اليوم الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:05 صباحًا
أخبار اليوم
القطب الحقوقي بتارودانت يدعو الى وقفة احتجاجية            انتخاب الميلودي المخارق عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للنقابات            الفنان المغربي رضوان برحيل يتعاقد مع نجوم ريكوردز وينضم لشيرين و محمد حماقي            جمعية أمهات وآباء مجموعة م.م. مدارس المهدي بن تومرت، بجماعة ارزان، تعزز بنية المركزية بمشروع بناء ثلاث قاعات للدرس، وتبليط أرضية الساحة.            درع المئة مليون… من أنغامي إلى جوزيف عطيّة!            إفتتاح المعرض التشكيلي المشترك، تارودانت            تارودانت :تسليم هبة ملكية لشرفاء زاويتي سيدي عياد والتيجانية            جمعية شباب الأطلس بتارودانت تتوج بجائزة أفضل مبادرة مدنية لسنة 2018            تارودانت :تعزية وفاة أحد أعضاء مجموعة الونايسية بأولاد يحيى            تارودانت :جمعية اتحاد تارودانت للرياضة الميكانيكية وشركائها تنظم الدورة الأولى لمهرجان دريفت الرياضي والفني           

المغرب: أزمة الخطاب السياسي بين النخبة والشباب

أخر تحديث : الجمعة 9 فبراير 2018 - 12:29 صباحًا
تارودانت نيوز -العرب حسن السوسي | بتاريخ 9 فبراير, 2018

انفصام واضح وهوة عميقة بين ما هو سائد على مستوى تفكير شرائح واسعة من المجتمع المغربي وخاصة ضمن الشباب، وبين مقولات ومفاهيم الخطاب السياسي للنخب على مختلف المستويات.

عرفت السنة الماضية وبداية هذا العام مسلسل مؤتمرات أحزاب سياسية مغربية واجتماعات هيئاتها التقريرية وصدرت عنها بيانات تضمنت تصوراتها من موقع الحكومة، كما من موقع المعارضة لأوضاع البلاد.

وليس هناك جدال في أن عَقْد الأحزاب السياسية لمؤتمراتها الوطنية، بشكل دوري ومنتظم، ضرورة تنظيمية وديمقراطية ينبغي الاحتفاء بها على الدوام. ولا يخفى على أحد أن المناسبة تترافق عادة مع نقاش سياسي، بهذا القدر من العمق والشمولية أو ذاك، وفقا لتقديرات قيادات الأحزاب والتيارات الفكرية والسياسية التي تعتمل داخلها، قبل المؤتمر وخلاله وفي أفق ما بعده.

وإذا كان هذا النقاش يتمحور، عادة بحكم المناسبة، حول طبيعة القيادة والمهام التي ينبغي أن تضطلع بها خلال المرحلة السياسية المقبلة، وهو ما يضفي عليه نوعا من السخونة والحدة تكاد تخفي طبيعة تباين التصورات الفكرية والسياسية بين المتنافسين على هذا المنصب أو ذاك، فإن هذا لا يعني اختزال الجدل في هذا البعد، رغم الإقرار بحضوره القوي، لكونه من طبيعة الأشياء.

لذلك فمن قبيل اختزال الفعل السياسي حصره في التنازع على مناصب القيادة وعدم استحضار طبيعة التباين في تصورات مختلف الفئات والتيارات الفاعلة داخل كل حزب على حدة كنتيجة حتمية لتعدد قراءات الواقع وتنوع كيفيات استشراف المستقبل، على اعتبار أن البعد التطوعي الذي كان أساسا في تشكيل الحزب السياسي يعني، في العمق، أن لكل عضو من أعضائه خلفيته الاجتماعية والفكرية والسياسية التي يحاول تكييف خلاصاتها مع خلاصات الأعضاء الآخرين، حتى يمكن للعمل الحزبي أن يتطور وفق ما تعتقد أغلبية مكوناته أنه في مصلحة الحزب ومصلحة المجتمع الذي يمارس فعله داخل أوساطه، ويطمح إلى تمثيل أوسعها في مختلف مجالات الممارسة السياسية داخل وخارج المؤسسات المنتخبة على السواء.

وليس ممكنا، على مستوى جوهري آخر، نفي واقع اللاتطور في الخطاب السياسي للنخب المغربية منذ أكثر من عقدين من الزمن. قد يختلف المراقبون للحياة السياسية المغربية حول أسباب هذا الواقع ومدى رسوخه، وبالتالي حول شروط معالجته والعمل على تجاوزه، غير أنه واقع يفرض نفسه، رغم مختلف التسميات التي تطلق عليه، إذ يحمل في عمقه سمات اللاتطور هذا. لذلك فلا اختلاف في الجوهر بين الحديث عن الجمود الفكري أو التحجر السياسي أو حتى تهافت خطاب النخب السياسية، إذ تحيل كلها إلى هذا الواقع غير القابل للإنكار.

ومن هنا، فإن التفكير في واقع عدم قدرة الخطاب السياسي على مواكبة تطورات الواقع الاجتماعي والاقتصادي أمر ملح لكونه شرطا لا غنى عنه لفهم هذه الحالة، باعتباره شرط العمل على تجاوزها. ذلك أن خطابا متخلفا عن الواقع عاجز تماما عن استشراف المستقبل والمساهمة في مختلف عمليات التحويل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لكونها غاية كل خطاب سياسي يستحق هذا النعت.

وتزداد هذه الحالة تعقيدا بقدر عدم إدراك النخب السياسية لطبيعة هذا الواقع لأنه يحول دونها وكل عمل جاد في سبيل التجاوز.

يمكن رصد عدد من المعطيات الاجتماعية والسياسية التي تقدم صورة واضحة عن عدم قدرة الخطاب السياسي السائد لدى النخب على مواكبة التطور الفعلي للمجتمع المغربي ومدى رسوخ مقاربات غير متناسبة مع تلك المعطيات وعاجزة بالتالي، عن القيام بالنقلة الضرورية في الخطاب المدعو إلى قراءة الواقع والفعل فيه.

إن إدراك النخب السياسية لعدم إجرائية الأطر التقليدية في تصنيف التيارات الفكرية والسياسية بصورة دقيقة وبشكل حصري، إن لم تكن جلها متجاوزة، سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون، حيث أن خطوط التضاد بين عدد من الأيديولوجيات السياسية لم تعد من الوضوح الذي كانت عليه في فترات سابقة، إلى درجة أن البعض أصبح يميل إلى نفي وجودها بين اليسار واليمين مثلا، بل وبين النظامين الاشتراكي والرأسمالي لوجود نقاط تقاطع كثيرة بينهما تجعل التمييز القاطع بين هذا وذاك من صميم الأيديولوجية بمعناها التضليلي بوعي أو دونه، فإن هذا الإدراك لم يترافق مع القدرة على بلورة الأطر البديلة التي من شأنها المساعدة على تقديم قراءة ملائمة مع الواقع ومعطياته، الأمر الذي عطل الفعل الإيجابي لذلك الإدراك في نهاية المطاف.

وفي الواقع هناك انفصام واضح وهوة عميقة بين ما هو سائد على مستوى تفكير شرائح واسعة من المجتمع المغربي وخاصة ضمن الشباب، وبين مقولات ومفاهيم الخطاب السياسي للنخب على مختلف المستويات. وقد ضاعف من هذا الانفصام نزوع شبه متأصل لدى فئة الشباب إلى تبخيس كل ما يصدر عن النخب من خطاب أو مبادرات حيث لا ترى في ذلك غير محاولات للاحتيال والنصب عليها، دون أن تكون قادرة على تقديم أي بديل مرحلي أو استراتيجي يمكن أن يكون رافعة لممارسة سياسية تساهم في تجاوز سلبيات الواقع الذي تنتفض عليه تلك الفئات.

وفي المقابل، فإن خطاب النخب الوطنية التقليدي لم يتمكن، إلى حد الساعة، من استيعاب جوهر رفض الشباب لهذا الخطاب والنظر إليه بريبة منهجية باعتباره الشرط الضروري لإقامة نوع من التمفصل بين مفاهيم خطاب النخب الذي ينهل من تجربة فكرية وسياسية ليس هناك مجال لإنكارها، وبين ما يكمن وراء تمرد أو انتفاضة الشباب من مطالب وتصورات لا يعني عدم وضوح معالمها وعدم رقيها إلى مستوى البديل الممكن أو الفعلي أنها متولدة من فراغ، وأنها لا تستحق الاهتمام. ذلك أن هذا السلوك غالبا ما يؤدي إلى تجذير تمرد هذه الفئات، ليس باتجاه بلورة بديل ما، وإنما باتجاه فوضوي مدمر متى أتيحت لها أدنى فرصة لذلك.

وبالنتيجة، فإن هذا العجز المزدوج للنخب الفكرية والسياسية السائدة ولأجيال جديدة من الشباب عن بلورة نظرية لقراءة الواقع المتجدد والفعل التغييري قد أفضى إلى هذه الحالة من المراوحة والنكوص، كما قد يذهب البعض إلى ذلك، في مجمل الوضع السياسي رغم استعانة الجميع بمصطلحات الديمقراطية والحداثة الفكرية والسياسية عند تدبيج الخطاب المعتمد وخاصة خلال المؤتمرات الحزبية أو الندوات السياسية الفكرية التي تعقد هنا وهناك تحت يافطة البحث عن البدائل للوضع الراهن.

حسن السوسي كاتب مغربي

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.