اليوم الأربعاء 26 سبتمبر 2018 - 12:45 صباحًا
أخبار اليوم
” بناء الأبناء ذكاء و عاطفة ” محور الندوة العلمية بمجموعة مدارس بنوني            حقَّق علماء في اليابان مؤخراً تقدماً في سعيهم إلى القضاء على العقم            الانسان بين سلطة التقنية وأزمة القيم”            انقطاع التيار الكهربائي عن كامل مدينة تارودانت عشية الأحد ألا يدفع للتفكير في بدائل أخرى ؟            تارودانت :عامل صاحب الجلالة يتفقد مجموعة من المشاريع التنموية بجماعة املمايس .            لا يفوتك سيدتي .. ماسك العسل والشوفان للعناية بالبشرة قبل النوم            بيان التضامن الجامعي المغربي حول الدخول المدرسي            مدرسة علوم المهندس تمثل المغرب في ملتقى اسطنبول الدولي للاختراعات            المنظمة المغربية للاغاثة والانقاذ بسيدي موسى الحمري تنظم دورات تكوينية في الإسعافات الأولية            المجلس الجماعي لتارودانت يعقد دورته العادية لشهر أكتوبر وهذا جدول أعمالها           

نكسةُ النُخَبِ العربيةِ ونهضةُ القيمِ الغربيةِ

أخر تحديث : الخميس 12 يوليو 2018 - 11:14 مساءً
تارودانت نيوز - د. مصطفى يوسف اللداوي | بتاريخ 12 يوليو, 2018

في الوقت الذي تتهاوى فيه بقصدٍ الحصونُ العربية، وتسقط قلاعها الفكرية، وتنهار منظوماتها الثقافية، وتتراجع موروثاتها القومية، وتتشوه قيمها الوطنية، وتُدنس مقدساتها الدينية، ويُعتدى على تاريخها العريق، ويُساء إلى حضارتها العظيمة، ويُنسب إليها ما ليس فيها، ويُنزع الأصيل منها، وينقلب قادتها على سيرتها المجيدة، وتتآمر حكوماتها على مقاومتها التليدة، ويرهنون مستقبل شعوبهم، ويقامرون بخيرات بلادهم، ويفرطون بسيادة أوطانهم، إذ يهادنون عدوهم، ويسالمون من اعتاد أن يعتدي عليهم، ويستعدون من كان نصيراً لهم وجندياً معهم، يهب لنجدتهم ويقاتل نيابةً عنهم.

وفي الوقت الذي يُفسح فيه المجال للمارقين والمندسين، والمتخاذلين والمتواطئين، والمتفلسفين والمتفيقهين، والثرثارين والمتشدقين، أشباه المثقفين وأساطين الجهالة، حملة الأسفار كالحمير على ظهورهم، ناقصي العقول كسفائهم، ضحلةِ الفكر وسطحيي العقل، ذوي الأصوات العالية والأشداق الكبيرة، باعة الضمائر ومؤجري العقول لمن يدفع أكثر، الذين ساخت أقدامهم في الرمال، وغاصت أقلامهم في الأوحال، ونشأوا على الرذيلة الفكرية وتشربوا الخيانة الوطنية، وزوروا الحقائق وشوهوا الوقائع، وتطاولوا على قيم الأمة وموروثاتها، ودعوا إلى التخلي عن حقوقها وأملاكها، وشجعوا على التنازل عن ثوابتها ومعتقداتها، فخطت أقلامهم سموماً، ونطقت ألسنتهم كفراً، ونشرت وسائل إعلامهم زندقةً فكرية ورِدَّةً قوميةً.

في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها أمتنا وكأنها في آخر الزمان، حيث انقلبت المفاهيم وتغيرت القناعات وتبدلت القيم، سمت قاماتٌ فكرية غربية، وتميزت جماعاتٌ أوروبية وأخرى دولية، رسمية وشعبية، ونقابية ومهنية، ممن لا ينطقون بلساننا، ولا يدينون بديننا، ولا يعيشون في بلادنا، ولكنهم آمنوا بحق الفلسطينيين في وطنهم، وأيدوا نضالهم في سبيل حريتهم، ووقفوا إلى جانبهم من أجل استعادة حقوقهم وتحقيق غايتهم وإقامة دولتهم، وتكبدوا في سبيل ذلك المشاق، وتحملوا الصعاب، وضحى بعضهم بحياته، وتنازل غيرهم عن حقوقه وامتيازاته، انسجاماً مع معتقداتهم الإنسانية، ومفاهيمهم الحقوقية.

أمس صَوَّتَ البرلمان الايرلندي، وهي الدولة الغربية العضو في الاتحاد الأوروبي، ضد استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، وفرضت جمهورية إيرلندا مقاطعة رسميةً على جميع منتجات المستوطنات، ولم يعبأ مجلس الشيوخ بالتهديدات الإسرائيلية، ولم تصغِ الحكومة رغم معارضتها إلى سياسة جارتها بريطانيا، ولم تخضع للضغوط الإسرائيلية عليها، إذ استدعت الخارجية الإسرائيلية سفيرة إيرلندا، ونقلت إليها غضب الحكومة واستنكارها لقرار البرلمان، الذي اعتبر المستوطنات الإسرائيلية كيانات غير شرعية، واستنكر مصادرة أراضي الفلسطينيين ودان بناء مستوطناتٍ عليها، ودعا إلى تفكيكها وإعادة الأراضي إلى أصحابها.

وسبق إيرلندا في ظل السقوط العربي النخبوي المريع، مواقفٌ غربية متقدمة، وحركاتٌ أوروبية مؤثرة، ولعل في المقدمة منها حركة المقاطعة الدولية BDS ، التي أقضت مضاجع الكيان الصهيوني، وكبدته خسائر حقيقية، وأحرجته وَعرَّته، وكشفت أوراقه وأظهرت عيوبه وعددت مخازيه، حتى باتت الحكومة الإسرائيلية تشكو قادة هذه الحركة ورموزها إلى بلدانهم، وتطالب حكوماتهم بالضغط عليهم ومنعهم من المضي في مشاريعهم، إذ تضرر الاقتصاد الإسرائيلي، وعانت الشركات، واشتكت الجامعات، وشارك في المقاطعة قطاعٌ كبيرٌ من المثقفين وأساتذة الجامعات، وفنانون ومغنون ورياضيون، وأطباء ومهندسون وغيرهم.

لا أورد هنا أسماء المقاطعين الدوليين، ولا أصحاب المواقف الرائدة منهم، فهم أكثر من أن يحصيهم كاتب، أو أن يأتي على ذكرهم مقال واحد، لكن منهم المغنية النيوزلندية لورد تلغي احتفالاتها الفنية في الكيان الصهيوني، واللاعب الأرجنتيني ميسي رفض إجراء مباراةٍ ودية مع المنتخب الإسرائيلي داخل فلسطين المحتلة، وامتنع أكثر من عشرين نجماً عالمياً عن تلقي جوائز أوسكار إسرائيلية، ورفض عشرات المطربين والمطربات عقد حفلاتٍ غنائية في الكيان الصهيوني رغم المغريات الكبيرة، والهدايا والبدلات التي كانت تنتظرهم.

لا يتردد المقاطعون من كبار الفنانين والمطربين والمثقفين من الإعلان عن أن سبب مقاطعتهم لأي فعالية لهم في الكيان الصهيوني، إنما هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ومصادرة حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ومنعه من تأسيس دولته، فضلاً عن جريمة محاصرته وتجويعه، واعتقال أبنائه وقتل أهله، وإعلان الحرب عليهم من وقتٍ لآخر، كما لا يترددون في وصف الكيان الصهيوني بأنه كيانٌ عنصري بغيظ، وأنه سلطة احتلالٍ غاشمةٍ، وأنه أبعد ما يكون عن الحضارة والديمقراطية، وآخر من يدعي احترامه لحقوق الإنسان، أو التزامه بالعهود والمواثيق الدولية.

ضاقت الحكومة الإسرائيلية ذرعاً بهذه الأصوات الحرة، ولم تستطع أن تحتمل المواقف الجريئة، ولا أن تسكت عن الانتقادات العلنية لها، ولم تقبل بحراكهم العالمي وفعالياتهم الدائمة، التي سببت لها الكثير من الحرج، وأدت إلى تعريض صورتها للتشويه والإساءة، فحاولت إسكات أصحاب هذه المواقف بالقوة حيناً وبالترغيب تارةً أخرى، حيث اتهموهم عندما لم تنفع الإغراءات والوعود، بأنهم يعادون السامية ويكرهون اليهود، وأنهم يؤيدون من يدعو إلى إبادتهم واستئصالهم، وشطبهم كدولة وهوية من الوجود.

لعلنا نحن العرب نشعر بالخجل مما يقوم به هؤلاء النشطاء الغربيون، الذين سبقوا الكثير من العرب، وقدموا أكثر منهم، وكانوا أجرأ وأقوى، وأكثر عطاءً وأوضح موقفاً، وأخلص نيةً وأصفى قلباً، إذ أنهم كشفوا عورتنا وأبانوا سوءتنا، وما نافقوا الكيان الصهيوني ولا خافوا منه، ولا خضعوا له ولا قبلوا أن يعملوا معه، ولا رضوا أن يزينوا صورته ولا أن يحسنوا مظهره، فلهؤلاء جميعاً كل تحية وتقدير، فشكراً لهم باسمنا نحن الفلسطينيين، وباسم كل العرب الشرفاء الذين يؤيدونهم في مواقفهم، ويشجعونهم على المزيد منها.

باسم هؤلاء الصادقين الأحرار، نقول للعرب المهرولين بضعفٍ، والمطبعين بذل، والخانعين بخوفٍ، والحالمين بخرفٍ، والكتبة بأجر، والمتطلعين كما العبيد إلى كسب، والهاربين من المواجهة بجبنٍ، تعساً لكم وأضل أعمالكم، فهذا عدونا وعدوكم، قد نَصَّ عليه ربكم عز وجل في كتابه الخالد، وأبان حقيقتهم بصريح القول في آياته البينات، أنهم أشد الناس عداوةً لنا، فلا خير فيهم يُرتجى، ولا سلاماً معهم يُبتغى، ولا أمناً منهم نأمل، ولا غدر منهم يُؤمن، فهل نعي ذلك وندركه.

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
بيروت في 12/7/2018

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.