اليوم الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 - 4:18 مساءً
أخبار اليوم
المديرية الإقليمية تارودانت : الدورة 54 للبطولة الإقليمية للعدو الريفي المدرسي            عماد التطواني فنان مطرب يشقّ طريقه نحو النجاح            القصة القصيرة جدا 1 – قراءة في (ليالي الأعشى)            ورزازات.. الدرك الملكي بإغرم نوكدال يلقي القبض على 6 عناصر قاموا بالسطو على 65 رأسا من الماعز            فلسطينُ ضحيةُ الحربِ العالميةِ الأولى            الاتحاد الوطني للمتصرفين المغاربة يواصل برنامجه النضالي بتأكيد الدعوة لخوض إضراب وطني عن العمل يومي 14 و15 نونبر 2018            تارودانت.. ارتفاع حقينة سد المختار السوسي بأوزيوة يبشر بموسم فلاحي جيد            جمعية تيمدوكال الحي، تارودانت تواصل مشاركتها الفعالة على الصعيد الوطني.            تارودانت : ” المجتمع المدني ورهانات التنمية بالإقليم في اطار الديمقراطية التشاركية ” محور ملتقى هيئات المجتمع المدني بتالوين            فوز العدائة سلمى بلقايد بسباق الجائزة الكبرى لمدينة أكادير           

 

 

أضيف في : الخميس 1 نوفمبر 2018 - 12:16 صباحًا

 

مذكرات مراقب تربوي : 11 ـ في رحاب التعليم الأصيل.

مذكرات مراقب تربوي : 11 ـ في رحاب التعليم الأصيل.
بتاريخ 1 نوفمبر, 2018

تزامن إسناد ثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل إليّ ، مع الشروع في تكوين لجان ، على المستوى المركزي ؛ لتأليف كتب خاصة بهذا النوع من التعليم ، إذ لم تكن له كتب مستقلة ، بل كان الأساتيذ يعتمدون في تدريسهم على مراجع ومصادر مختلفة ، وأحيانا ينطلقون من نصوص متفرقة ، تزيد من عبء الأستاذ ، الذي يُضطرّ أحيانا إلى استنساخها ، وتوزيعها على التلاميذ ، أو الاستعانة بكتب مدرسية وُضِعت أساسا لشُعَب التعليم العصري… ويزداد العبء مَشقّة إذا علمنا أن المواد التي يَدرسُها تلاميذ التعليم الأصيل ، تتوزع بين الأدب والشريعة وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وعَروض وغيرها… ولذلك لم يكن يخلو تقرير من تقارير المجالس التعليمية ، أو الندوات التربوية ، أو الدروس التجريبية من ملتمس يدعو إلى التعجيل بوضع كتب مدرسية خاصة بشعَب هذا التعليم ، سواء أتعلق الأمر باللغة العربية ، أم بغيرها من التخصصات الأخرى… وكانت للتعليم الأصيل مديرية تابعة لوزارة التربية والتعليم ، تتولى شؤونه ، وتحظى بعناية خاصة من الجهات الرسمية ؛ لِما لمديرها من اعتبار وحظوة ، حتى كادت هذه المديرية تصبح وزارة داخل الوزارة ، تستقل بقراراتها ، وتنفرد بميزانيتها ، وتتميّز بخصوصياتها…
تشكلت لجان التأليف من مفتشين مركزيين ، ومفتشي المقاطعات ، وبعض أساتذة المواد المدروسة في مختلف شعب هذا التعليم… وتم إلحاقي بلجنة تأليف كتب اللغة العربية ، التي كانت أشغالها قد انطلقت من قبل ، وتشمل مادة النصوص الأدبية ، ومادة البلاغة ، ومادة النحو ، بشكل يجعل هذه المواد يستقل بعضها عن بعض ، عكس التوجه الذي كان سائدا في تأليف كتب التعليم العصري ، الذي ينطلق من كون اللغة العربية وحدة تتكامل مكوناتها ، ويجب أن يضمها كتاب واحد… ويبدو أن هذا الفصل بين المواد كان متأصلا في ثانوية التعليم الأصيل التي أُسنِدت إليّ ، حيث كان الأستاذ يُدرِّس مادة النحو فقط ، أو البلاغة وحدها ، أو النصوص الأدبية والمؤلفات ، بمعزل عن غيرهما من المواد الأخرى… ولم يكن من السهل تغيير هذه الوضعية ، بحيث يصبح الأستاذ مدرسا للغة العربية في وحدتها المتكاملة ، على غرار ما هو معمول به في الشق الآخر من التعليم… فكان من الضروري أن أطالب إدارة الثانوية بوضع جداول حصص ، تراعي هذا المبدأ التربوي في إسناد المستويات إلى الأساتيذ… ولم يكن من السهل إقناع البعض منهم بهذا التغيير ؛ لأنه سيَضطرّهم إلى مزيد من الجهد ، بعد أن استمرؤوا السهولة التي كان يمنحها لهم تدريس مادة واحدة ، معزولة كليا عن غيرها من المواد الأخرى المكوِّنة لوحدة اللغة العربية… كما أن التلاميذ لم يكونوا على القدر نفسه من الوعي التربوي ، بحيث يربطون ، بشكل وظيفي ، بين علوم الآلة التي يدرسونها ، باعتبارها مواد مستقلة ، والنصوص الأدبية التي تشكل المجال الخصب لتطبيق قوانين تلك العلوم وقواعدها…
كان يتم استدعاؤنا إلى الرباط ، بين الفينة والأخرى ، لحضور أشغال هذه اللجان… وكان المشاركون يأتون من كل الجهات التي توجد فيها مؤسسات للتعليم الأصيل… كنا نشد الرحال إلى العاصمة بمختلف وسائل النقل ، بالسيارات ، أو بالحافلات… كنا نستقل الحافلة من تارودانت عند التاسعة ليلا ، ونصل إلى الرباط في حدود السابعة صباحا ، ونكون مستعدين للعمل الساعة الثامنة والنصف… وكالعادة في مثل هذه اللقاءات ، كان البعيدون أول من يحضر… فكان علينا أن ننتظر وصول المسؤولين المركزيين ، مثقلين بمسؤولياتهم الجسيمة ، ومحمولين على صهوات سيارات الخدمة ، حتى حدود التاسعة والنصف أو العاشرة ، فيفتتحون الأشغال ، ويرشقوننا بما لذ وطاب من توجيهات وتعليمات ، ثم ينسحبون مطمئنين إلى مكاتبهم ، أو مقرات عملهم في الوزارة ، أو إلى شؤونهم الخاصة… ولا نتشرف بطلعاتهم البهية مرة أخرى ، إلا في جلسة اختتام أشغال اللجان ، حيث يتفضلون ـ إذا سمحت لهم انشغالاتهم الكثيرة ، ومسؤولياتهم الجسيمة ـ بالاستماع إلى مختلف التقارير عن الأشغال المنجزة ، وما يُرتقب إنجازه استقبالا… كانت الأشغال في كل مرة تدوم يومين أو ثلاثة ، كنا خلالها ننشغل طول النهار بالعمل المتواصل ، ونقضي زُلَفا من الليل في سمر جميل ، تتآلف فيه المجموعات القادمة من مختلف الجهات ، في جلسات تتخللها كؤوس من الشاي الممتاز ، الذي يتناوب على إعداده كل من الأستاذ مرشد ، والأستاذ القاف. وكثيرا ما تتحول تلك الجلسات إلى أمسيات شعرية ، يشارك فيها بعض الحاضرين بما تجود به قرائحهم من قريض ، وتستمر ، في إمتاع ومؤانسة وسمر جميل ، حتى ينتهي الهزيع الأول من الليل…
وفي صباح اليوم الموالي ، وبعد تناول وجبة الفطور ، يتحلق الجميع من جديد ، قبل الالتحاق بقاعات العمل ، حول الأستاذ القاف ، المعروف بين كل من ضمته مرافق مركز التكوين المستمر بالرباط ، بشايه المميز والعجيب ، الذي غالبا ما يُضيف إليه بعض الأعشاب المنسّمة ، مثل القرنفل ، والزعفران ، فينجذب إليه كل من لسعته ريحه ، ويتهافت عليه الموظفون من سائر مكاتب المركز ، ويتسارعون إليه من كل جهاته ، ويتداعون عليه كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، يطلب كل واحد رشفة من كأس ، أو بقية من ثمالة في قعر فنجان… وكثيرا ما رأيت المتأخرين من موظفي المركز يتسللون لواذا ، مهرولين إلى القاعة المعلومة لديهم ، فترى البعض منهم وقد ظفر بكأس من ذلك الشاي ، يتوجه به إلى مكتبه ، يخفيه عن الأنظار كأنه يُهرِّب مادة ممنوعة ، وترى الآخرين يستقطرون الإبريق ، كأنما يستجدونه بضع قطرات من رحيقه الساحر… وكان الموظف محسن معروفا بجرأته ، يبكّر في تلك الأيام قبل ساعة العمل ، يزاحم الحاضرين بالمناكب في مجلسهم ، وينتظر في لهفة أن يجود عليه الأستاذ القاف بكأس ، سرعان ما يمضي بها إلى مكتبه ، وقد لفّها في ورقة حتى لا يثير فضول الموظفين الآخرين… والسر في هذا الإقبال العجيب على ذلك الشاي طريقة تحضيره ، التي لم يألفها سكان العاصمة ، وبعض الجهات الأخرى من المملكة ، وهي الطريقة التي ينفرد بها أهل سوس ، والمناطق الجنوبية… فهم ينتقون الشاي الرفيع ، ويكثرون من حباته في الإبريق ، ويتركونه يغلي على نار هادئة ، وهم يتجاذبون أطراف الحديث ، ولا يتناولونه إلا وقد صار لونه داكنا ، وأقرب إلى المضغ منه إلى الشرب ، كما قال أحد الظرفاء… وأذكر أن احد الحاضرين دبّج في ذلك الشاي قصيدة ، لا أذكر منها ـ مع الأسف ـ إلا مطلعها ، وفيه يقول :
الـشّـايُ عِـنْـدَ الـقـافِ ********** أحْـلـى مِـنَ الـسُّـلافِ.
استمرّت أشغال هذه اللجان عدة سنوات… ولكنني اضطُرِرت إلى الانسحاب منها ، بعد اجتماعات قليلة ؛ لأنني لم أكن مقتنعا بجدوى نتائجها ، بسبب الطريقة المتبعة في تأليف تلك الكتب ، والتي تكرّس الفصل بين المواد المدروسة في اللغة العربية ، وكأنها جزر متباعدة ، لا رابط بينها ، ولا صلة… ولم يكن حدسي بعيدا عن الصواب ، إذ إن كل ما أثمرته هذه الأشغال ، هي جملة دروس ، وُزِّعت هنا وهناك قصد تجريبها ، وإبداء الرأي والملاحظات بشأنها… وهو ما قمنا به ، بالفعل ، خاصة في مادة النصوص الأدبية ، من خلال بعض الدروس التجريبية… وبعد تجميع الملاحظات والاقتراحات ، وإرسالها إلى المديرية ، لم يصل إلى علمي شيء من نتائج تلك المجهودات الجبارة التي بذلتها اللجان في أثناء عملها… ويبدو أن الفكرة ماتت بموت مدير مديرية التعليم الثانوي ، أو ربما صدرت كتب في بعض التخصصات الأخرى ، ثم انتهى كل شيء…
ومن الأمور التي لم تكن محفّزة على عمل تلك اللجان ، ما كان متّبَعا من قِبَل المصالح المركزية من صرف لتعويضات التنقل… فقد كان المسؤولون عنها يعمدون إلى تأخيرها حتى نهاية السنة المالية ، أي الأسبوع الأخير من شهر دجنبر ، حيث يُطلب من المعني بالأمر الحضور عاجلا إلى الرباط لتسلمها ، مع أن قيمتها لا تكاد تغطي نفقات تنقل واحد ، إذ لم تكن تتجاوز مبلغا زهيدا جدا ، لا يناسب في شيء المصاريف التي أنفقها المعني بالأمر في تنقلاته… وكثيرا ما تم الاستغناء عنها ، بسبب ذلك ، فيتحمل المراقب التربوي مصاريف تلك التنقلات ، ويقتطعها من رزق عياله ، وخالص ماله ، علما بأن المديرية أوجدت ميزانية خاصة لكل المصاريف المرتبطة بتلك الملتقيات… لكن سوء التدبير ، والاستهتار بحقوق الغير ، كثيرا ما عرقلا أعمالا ، وحالا دون بلوغ الكثير من المشاريع أهدافها المسطّرة لها…
وعوْدا على بدء ، فقد كان لثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل ، مكانة خاصة في نفسي ؛ لأسباب كثيرة : فهي أقرب ثانوية إلى مقر سكناي. وهي ذات حمولة رمزية خاصة ؛ لأنها نتاج حملة تطوّعية ، أدت إلى تأسيسها في ظروف صعبة ، بمبادرة من جمعية علماء سوس ، وإسهام من أبناء المنطقة ، الذين شاركوا في تشييدها بحماس منقطع النظير ، وبروح وطنية عالية ، وأطلِق عليها يومذاك اسم المعهد الإسلامي بتارودانت. وهي المؤسسة التي أنقذت الكثير من التلاميذ المطرودين من التعليم العصري ، ومنحتهم فرصة أخرى للنجاح ، فتمّ لهم ذلك بالفعل. وهي المؤسسة التي كانت تستقبل العديد من طلبة المدارس العتيقة ، وتدمجهم في فصولها ، بغض النظر عن أعمارهم ، حتى إنني سمعت أن قسما واحدا اجتمع فيه والد وما ولد. وهي المؤسسة التي تخرّج فيها عدد كبير من الأطر العليا العاملة في مختلف دواليب الإدارة ، من قضاة ، ومحامين ، وأساتيذ في أسلاك التلعيم كلّها، وموظفين سامين. وهي المؤسسة التي لم تُقِمْ ميزا ولا حواجز بين التلاميذ والتلميذات ، على الرغم من طابعها الأصيل ، في وقت كانت فيه بعض مؤسسات التعليم العصري تعمد إلى الفصل بين الجنسين. وهي المؤسسة التي استقطبت عددا من الطلبة الأفارقة ، من دول إفريقية شقيقة ، منحتهم فرصة تعلم اللغة العربية ، ودراسة العلوم الشرعية. وهي المؤسسة التي اشتغل فيها عدد من خيرة الأساتيذ المغاربة ، وثلة من الأساتيذ الشرقيين ، من بلاد الشام ، وأرض بابل ، ومصر. وهي المؤسسة التي ضمت بين جدرانها مكتبة الإمام علي العامة ، التابعة لوزارة الثقافة ، فأضفت عليها طابع القلعة العلمية ، التي يؤمها طلاب العلم والباحثون ، من الإقليم ، ومن جهات مختلفة من الوطن ، بل ومن خارجه أيضا ، نظرا لاحتوائها على مخطوطات نادرة ، ومصادر نفيسة في شتى العلوم والآداب ، قبل أن تعيث فيها فسادا الأرضة الحشرية والبشرية…
وطَوال اشتغالي في هذه المؤسسة ، لمدة تجاوزت العقد من الزمن ، سعدت بمرافقة أساتيذ أجلاء ، كانوا مثالا في الجدية ، والإخلاص في العمل ، والتفاني في أداء الواجب ، حتى إنني كنت أستحي من زيارتهم ، المرة تلو الأخرى… ولولا أنني كنت مضطرّا إلى ذلك ، ولولا أنني كنت أستفيد من علمهم ، أكثر مما أفيد ، لاكتفيت بزيارة واحدة ، لثقتي الكاملة في نبل أخلاقهم ، ونقاء ضمائرهم ، وعشقهم الصوفي لمهنة التربية والتعليم… ولا بد أن أخص بالذكر ثلاثة منهم ، ما حضرت دروسهم إلا غادرتها وأنا مطمئن على تحصيل تلاميذهم ، المحظوظين بأخذ العلم بين أيديهم ، والتلمذة لهم. وهؤلاء الثلاثة هم : الأستاذ محمد القاف ، والأستاذ محمد بوبلي ، والأستاذ عبد الله أشن.
فالأول فصيح حتى في عاميته ، عاشق للبلاغة وشواهدها عشقا جعلني أُكثِر من زيارته في حصصها ، لأستمتع مع تلاميذه ، بذائقته الفنية ، وجمالية تحليلاته. وله عشق خاص للورود والأزهار ، حتى إنك إذا زرته وجدت على مكتبه باقة من الورد ، يُحضرها معه كل صباح ، بل إن جذاذات دروسه لا تخلو ، هي الأخرى ، من رسوم ملوّنة لأنواع مختلفة من الورود يزيّن بها ترويستها ، وهوامشها ، وفراغاتها ، تماما كما يفعل التلميذ المجتهد الذي يعتني بدفاتره عناية فائقة… وعندما زرته في آخر سنة من عمله ، قبل إحالته على المعاش ، وجدته يفيض حيوية وحماسا ، كما لو استلم مهمة التدريس قبل شهر واحد فقط… كانت حصة خاصة بتصحيح أحد الفروض المحروسة ، فرتَّب تلاميذه بحسب الاستحقاق ، واستخرج لكل سؤال النسبة المائوية للإجابات الصحيحة ، والنسب المائوية للعلامات التي حصل عليها التلاميذ ، ثم بدأ بتصحيح الأخطاء العامة والمشتركة ، قبل الانتقال إلى تصحيح الأخطاء الفردية… ولكَم وددت ـ ساعتئدٍ ـ لو حضر معي بعض الأساتيذ الشباب ، الذين تسرّب إليهم الملل في سنتهم الأولى من العمل ، وشعروا بالتعب وهم في بداية تجربتهم ؛ ليأخذوا العبرة من دروس أستاذ مشرف على التقاعد ، مقبل على المعاش ، يؤديها بحماسِ مَن هو في عنفوان الشباب ، وبإخلاص العاشق لمهنته ، وبصبر المؤمن بنبل رسالته… وعجبت له إذ قضى الحصة كلها واقفا ، يتنقّل بين الصفوف ، يساعد تلاميذه على التصحيح ، ويراقب ما يكتبون ، بينما يقضي بعض الأساتيذ الشبابِ حصصَهم كاملة قاعدين خلف مكاتبهم ، لا يغادرونها إلا للخروج من الفصل…
والثاني حباه الله من الهدوء والطيبة ما يغبطه عليه الكثيرون ، وحياءً قلما تجده في غيره من الأساتيذ ، وقبولا يجعله محبوبا لدى زملائه وتلاميذه على السواء… فإذا حدثتَه خرس ، وإذا حدثك همس… في صمته حكمة ، وفي حديثه نعمة ، وفي دروسه جو من السكينة ، يوحي لك بالخشوع والطمأنينة ، حتى إن تلاميذه ليُجلّونه ويُكْبِرونه ، فيبدو بينهم كالشيخ وسط مريديه ، أو كالوالد بين بنيه… إذا ابتسم ابتسم بمقدار ، وفي المواقف التي تدعو إلى ذلك ، ثم عاد إلى جده ووقاره… فصيح في لغته ، دقيق في ألفاظه ومفرداته ، منطقي في تحليلاته وانتقاء حججه وبراهينه ، مهذب في توجيهاته وملاحظاته ، تربوي في تعامله مع تلاميذه ، منضبط حدّ الصرامة في احترام أوقات العمل ، وإنجاز المهمات الموكولة إليه…
والثالث أصغرهم سنّا ، لكنه ليس أقلهم جدية وحماسا وعطاء… تشعر حين تحضر دروسه أنها تمرّ في سلاسة عجيبة ، بلغة عربية فصيحة ، وتناغم تام بين الأستاذ والتلاميذ ، الذين يندمجون في مختلف مراحل الدرس اندماجا يُثلج الصدر ، ويعطي مؤشرا إيجابيا على مستوى التحصيل لديهم… تُحِسّ أنه مهووس بمهنة التدريس ، مسكون بحب تلاميذه ، مفتون ببلوغ أرقى درجات الأداء في مهنته… يُحسِن الإصغاء ، كما يحسن الحديث… ومن صفاته الجميلة أيضا حياؤه الذي يجعل حمرة تعلو محياه ، كلما حدثتَه ، فلا يرفع إليك عينيه إلا على استحياء ، ولا يقاطعك البتّة إذا كنت تتحدث… فإذا أخذ الكلمة أوجز وأبدع ، وأقنع وأمتع…
ولكَم وددت لو تشَبَّع كثير من الأساتيذ الشباب بصفات هؤلاء ، وتمثلوا خصالهم ، واقتدوا بها في عملهم ، ليبلغوا نصيبا مما بلغوه من مكانة في مجال التربية والتعليم ، واحترام وتقدير بين زملائهم ، ولدى رؤسائهم ، على اختلاف مستوياتهم… ويكفيهم فخرا أن اقتراحاتهم لموضوعات امتحانات الباكالوريا ، كانت دائما محل ثقة من قِبل اللجان المشرفة على تلك الامتحانات في الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بمراكش ، وكثيرا ما تمّ اختيارها دون غيرها من الاقتراحات الأخرى لجدتها ، وجديتها ، واحترامها الدقيق للمعايير المحددة ، ومناسبتها لمستوى المترشحين… وكثيرا ما حصلوا على شواهد الاعتراف والتقدير والتنويه من تلك الأكاديمية…
اقتصاري على ذكر هؤلاء الأساتيذ الثلاثة لا يقلل في شيء من قيمة الأساتيذ الآخرين ، سواء في هذه المؤسسة ، أو في غيرها من المؤسسات الأخرى ، ولكنني اخترت أن أذكرهم بالاسم ، وأنوِّه بالصفات ؛ لأنهم كانوا يبعثون الأمل في نفسي ، كلما ضاقت بي السبل في دروب المراقبة التربوية ، أو صادفت حالة من الحالات التي تبعث على القلق ، أو احتجت إلى إعطاء المثال بالأستاذ الناجح ، والمدرس الكفء ، والمربي الخبير… ولئن ذكرتهم كذلك ، فمن باب التمثيل لا الحصر ؛ لأن الكثير من مؤسسات تارودانت كانت محظوظة بأساتيذها في مادة اللغة العربية ، حتى إن بعض مفتشي المواد الأخرى كانوا يغبطوننا على ذلك ، عندما يعدِّدون حالات الضعف واللامسؤولية التي رصدوها لدى الأساتيذ في مقاطعاتهم…
وللطاقم الإداري في هذه المؤسسة أيضا مكانة خاصة في نفسي ، بدءا بالمدير ، ومرورا بالناظر ، والحراس العامين ، والمعيدين ، وانتهاء بالأعوان… توطّدت علاقتي بهم في مناسبات كثيرة ، ولا سيما خلال إجراء امتحانات الباكالوريا ، حيث عُيِّنْتُ فيها ملاحظا أكثر من مرة… فسعدتُ كثيرا بتلك الفترات التي قضيتُها بين ظهرانيهم ، استمتعتُ فيها برفقة طيبة ، ووقفتُ خلالها على الاحترام المتبادل بينهم ، والتكامل الذي يتحقق بتعاونهم ، والتزام كل واحد منهم بالمسؤوليات الموكولة إليه… كانوا مثل خلية نحل ، يقوم كل عنصر فيها بالدور المنوط به ، بشكل منسجم مع الأدوار الأخرى ، ما يجعل وقائع الاختبارات تمر في سلاسة ومرونة ، ودون أخطاء أو مشاكل… ولعلّ ما سهّل على الطاقم الإداري القيام بمهامه بيسر وسهولة ، عدد التلاميذ الذي لم يكن يتجاوز الثلاثين في كل فصل ، أو أقل أحيانا… وتلك ميزة كان يحمدها الأساتيذ أيضا…
ولذلك من الطبعي أن يكون التلميذ الذي ينشأ ويتعلم في هذه الأجواء ، متّسما هو أيضا بالتميّز والاجتهاد… فالتلميذ ، في نهاية المطاف ، ما هو إلا بذرة ، إذا وجدت تربة صالحة ، وشروطا صحية ، وجوا ملائما ، نمت ، وأينعت ، وأثمرت… وإن لم تجد شيئا من ذلك فسدت ، وفسد كل ما أحاط بها ، واستند إليها… وفي سجلات هذه الثانوية أسماء كثيرة ، تغنيك عن الاستشهاد على ما أعطته من نوابغ ، في مجالات كثيرة ، هم اليوم مصدر فخر لها ، ولمدينة تارودانت عامة…

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.