اليوم الإثنين 16 يوليو 2018 - 2:15 مساءً
أخبار اليوم
البيعة وامارة المؤمني أساس وحدة الأمة المغربية .            بدراجته الهوائية ..مغربي يعبر 6 دول إفريقية لأداء فريضة الحج            هم و نحن            الكاتبة الفلسطينية منى طاهر في ضيافة اتحاد كتاب المغرب فرع الصويرة            تارودانت :عامل الاقليم ينوه بمجهودت جامعة التنسيقية والسلطة المحلية على مجهوداتهما في تنظيم الحملة الطبية بأولاد ابراهيم .            بالصور …ثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت تحتفل بتلاميذها المتفوقين وتكرم متقاعديها            ثانوية الإمام مسلم الإعدادية بمديرية تارودانت تفوز بجائزة المدرسة الدوليةISA            خليها فيد الله ..عنوان عمل فني متميز            سفيرة الاتحاد الأوروبي بالمغرب تستقبل الطلبة المستفيدين من البرنامج -إيراسموس +: 900 منحة كل عام للمغرب            نكسةُ النُخَبِ العربيةِ ونهضةُ القيمِ الغربيةِ           

مـذكـرات : 3 ـ ” مول الزريعة ” والمراقب التربوي :

أخر تحديث : الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 12:17 صباحًا
تارودانت نيوز :المصطفى السهلي | بتاريخ 13 فبراير, 2018

استوقفني الأستاذ س. عندما التقيته ذات يوم ، في أحد دروب المدينة… حدستُ أن الأمر فيه شيء غير عادي… كانت علامات الغضب بادية عليه ، وأنا أعرفه منذ أن كان تلميذا من تلاميذي في المرحلة الثانوية ( التأهيلية الآن )… كان مثالا للهدوء وبرودة الأعصاب ، كأنَّ في عروقه دما إنجليزيا… عرفته في هذه المرحلة ، حيث عاشرته فيها لمدة سنتين ، ثم غاب عني مدة من الزمن ، عاد بعدها أستاذا للغة العربية في إحدى المؤسسات التعليمية بتارودانت ، فتوطدت به علاقتي أكثر… وكان ذلك كافيا لأعرف أخلاقه ، وأتبيّن طباعه… لقد كان من النوع الذي لا يثور إلا إذا انتُهِكت حُرمة من الحرمات أمامه ، أو شعر بظلم يلحقه ، أو استفزّه مشهد يثير الاستياء والتذمر… بدت عليه أمارات التوتر والارتباك ، فحيّرني أمره… توقعت كل شيء ، إلا أن يكون للمسألة ارتباط بزيارة التفتيش الأخيرة… فالأستاذ س. ليس من النوع الذي يجادل في شأن من الشؤون المتعلقة به ، خاصة ونحن ، هنا ، على قارعة الطريق ، وفي الشارع العام… وليس من عادته أن يستوقفني ، إلا لأمر هام…
بعد السؤال عن الحال والأحوال ، والاطمئنان على الصحة والعيال ، استجمعت كل أفكاري ، واستنفرت كل حواسي ، كالمتربِّص أن يُصفَع ، استعدادا لتلقي المسألة المرتقبة… وحتى أيَسِّر له الدخول في الموضوع ، وأختصر عليه مسافة القول ، وأوفر عليه الوقت والجهد ، قلت مبتسما : “خيرا إن شاء الله؟”… ازدادت ملامحه عبوسا ، وعلت محياه حمرة هي مزيج من الخجل والحنق… بلع ريقه ، ثم فتح فمه أخيرا ، فتراءت لي الكلمات تتزاحم على طرف لسانه ، وتتسابق لتخرج دفعة واحدة… قال في شبه تلعثم : “وصلتني… رسالة من مدينة الخميسات…” كدت أنفجر ضحكا ، وأعتبر المسألة مجرد دعابة ، أو نكتة تُلقى في مكان وزمان غير مناسبين… لكن وجهه الصارم لم يترك لي مجالا لذلك… ولم يكن من عادتنا التراشق بالنكت ، ولا تبادل المقالب ، أو استساغة الهزل والمزاح بيننا… كان الاحترام متبادلا بيننا ، ولا يزال… قلت في نفسي : “ما شأني ومدينة الخميسات ، وأنا لم أزرها إلا مرة واحدة ، أيام كنت طالبا بالرباط؟ وما دخلي ، أنا ، برسالة قادمة من هناك؟”… تصورت سيناريوهات كثيرة ، وتوقعت كل شيء… أثارني الأمر ، وانتقلت إليّ عدوى الغضب والارتباك من محدثي… لزم الصمتَ من جديد ، وعرفت أنه يفكر في المدخل المناسب ، لتوضيح الأمر… لا شك أنه انتبه إلى ما أصابني من توتر ، فحاول طمأنتي بابتسامة خافتة ، سرعان ما تلاشت على شفتيه ، وهو يقول : “هذه الرسالة بعثها إليّ شخص لا أعرفه…” زاد الطينَ بلةً بقوله هذا… فذهبَتْ بيَ الأفكار شذَر مدَر ، وخشيت أن يكون في الأمر خطر… نظرت إليه أستعجله التكملة… وكدت أرشقه بالعبارة المصرية المشهورة “هاتِ من الآخِر…” لولا أنه واصل حديثه : “هو رجل تعليم ، يعمل في مدينة الخميسات…” وتنفست الصعداء ، وقلت في نفسي : ” الحمد لله ، رجل تعليم يراسل رجل تعليم آخر… الأمر طبيعي إذن ، { فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون }…” استشعرت بعض الاطمئنان ، وترجّلت عن دراجتي ، واقتربت أكثر من محدثي ، كمن وقع في فخ التشويق ، فأصبح كله آذانا مُصْغِية… سألته لأرفع الالتباس عن نفسي ، وأستوضح الأمر جليّا :”وهل لي علاقة بتلك الرسالة؟” فكان جوابه لغزا آخر ، ينضاف إلى لغز الرسالة نفسها… قال :”نعم ، لقد بعث إليّ نسخة من تقرير تفتيشي الأخير …” لم أتمالك نفسي من الضحك… لو قالها شخص آخر غير الأستاذ س. لقلت إنه يتخذني هزؤا … لكن الأمر جدّ ، ولا هزل فيه… تساءلت مستغربا :”ومن أين له بتلك النسخة؟” قال : “ذلك ما حيّرني فعلا… ماذا تفعل نسخة من تقرير التفتيش الخاص بي في مدينة الخميسات؟…” قلت مستغربا : “وكيف حصل عليها؟ هل سُلِّمت له خطأ في مؤسسته؟” قال : “لو حدث ذلك ، لقلنا وقع خطأ في عنوان الإرسال ، وتفهّمنا الأمر…” تساءلت في حيرة : “ألم يخبرك في الرسالة ، عن مصدر النسخة؟”… أجاب والحسرة تملأ نبرة صوته : ” بلى ، بائع الفواكه الجافة ( “مول الزريعة” ) القريب من حيه هو الذي لفَّ له فيها بعض مشترياته… فاستعان بالمعطيات الموجودة في التقرير من اسم شخصي ، واسم المؤسسة ، والمدينة ، فأخذته الغيرة على المهنة ورجالها ، وبعثها إليّ عبر البريد…” دُهِشت لِما سمعت ، وتملّكني الغضب الشديد ، واستغربت أن تصل الأمور ، في بلدنا ، إلى هذا الحد من الاستهتار بوثيقة رسمية ، يُفترَض فيها السرية التامة ؛ لِما تشتمل عليه من معلومات شخصية ، ومعطيات مهنية ، ترتبط بعمل الأستاذ ، ومساره الإداري والتربوي… كيف يُعقَل أن تُترَك هذه الوثيقة في متناول العموم ، وبين أيدي من هبّ ودبّ ، دون مراعاة لحرمة الأستاذ ، وشرف المؤسسة التي يعمل فيها ، وكرامة الوزارة التي ينتمي إليها؟ هل وصلت هيبة المدرس إلى هذا المستوى من الاحتقار ، تُلَفُّ في وثائقه الشخصية بضائعُ وسلعٌ يقتنيها كل من يتردد على الأسواق ، أو تغدو مطروحة في الطريق ، يدوسها المارة ، وعابرو السبيل؟؟؟ لقد هزُلت فعلا…
أدركت الآن سر الغضب الذي كان طافحا فوق محيا الأستاذ س. عندما استوقفني ، وتفهّمت ما كان يشعر به من خزي وعار ، مثل شخص جرِّد من كل ما يحفظ آدميته… كنت معنيا مثله تماما ، فنسخة التقرير تحمل اسمي أيضا ، وصفتي المهنية ، وتوقيعي ، وملاحظاتي ، وتقويمي للأستاذ ، والنقطة التي منحته إياها… ومدير المؤسسة أيضا معنيّ ؛ لأن توقيعه المفتوح والمغلق مثبتان على التقرير ، وكذا نائب الوزارة… لقد كان مُحِقّا عندما استوقفني ، ليخبرني بهذه النازلة… فمن حقه الاحتجاج والاستنكار… أُصِبْتُ بالذهول ؛ لأنني شعرت أن كل العمل الذي نقوم به ، والتضحيات التي نتجشمها في سبيل ذلك تذهب أدراج الرياح ، وأن ما نقوم به من زيارات ، وندبِّجه من تقارير ، تنتهي بين أيدٍ غير أمينة ، لا تُقدِّر قيمتها ، ولا تعرف ما تعنيه للأستاذ والمراقب التربوي… ودّعني الأستاذ س. وتركني في حيرة من أمري… كنت كالمصعوق… كيف حدث هذا؟ ولماذا مدينة الخميسات بالذات ، وليس الرباط أو مكناس أو طنجة ، أو ورززات ، أو تاونات أو غيرها من المدن الكثيرة؟ واصلت سيري في اتجاه مكتب العمل ، وقد أخذَتْ عليّ هذه المسألة كل تفكيري… ما أعرفه أن المراقب التربوي بعد تحرير تقرير الزيارة أو التفتيش ، يُرسِل إلى المؤسسة التي زارها ـ عن طريق النيابة ـ سبعَ نسخ ، ليوقعها الأستاذ المعنيّ كاملة ، فيسلمه المدير نسخة ، ويحتفظ بنسخة في ملفه بالإدارة ، ثم يعيد النسخ الباقية إلى النيابة ، فتحتفظ بنسخة في ملف الأستاذ لديها ، ويحتفظ المراقب التربوي أيضا بنسخة في ملف الأستاذ لديه ، وتُبعَث النسخُ المتبقية للوزارة… هذا هو المسار الإداري الذي يتخذه التقرير ، فكيف انتقل من الوزارة إلى بائع “الزريعة” في الخميسات؟ وهل وصلته نسخة الأستاذ س. وحدها ، أم تحصّل على نسخ أخرى لأساتيذ آخرين ، لفَّ فيها بضاعته لزبنائه الذين اقتنوا مع مشترياتهم أسرارا أصبحت متفشية بين الناس ، بعد أن كنا نحسب أنها مصونة ، وستبقى طيَّ الكتمان؟؟ وكم من رجل تعليم حزّ في نفسه أن يقع تقرير زميل له بين يديه بذلك الشكل المهين ، فتجشّم مشقة إرساله إليه؟ الله وحده أعلم…
في المكتب رويت النازلة لزملائي ، فاستغرب بعضهم ذلك واستنكره ، بينما اعتبره البعض الآخر عاديا ، في ظل ما تعرفه دهاليز الوزارة من تسيّب ، وانعدام روح المسؤولية ، وغياب الضمير المهني لدى بعض الموظفين والأعوان… وتشعّب النقاش حين تساءلت عن الإجراء الواجب اتخاذه ، فتباينت الآراء ، بين الاكتفاء برفع تقرير إلى النائب الإقليمي ، وقسم البرامج والمناهج في الوزارة ، وحق الأستاذ في رفع دعوى قضائية ضد الوزارة… ولم يتحمّس الكثيرون لهذا الإجراء الأخير ؛ لما يحتاجه من إثباتات ، وشهود ، وما تعرفه المساطر القضائية ، في الغالب ، من بطء وتماطل… لكن السؤال الذي ظل يحيّرني وطرحته على زملائي هو : “لماذا الخميسات بالذات؟” أجابني أحد العارفين بخبايا الوزارة ، جوابا لم أجد غيره لتفسير هذه الواقعة… قال : “إن وزيرا أسبقَ للتعليم ينحدر من مدينة الخميسات ، وظّف في عهده عددا كبيرا من الأعوان في وزارته… ولا يُستبعَد أن يكون أحد هؤلاء يتاجر في أطنان الورق التي تتكدس في الوزارة ، قادمة من كل أقاليم المملكة…” قلت : “لكن المفروض أن يتم حرق هذه الأوراق ، بعد أن تكون قد استنفدت المدة الزمنية المحددة لها… فتقرير صاحبنا لا يزال حديث العهد ، ولم تكد تمر عليه سنة واحدة… بل هو الجشع ، والاستهتار بالمسؤولية ، وغياب الضمير المهني…” رفعت تقريرا عن النازلة إلى الجهات المعنية في النيابة ، وفي الوزارة… ولم أنتظر جوابا ، بل كنت أنتظر أن يحمل إليّ ساعي البريد ، في يوم من الأيام ، نسخة من ذلك التقرير ، لو تفضل المدرس الغيور في الخميسات ، بتكثيف زياراته لبائع الفواكه الجافة ( “مول الزريعة” ) في حيه ، لعله يصادف نسخة منه ، وقد لُفّت فيها حفنة من البندق ، أو الحمص…
حين صادفت الأستاذ س. بعد ذلك ، أخبرته بالتفسير الذي أعطاني إياه زميلي ، فحَوْقَلْنا معا ، واعتبرنا الواقعة مقيّدة ضد مجهول…

بقلم :المصطفى السهلي
الصورة تعبيرية.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.