اليوم الأربعاء 21 أغسطس 2019 - 6:18 مساءً

 

 

أضيف في : الثلاثاء 2 أبريل 2019 - 5:49 مساءً

 

حديث مع الصورة : إثنوغرافية اجتماعية… الحمام الروداني نموذجا-ج2

حديث مع الصورة  :  إثنوغرافية اجتماعية… الحمام الروداني نموذجا-ج2
قراءة بتاريخ 2 أبريل, 2019
يقول د. مصطفى بنعلة نقلا عن الحسن الوزان الذي عاش مطلع القرن العاشر الهجري صاحب مؤلف “وصف أفريقيا”، وقد وصف الحمامات ودقق تشخيصها مند زمن غابر: كانت الحمامات تتكون من اربع قاعات الجلسة وهي قاعة الراحة، والبراني وهي القاعة الباردة، والوسطاني وهي القاعة الدافئة، والدخلاني وهي القاعة الساخنة في وسطها صهريج على شكل حوض. كما كانت قاعات الحمام جد مظلمة حتى في النهار وذلك حفاظا على الحياء، ولابأس بإحضار القناديل الزيتية التي تؤمن الانارة ليلا، بينما الزبناء الميسورون يأتون بشماعاتهم، في هذه الفترة ازدهرت بتارودانت معاصر الشمع كصناعة، وسجل التوثيق العدلي بناء يعقوب بن احمد الهلالي معصرة بتارودانت حول فندق الصاغة سنة 971هـ، بينما فاس اكتفت بتجمع التجار في سوق الشماعين؛ يتوفر الحمام التقليدي الروداني كذلك على خدم للغسل، مهمة لازالت مستمرة مند أربعة قرون ، وجود دلاء خشبية كل مستحم له الحق في دلوين ومن اراد أكثر يؤدي زيادة أكبر، وقد استخدمت أيضا بميضآة المساجد؛ ظلت هذه الخصوصية الرودانية تشكل القاسم المشترك بين الحمامات التقليدية والجوامع والمساجد بتارودانت مند الأزل الى حدود منتصف السبعينات؛ يسخن الماء بالأزبال حيث يوجد أشخاص يجوبون المدينة لجمع الأزبال وينقلونها خارج المدينة للتجفيف مدة شهرين أو ثلاث بحسب طبيعتها، كما يستخدم لتسخين الماء الحطب والنشارة والتبن، أيضا وجود حمامات للنساء والرجال ،هؤلاء لهم أوقات دخول معينة تختلف باختلاف الفصول، كما توجد حمامات خاصة بالنساء فقط ، مخابرة الرجل مع زوجته عند الضرورة وهي في الحمام ،كان مكفولا بواسطة زنجية تقوم بمهمة ابلاغ الخبر ونقل الجواب ، الأكل في الحمام والغناء ، وجود حلاقين، يقام حفل سنوي لمستخدمي الحمامات من أجل الحصول على زبناء طول السنة وقد اهمل هذا الاحتفال مند زمن غابر.

عدا الحالة الجسدية التي تستدعي الذهاب للحمام مرة في الاسبوع على الأقل، هناك حالات مرتبطة بالمشاعر الحسية تحدد معنى القصد ومبنى الفهم من طبيعة الاستحمام، “حمام التكسيلة” لإزالة العياء عقب مجهود عضلي متعب وشاق، طريقة تعود للقرن العاشر أشار اليها الحسن الوزان، أما الشخص الذي يؤمن الخدمة فيسمى “الكسّال” ولدى النساء “الطيّابة” مهمتهما دلْـك وفرك الجسد ليستعيد الجسم لياقته والمستحم رشاقته، “حمام التكميدة” يستحب مباشرة عقب التعافي من الوعكات الصحية كنزلة البرد لإزالة أردان الضّنى والسقم ، “حمام التدويشة” نستحضره في حالتين، الأولى من أجل الطهارة البدنية التي تُحتّمها الضرورة الشرعية، لجواز أداء الشعائر التعبدية كالصلاة أو الصوم. قد يكون أيضا استثناء يستدعيه احساس التخلص من الأردان المقززة كالعرق صيفا أو بعد مجهود بدني أو نشاط رياضي، “حمام الترطيبة” هو استحمام خاص بالنساء، يدخل ضمن التحضيرات الاعدادية وتقاليد رودانية لحضور أفراح عائلية أو تلبية دعوة مناسباتية، كالأعراس والعقيقة والختان والسكن الجديد، حفلات حضور تكتمل فيها تصفيفة الشعر بخيط الروح وعقد المشبوح، وأقراط لويس، ويكون للنساء مطلق الحرية لإسدال شعرهن وابداء زينتهن في اطار خصوصية حميمية مغلقة لا وجود فيها لذكر بما فيه الأطفال، بعد تغير الأزمان وتبدل الأحوال لمسايرة العصر وربح الوقت، تحولت العملية من مكانها الأصلي وهو الحمام التقليدي الى صالونات الحلاقة العصرية الخاصة بالنساء، ودخلت في العملية مستحضرات تجميل صناعية كيماوية وأضرارها البليغة اللاحقة، ومعدات كهربائية لكيّ الشعر رغم مساوئها الجانبية مع تكرارها، بينما خلطات الأعشاب الطبيعية ولوازم الحمام التقليدية التي كانت تباع في سماط العطارين – زنيقة الدجاج- تجاوزها الوقت وأمست ذكريات خبر كان عن أمهات وجدات زمان.

مند زمن بعيد في التاريخ المحلي الروداني يعود الى مطلع العقد الرابع من القرن الماضي، ذكر لي الحاج العربي كنزي عن زفاف شقيقته البكر من احد وجهاء تارودانت منتصف الأربعينات تقريبا، وفي اطار استكمال مظاهر التقاليد المرعية للأعراس الرودانية، ثم كراء حمام سيدي وسيدي بمبلغ 150 ريال على ان يكون تموين حطب التدفئة على عاتق أصحاب العرس، ما كلفه، كونه بكر العائلة ، عناء ومشقة نقل أحمال حطب شجر الأركان بالجرابيات/ شواري على ظهر الأثان/انثى الحمار من ايت اعزا الى حمام سيدي وسيدي، وبالرغم من الأمطار الغزيرة يومئذ، لم تكن لتعرقل حفلة الحمام التي تكتمل بها بهجة الفرح ؛ استمر بعد ذلك احياء هذا المشهد كاحتفال تكميلي ضمن الامتداد الزمني لطقوس العرس الروداني الأصيل ،وكنت شاهدا بالسماع احد أوجه تجلياته بعد 30 سنة مما ذكر لي، أي منتصف عقد السبعينات تقريبا وزواج مولاي أحمد – ش ، الابن الوحيد وسط البنات لأحد الملاك الرودانيين من ابنة أحد الشرفاء الكراميين/ كاف معقودة، وتم كراء حمام أقنيس الذي وقع عليه الاختيار بالإجماع بعد مشاورات نسائية، لكونه ويعتبر نموذج “حمام السوق” التقليدي بهندسة مدنية عصرية افتتح حديثا، تم الاتفاق مع مستغله من الأحباس مقابل 150 درهما من عصر يومه الى صلاة العشاء، علما ان ثمن الاستحمام للعموم يومئذ درهمين للكبار ودرهم للأطفال، ليتم بعد ذلك توزيع الأدوار بين النساء المساعدات للقيام بالاستعدادات التحضيرية من قبيل التنظيف الجيد لمجموع الحمام، وتعطير مرافقه بعود الصندل، وحجز زاوية العروس، وتكليف فريق السخرة من العازبات اللائي سيكن في خدمتها بإشارات اليد وايماءات الرأس منها من دون الكلام، وغيرهن لتحضير وجبة العشاء التي تقدم في براح جلسة الاستراحة/الكلسة، تعد بالأزر المبخر المحلى بالسكر الصقيل والقرفة، يرفق بالحليب الدافئ المنسم بنكهة السرمق من فصيلة أعشاب الصعاتر/المرددوش. للتذكير الأكل في الحمام مما ذكره د. مصطفى بنعلة نقلا عن الحسن الوزان الذي عاش قبل خمسة قرون.

ارتباط الحمام الروداني بهذه المظاهر الاحتفالية، توقف في حدود نهاية السبعينات، لكون الاعداد لها في “حمام السوق” متعب جدا ومرهق كثيرا، أيضا لدواعي الحيطة والحدر من ممارسات شيطانية من قبيل الشعوذة، فتقلص نطاق الاحتفال الاجتماعي الموسع داخل الحمام التقليدي الملقب مجازا “حمام السوق”، الى دائرة محيط عائلي ضيق جدا، يقام في اليوم السابع ببيت احدى العائلتين التي تتوفر على “حمام الدار”، مع تعويض وجبة الأرز بالكسكس، ونفس مضافات المداق الحسي والذوق البصري، وتتشرف بهية الفرح بعد خروجها من الحمام مخفية الوجه كونها أول من يفتتح ماعون “المخفية”. أما عن كناية النعت للتمييز بين الحمامين فمعنى القول ومبنى الفهم لا يستوعبه الا من تقوى ساعده واشتد عظمه ” بخبز دار” عوض “خبز السوق”.

من جانبه صديقنا حجوب شقيق عبد اللطيف شطان، روى لي 2010 تقريبا من ذكريات طفولته مع الحمام التقليدي/التونسي نهاية الستينات، كان والده يجمع لوازم الاستحمام والملابس في قفة سعف النخيل، بينما هو يحمل مجمر “السركُس” وابريق المعدن به طوبة سكر والقهوة وبعض عُروش عشب الصعتر والشيح، وينطلقان من منزلهما الكائن وقتئذ جوار ضريح محمد بن سليمان بمدخل درب الجزارين من جهة أكافي، بمجرد دخولهما حمام التونسي، أول ما يقوم به والده بعض طرح قفة الملابس فوق الحصير، إحضار الجمر في المجمر من “فرنطشي”، ثم يملأ الابريق بالماء من النافورة الشامية التي كانت تتوسط فناء جلسة الاستراحة/الكلسة ويضع الابريق فوق الجمر، مع نهاية استحمامهما تكون القهوة المنسمة قد فاحت رائحتها وملأت أرجاء قبة الجلسة عبقا، فيكون لكافة الحضور نصيب من القهوة المعشقة تنعش الأنفاس المنهكة، ولحظة لتقاسم نشوة الاستحمام وجلسة استجمام ، يسترجع بها المستحم روحه وترد عليه أنفاسه.

سنوات معدودة جدا غير منفصلة عن هذا السياق الاجتماعي للحمام الروداني، ظهرت نماذج حمام بمواصفات عصرية كسرت نمط عرف التقليد في شكل البناء وجوهر العملية، حمام به غرف فردية لها أبواب ومجهزة بأنابيب الماء الساخن والبارد ورشاشة تفي بالغرض في عين المكان/الغرفة درئا لعناء التنقل المتكرر لغرف الماء الساخن، ما أعطانا مستنسخ حمام سمي “دوش”، يحيلنا على عدة افتراضات انشائية فرضتها المتغيرات الزمنية المرتبطة بالتحولات المجالية والاجتماعية، الفرضية الأولى هو نسخ نموذج ظل متواجدا بميضآة مساجد تارودانت في شكلها القديم، والذي يحتم تواجد مراحيض للاستنجاء ومثلها عددا لطهارة الاغتسال جوارها؛ في الثمانينات من القرن الماضي هدمت جميع مساجد الأحياء ليعاد بناءها بالخرسانة، حينها تم الاحتفاظ بالمراحيض، فيما معزل الاغتسال ألغي بعدما تحول بحكم عرف عوائد الاغتسال إما “بحمام دار” أو “حمام السوق”، الفرضية الثانية الحفاظ على الخصوصيات الشخصية التي تمليها القناعات الدينية لدى شريحة عريضة من المستحمين، وكان أول نموذج بتارودانت – مالم أخطأ- هو دوش الساحلي أو دوش سيدي حساين 1970، والثاني دوش المركب الحبسي أقنيس 1980، والثالث دوش أولاباس بباب ترغونت، والرابع دوش شواري بمجمع الأحباب 1990. يتبع ج3

كل عام وتارودانت بألف خير

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.