اليوم الأربعاء 14 نوفمبر 2018 - 5:08 مساءً
أخبار اليوم
صدر من تارودانت : “التجارة في وادي نون خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين”            المرصد المغربي لنبذ الإرهاب والتطرف يدين ويشجب اهانة وتدنيس العلم الوطني            المديرية الإقليمية تارودانت : الدورة 54 للبطولة الإقليمية للعدو الريفي المدرسي            عماد التطواني فنان مطرب يشقّ طريقه نحو النجاح            القصة القصيرة جدا 1 – قراءة في (ليالي الأعشى)            ورزازات.. الدرك الملكي بإغرم نوكدال يلقي القبض على 6 عناصر قاموا بالسطو على 65 رأسا من الماعز            فلسطينُ ضحيةُ الحربِ العالميةِ الأولى            الاتحاد الوطني للمتصرفين المغاربة يواصل برنامجه النضالي بتأكيد الدعوة لخوض إضراب وطني عن العمل يومي 14 و15 نونبر 2018            تارودانت.. ارتفاع حقينة سد المختار السوسي بأوزيوة يبشر بموسم فلاحي جيد            جمعية تيمدوكال الحي، تارودانت تواصل مشاركتها الفعالة على الصعيد الوطني.           

البرامج الحوارية وبثّ القيم

أخر تحديث : الخميس 13 سبتمبر 2018 - 9:52 مساءً
تارودانت نيوز - محمد عرفات حجازي | بتاريخ 13 سبتمبر, 2018

تقوم وسائل الإعلام بإضفاء المكانة والقوة على بعض الأفراد والجماعات، من خلال التركيز الإعلامي عليهم، وإكسابهم الشهرة، مما يمنحهم قدرًا من السلطة والنفوذ والتفرّد على غالبية الناس، ويصبح سلوك مثل هؤلاء الأشخاص ذا دلالة بالغة على عامة الناس، وبالتالي تصبح لديهم سطوة في مجال دعم أو تغيير القيم الاجتماعية وحتى رفضها.
تُعرف البرامج الحوارية بأنها طرح لبحث موضوع معين، وتناوله من جميع الجوانب، ويمكن ألا ينتهي الحوار إلى حل أو استنتاج أخير، ويُترك الموضوع مفتوحًا للمشاهدين، فينتهوا إلى آرائهم الخاصة على أساس الحقائق والآراء التي تُعرض أثناء المناقشة. أو أنها إبراز حياة شخصية وخبراتها، من خلال استضافة عدد من الشخصيات العامة أو المتخصصة، بشكل يؤثر على تنمية قدرات الأفراد على التحليل والاستدلال، وتحرير الإنسان من الانغلاق والانعزالية، وتفتح له قنوات للتواصل، يكتسب من خلالها المزيد من الوعي والمعرفة.
وقد ازدادت أهمية البرامج الحوارية في الفضائيات العربية الحكومية والخاصة، وأصبحت تمثل لسان حال الشارع العربي، ومع زيادة عدد القنوات الفضائية، تنوعت البرامج الحوارية وتعددت، وأصبحت تشغل حيزًا كبيرًا من يوميات المواطن العربي؛ ومن ثم اتسع نطاقها على الفرد والمجتمع.
من إيجابيات البرامج الحوارية: إمداد الفرد بالمعلومات عن الأحداث الجارية ومختلف القضايا. طرح مختلف الآراء ووجهات النظر تجاه مختلف القضايا والأحداث، وذلك من خلال الخبراء والمتخصصين في الموضوع محور النقاش، مما يساعد على تشكيل الرأي العام في المجتمع. تُعدّ منبرًا يقوم من خلاله الأفراد بالتعبير عن آرائهم ومشكلاتهم، وإيصال صوتهم للمسئولين. الكشف عن السلبيات داخل المجتمع، بما يعمل على تنوير الرأي العام والمسئولين، ومساعدتهم في إيجاد الحلول لها.
أما عن السلبيات، فأهمها: إبراز بعض القضايا وإعطائها قدرًا كبيرًا من الأهمية على حساب قضايا أخرى أكثر أهمية، وذلك بهدف الإثارة. الاعتماد في بعض البرامج على مقدمي برامج غير مؤهلين إعلاميًا. عدم التزام بعض الضيوف بآداب وقواعد الحوار أحيانًا، وتدنّي مستوى الحوار، وتحوّل البرنامج إلى ساحة للعراك فيما بين الضيوف، مما يؤدي إلى انصراف المشاهد عن المتابعة. اتجاه بعض البرامج إلى إلهاء المشاهد في خلافات شخصية وأشياء عبثية لا تفيده… إلخ.
وعن دور البرامج الحوارية في نشر القيم، كتب عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (1925ـ 2017م) تحت عنوان: “لا تأمرني بعد الآن! أرني نموذجًا أقلّده!” قائلًا: أن أعظم الناصحين نجاحًا هو الذي يعي أن ما يبتغيه طالبو النصيحة إنما هو درس عملي؛ فعندما ينظر المرء إلى تجارب الآخرين، ويرى محاولاتهم وبلاياهم، يأمل بأن يكتشف ويحدد أسباب شقائه، ويسميها بأسمائها، ومن ثم يدرك أين يبحث عن طرق يقاوم بها هذه الأسباب أو يقضي عليها.
وأضاف، إن سلطة الشخص الذي يشارك الناس قصة حياته ربما تلفت انتباه المشاهدين إلى النموذج، ويرتفع عدد المشاهدين بضعة آلاف، بيد أن غياب سلطة راوي القصة، أي كونه من غير المشاهير، ربما تجعل النموذج أيسر في الاتباع، ومن ثم ربما يكون لها إضافتها الخاصة.
إن البرامج الحوارية، كما ذهب باومان، دروس عملية عامة بلغة لم تُولد بعد، ولكن على وشك أن تُولد. إنها تعرض الكلمات التي ربما تُستخدم في “تسمية المشكلة” ـ في التعبير، بلغة يفهمها الجميع، عما كان يعجز عنه الوصف حتى الآن، وربما ظل هكذا لولا هذا العرض. وثمة مكاسب أخرى، وهي إن البرامج الحوارية تُضفي شرعية على الخطاب العام حول الأمور الخاصة. إنها تجعل الأمور التي لا يمكن الحديث عنها قابلة للحديث عنها، والأمور المُخزية مُشرّفة، إنها إلى حدّ كبير جدًا طقوس لطرد الأرواح الشريرة، وهي تنجح في ذلك تمامًا. وما دام اعتراف المرء لم يعد سرًا، فهو يكسب أكثر من مجرد راحة الإحلال من الذنب، ولا داعي بعد ذلك للشعور بالخزي أو القلق من تهجّم الناس أو توبيخهم.
إن مشكلات الآخرين الخاصة، وكذلك مشكلاتنا المشابهة لها، صالحة للنقاش العام. وهذا لا يعني تحولها إلى قضايا عامة، ومهما طال الوقت الذي تستغرقه في النقاش، فإن طبعها الخاص يُعاد تأكيده، وتخرج من العرض العام وطبعها الخاص أقوى وأشد.
هذا وتدفع ظروف الحياة التي نحن بصددها ـ الرجال والنساء، إلى البحث عن نماذج لا عن قادة. إنها تجعلهم ينتظرون من المشاهير، جميعهم، وأي واحد منهم، أن يدلّوهم على طريق إنجاز “الأمور المهمة”، تلك الأمور التي ما زالت حبيسة الجدران الأربعة التي يعيشون داخلها. فهم يُقال لهم كل يوم: أن مشكلة حياتهم تكمن في أخطائهم، وأن العيب فيهم، وأنه ينبغي إصلاحها بأدواتهم وجهودهم الخاصة. فلا عجب إذا وجدوا أن توضيح طريقة التعامل مع الأمور هي النفع الأساس، وربما الوحيد، لمن يدّعون أنهم “أهل العلم والخبرة”، فلا غرابة إذًا أن يجد الناس فيما يفعله المشاهير، في حياتهم الخاصة، أمورًا تجذب الانتباه وتثير الاهتمام.
وفي هذا السياق العام، توصلت العديد من الدراسات الأكاديمية والبحوث الميدانية إلى وجود علاقة بين مشاهدة البرامج والاستفادة منها، وتتوقف درجة الاستفادة على مدى انتباه الجمهور للبرنامج أثناء مشاهدته، وهو ما يدعم أحد فروض نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام، والذي ينصّ على أن: الأفراد في المجتمع الحديث يعتمدون بصورة متزايدة على المعلومات المستمدّة من وسائل الإعلام، لإمدادهم بالمعلومات، والتوجيه فيما يتعلق بما يحدث في مجتمعهم. أيضًا، أكدت الدراسات أن الموضوعات التي تركز عليها البرامج الحوارية تستحوذ على انتباه المشاهد، ويزداد تركيزه كلما تعرّض لها، وهو ما يدعم الفرضية الأساسية لنظرية الغرس الثقافي، والتي تقوم على تصوّر علاقة إيجابية بين تعرّض الجمهور لمضمون وسائل الإعلام وبين غرس وتشكيل أفكار واتجاهات يعكسها هذا المضمون. إضافة إلى ذلك، أشارت كثير من الدراسات إلى أن البرامج الحوارية تأتي في مقدمة المصادر التي يحصل الشباب من خلالها على معلومات عن مشكلات المجتمع العربي. وأن تلك البرامج تقوم بدور هام في تشكيل الرأي العام.
ومن منظور فني، قدمت السينما العربية المصرية فيلم “احكي يا شهرزاد” والذي يتقاطع مع الفضاء العام لبحثنا الحالي.
الفيلم من تأليف وحيد حامد، وإخراج يسري نصر الله، وبطولة منى زكي، وحسن الرداد، ومحمود حميدة، وسوسن بدر، ومحمد رمضان. يتناول الفيلم عددًا من القصص لنساء يخضعن لحالة من القهر النفسي، أو الجنسي، أو الاجتماعي التي تعبر عن حالة من التناقض أو الازدواجية في المجتمع. وتدور قصته حول “هبة يونس” المذيعة الناجحة، وزوجها “كريم” نائب رئيس تحرير جريدة قومية، والذي يسعى لأن يكون رئيسًا لتحرير الجريدة بفضل التغييرات المتوقعة في الصحافة القومية، ولأجل ذلك، يتعرض لضغوط قوية، كي يجعل زوجته تكفّ عن إثارة الموضوعات المحرجة للحكومة في برنامجها “نهاية المساء بداية الصباح”. وفي محاولة لإنقاذ حياتها الزوجية، تبدأ “هبة” سلسلة من الحلقات عن قضايا المرأة، وبرغم إدراكها أن قضايا المرأة في جوهرها قضايا سياسية، إلا أنها لم تكن تتخيل إلى أي مدى يمكن أن تتقاطع أزمتها الخاصة مع أزمة “أماني” ـ العانس المتباهية بعنوستها، نزيلة المصحة النفسية. أو “صفاء”، التي قضت عقوبة طويلة في السجن لارتكابها جريمة قتل بعد أن فقدت عذريتها وأختاها مع زير النساء ـ الشاب الذي كان عاملًا عندهم. أو الدكتورة “ناهد”، التي أجهضت نفسها بعد حملها من زوجها ـ صائد العوانس، قبل الدخلة، واعتُقلت في وقفة احجتاجية فردية أرادت فيها فضح الرجل الذي خدعها.
ومن خلال الطرح العام للفيلم، واستضافته عددًا من النساء لعرض قصصهن المأساوية بالتفصيل أمام الرأي العام، يمكننا اعتباره نموذجًا يُحتذى، عن طريق تجنّب أخطاء ضيفات البرنامج اللاتي شاركن بالظهور وعرض قصصهن.
وختامًا، فنظرًا لزيادة التأثيرات المعرفية والوجدانية والسلوكية لوسائل الإعلام على الأفراد، كلما زاد اعتمادهم على هذه الوسائل في استقاء المعلومات، نقترح عددًا من النقاط لتحسين أداء تلك البرامج، وأهمها: النزاهة والصدق. الاعتماد على المتخصصين والخبراء في مجال القضايا التي تُطرح للنقاش، انطلاقًا من المسئولية المهنية. مراعاة المسئولية المهنية في معالجة القضايا بطرحها بدون إثارة إعلامية. لا بد أن يناسب مضمون تلك البرامج ـ الأطفال. العمل على نشر التوعية المجتمعية من خلال ربط الجمهور بالقضايا الرئيسية في المجتمع. إبراز جوانب المجتمع الإيجابية وعدم الاقتصار على السلبيات فقط، أو العكس، فضلًا عن تناول القيم التي تدعم الانتماء للمجتمع. ضرورة الاهتمام بتلك البرامج من قِبل القائمين عليها من جميع الجوانب الفنية بدءًا بإعدادها وإنتاجها، ومرورًا بأساليب تقديمها ومقدميها، وانتهاءً بإخراجها. إنتاج برامج حوارية قادرة على التصدي للهجمات الإعلامية الاجتماعية والأخلاقية الخارجية.. حتى تعمل تلك البرامج، بعمق، على بث القيم وغرسها.

المصدر :محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر/صحيفة المثقف

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.