقيقة”، ويضيف الباحث لـ”العرب” قائلا “هناك قرى ومساحات واسعة فلاحية كان عمق الماء تحت سطحها لا يتجاوز الستة أمتار، أما الآن فالعمق المطلوب للوصول إلى الماء 120 مترا”.

ويحلل الحاج سالم هذا المعطى مشيرا إلى أن أزمة المياه هذه أثرت بشكل مباشر على القطاع الفلاحي في تلك المناطق، وهو القطاع الذي يمثل العصب المحرك لحياة الناس على الحدود. وقد سجلت البحوث السوسيولوجية في تلك المناطق تراجعا واضحا في نسبة المقبلين على العمل الفلاحي والاستثمار فيه. إذ تعتبر الفلاحة الآن حكرا على الشريحة العمرية التي تجاوزت الكهولة نحو الشيخوخة أي أن نسبة أعمار الفلاحين تقارب الستين سنة، في حين يختار الشباب أن يقوم بأعمال التجارة الحرة أو الذهاب إلى المدن الكبرى دون عودة أو اختيار التجارة الموازية وأعمال التهريب مع الجزائر كما يقوم السواد الأعظم بذلك.


جهاد حاج سالم: النزوح من الريف إلى المدينة بسبب نقص المياه شوه المجال العمراني بشكل كبير
كشفت إذن أزمة المياه في المثال التونسي معضلة كبيرة وهي التحولات العميقة التي مست العمق الاجتماعي لمناطق تعتبر حساسة جدا بالنسبة إلى الأمن الإستراتيجي التونسي، فالبيئة التي لا توجد فيها مياه هي بيئة طاردة لسكانها ولا يمكن تخيل حجم الخطر الذي تعيشه دولة ليس لها سكان في مناطقها الحدودية.

هذه الأمثلة الحية يمكن أن تحيل إلى التغيرات السكانية والعمرانية وأشكال المدن وطبيعة الإنتاج في دولة تشهد نزوحا مكثفا نحو سواحلها ومدنها بعد أن ترك الريف فارغا. فالعديد من الظواهر أصبحت تمثل هواجس علمية للباحثين والصحافيين وحتى الأجهزة الرسمية، لأن المدن الكبرى والمحاطة بأحزمة فقر واسعة يمكن أن تتحول إلى مجالات واسعة من البناء العشوائي والجريمة المرتفعة والاضطرابات الدائمة والحركات الاحتجاجية وأيضا الثورات، ومن بين أسباب ذلك نقص المياه حسب تحليل الحاج سالم.

الماء والثورة

يمكن أن تطبع الثورة السورية بأي شعار يريده قياديوها، لكن الأصل في أسباب هذه الثورة هو الجفاف. تقول دراسة صادرة عن الأكاديمية الوطنية الأميركية أعدها الباحث كولن كولي تحت عنوان “الجفاف سبب الثورة السورية” إن سوء إدارة النظام السوري الحالي لأزمة نقص المياه والجفاف الذي ضرب البلاد منذ سنة 2006، هو المحرك الخفي لكل الحركات الاحتجاجية التي عمت البلاد، والدليل أن أولى التحركات الجادة والداعية إلى إسقاط النظام كانت بالأساس من مدينة درعا.

تمثل درعا بالنسبة إلى سوريا سلة الغذاء الرئيسية التي تمولها بالمواد الأساسية كالقمح والبندورة والتبغ والحمص والخس وأيضا الأشجار المثمرة كالزيتون والخوخ والعنب والقوارص وغيرها. هذه الميزات التي لدى درعا تجعل من المحافظة حساسة أكثر بالنسبة إلى الاقتصاد السوري الذي يعد اقتصادا زراعيا بالأساس، وكل التاريخ السياسي السوري الحديث (خاصة منذ تأسيس حزب البعث) يرتكز إلى طبقة الفلاحين والمزارعين الذين غذوا كل الثورات سواء التحررية أو السياسية الداخلية.

أزمة الجفاف التي ضربت البلاد وخاصة محافظات الجنوب الغربي زادت من الاحتقان الاجتماعي بشكل جعل من الحركات الاحتجاجية تتحول تدريجيا إلى مكمن ثوري داخل أذهان قطاعات عديدة من الناس، انتظرت فقط اللحظة المناسبة كي تتحول إلى حركة عارمة في الشارع، ولم تكن تلك اللحظة سوى ما سمي إعلاميا بالربيع العربي.

تذكر الدراسة الأميركية أن حكومة النظام السوري دفعت بتشكيل وفد حكومي سنة 2006 برئاسة عادل سفر وزير الزراعة والإصلاح الزراعي آنذاك، واتجه الوفد فورا إلى المناطق الشمالية الشرقية لسوريا لتهدئة المزارعين الذين واجهوا الوفد بالكثير من الإحتجاجات لا سيما من قبل رؤساء العشائر في الحسكة، وعندها تفتقت ذهنية الحكومة والنظام بإعداد سلل غذائية وتم توزيعها على القاطنين في تلك المناطق. وتعد هذه الواقعة نقطة فاصلة في التاريخ السياسي السوري، إذ توزع الحكومة مساعدات غذائية على مناطق تعد من أغنى المساحات الفلاحية في الشرق الأوسط.

وبهذه الكيفية، يمكن أن تكون الثورة السورية أولى الثورات الإنسانية في العالم التي تعبر عن النتائج السياسية المباشرة للتغيرات المناخية التي تضرب كوكب الأرض، ولكن الخطورة تكمن في أن الحركات العارمة التي تجتاح مناطق معينة من العالم من أجل المياه والحروب الطاحنة التي يمكن تأخذ أشكالا طائفية أو دينية مثلما يحدث في العراق أو سوريا لن توقف أزمة ندرة المياه، بل إن الخطر في تزايد نظرا لتزايد مواز لنسبة السكان فوق سطح الأرض وتزايد الحرارة التي تضغط على المائدة المائية وتذيب الثلوج شمالا ليرتفع منسوب مياه البحر فتختفي بذلك جزر بحالها وتتآكل القارات، ليأتي ربما ذلك اليوم الذي يغرق فيه الإنسان في ماء البحر.

تارودانت نيوز
العرب سيف الدين العامري

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.