اليوم السبت 24 أغسطس 2019 - 1:40 مساءً

 

 

أضيف في : الأحد 11 أغسطس 2019 - 11:35 مساءً

 

خواطر الحنين الى القبيلة .. ج2- شيخ القبيلة وعيد الأضحى

خواطر الحنين الى القبيلة .. ج2- شيخ القبيلة وعيد الأضحى
قراءة بتاريخ 11 أغسطس, 2019

الحياة في القبيلة يوم عيد الأضحى ليست كما هي عليه خلال الأيام العادية ، فللقبيلة عادات وتقاليد على شيخ القبيلة أن يمتثل لها وأن يسهر على حمايتها في نفس الآن ، ففي قانون القبيلة لا أحد فوق القانون .
شيخ القبيلة الذي يقوم من نومه قبل صلاة الصبح بساعة على الأقل يكون قد ارتدى أفخم زي له بمناسبة العيد ؛ الجبة والبدعية أو القفطان والسلهام والعمامة البيضاء (الكرزية ) ، وفِي قدميه بلغة صفراء أو بيضاء ، وبيده بردة إو عصا طويله يستعملها للاتكاء عليها خلال المشي لأنها تدخل من صميم عادات القبيلة .
مباشرة بعد صلاة الصبح تشرع وفود المهنين بيوم العيد وهم عادة سادة العشائر وقادة الجند وحكماء القبيلة يتقاطرون على خيمة الشيخ ،الذي يستقبل الجميع واقفا وهم يصافحونه ويقبلون كتفه تعظيما واحتراما ، ما ان يجتمع الكل بخيمة الضيوف ، حتى يشرع امام القبيلة في تقديم موعضة خفيفة أمام الحضور يذكر فيها كل ما أمر به الله ورسوله المسلمين من وجوب الأخوة والتضامن بين المسلمين والحث على محاربة الأعداء والاستعداد الدائم للفتوحات ، ثم مايلبت أن يؤكد على التآخي والتسامح بين ابناء القبيلة ، فلا يجوز للمسلم أن يقاطع أو يخاصم أخاه فوق ثلاثة أيام ، دون أن ينسى الإشارة الى القوانين التي سنتها القبيلة في هذا الباب ، ومن شرفة بإحدى زوايا الخيمة يتم ابلاغ شيخ القبيلة بأن الفطور قد أصبح جاهزا ، فيومئ للفقيه بالختم ، بعد تناول السادة الفطور ،يكون أحد أعيان القبيلة قد أبلغ الشيخ بأن الاستعدادات قد اكتملت لبدئ صلاة العيد ، وقد اعتاد أفراد القبيلة بعد صلاة العيد ألا يذبحوا أضاحيهم الا بعد ذبح شيخ القبيلة لأضحيته التي عادة ما تكون كبشين أقرنين أملحين .

يوم العيد في القبيلة هو يوم فرح وسرور وابتهاج وتهاني وتبريكات وتسامح وتزاور ، ولا يسمح بأن تبقى أسرة واحدة بلا أضحية ، ففي هذا اليوم تتجلى كل معاني الأخوة في الله والتضامن والإثار ، والإستثناء هنا في هذا اليوم ممنوع ، فالفرحة عامة ومشتركة وقد أوكل مجلس القبيلة مهمة مراقبة هذه الأمور لمجلس الحكماء الذين يحصون كل صغيرة وكبيرة ،حتى تبقى أواصر القبيلة متينة وقوية ، وفي هذا اليوم قد لا يلبس الرجال الملابس الجديدة ويكتفون بما عندهم ، لكن النساء والأطفال والشبان والشابات ، فلباس الجديد أمر لا غنى عنه .

للعيد عند نساء القبيلة طعم خاص ،فهن العفيفات الجميلات والمحترمات والمبجلات وويل لمن يتجاوز حدوده معهن ولو بنظرة طائشة ،والاستعدادات ليوم العيد تبدأ عندهن بيومين أو ثلاثة ، فقبل يوم العيد تخصص كل امرأة يوما للاستحمام و يوما للحناء ، حيث تنقش السيقان والأيدي بالحناء الوردية وتطلى بمواد طبيعية أخرى بعد جفافها كي تصبح ناصعة الألوان وتطفي على المرأة جمالا فوق جمال ، ليس هذا فحسب فإلى جانبها يستعمل الحركوس في أماكن مختلفة من الجسم لأن له تأثيرا سحريا على الأزواج ، ولا تقوم السيدة من مكانها بعد إتمام نقش الحناء الذي استغرق يوما كاملا الا بعد أن يحضر لها السيد ، الشربيل السقلي(بلغة أو ريحية مذهبة ) وطبق من الفواكه الجافة المختلفة ويقبلها على جبينها قبلة تلخص لها وفاء الزوج وعشقه الدائم لها ، فتطلق الوصيفة زغروطة عالية ترد عليها طيور الخيمة وما يحيط بها ، وبعد ان تعد الوصيفة سينية الشاي ، يجتمع باقي نساء الخيمة للغناء وشرب الشاي ، أما الفتيات اليافعات فيكتفين في هذا اليوم بنقش الحناء على أيديهن .
أغلب لباس النساء الشابات المتزوجات في يوم العيد ؛هو قفطان الحرير أو الملف الساطع الألوان ، وعلى الرأس خمار أحمر مزركش تتدلى منه خيوط حريرية هيفاء رقيقة ، وفوقه مشبوح وهو خيط من حرير أو صوف أسود ناعم وقد انتظمت به قطع من الفضة أو الذهب ، فيشد الى الخلف بينما القطع المعدنية المتناسقة تتدلى فتعطي للجبين والوجه لمعان وبهاء وجمال لا يقاوم ، أما المعاصم والأصابع فقد زينت بالأساور والدمالج والخواتم ، وفِي الأرجل المزركشة بالحناء قد ارتدت شربيل الصقلي وحول كواعب الأقدام التفت خلاخل من ذهب فتعطي لمشية السيدة ذهابا وإيابا إيقاعا موسيقيا الى جانب كونها قد أصبحت تحفة تشد أنظار الزوج الذي يتحول من سيد الى خادم مطيع .

شيخ القبيلة في يوم العيد يحرص على ملازمة المسجد الكبير للقبيلة في كل الصلوات وذلك حتى يتسنى له مصافحة أكبر عدد من أبناء القبيلة ، دون أن ينسى تذكير رؤساء العشائر على الاهتمام بفقراء القبيلة الذين يجب يأخذوا نصيبهم من فرحة العيد سواء الذين يعيشون مع أسرهم أو الذين يعيشون في خيم المساكين . لكن مع ذلك فشيخ القبيلة الذي يجمع بين وظيفة السيد والأب في نفس الوقت ، فهو لا ينسى أمر الجند وكل من وكلت لهم أمور حماية القبيلة ، اذ يسهر بنفسه على تقسيمهم الى فئتين ،واحدة تمضي العيد مع الأبناء والأهل في يوم العيد وأخرى تبقى في مواقع الحراسة ، وفِي ثاني يوم العيد تلتحق الأولى بالعمل وتعود الفرقة الثانية للقبيلة للاستمتاع بأجواء العيد مع الأهل ، كل هذا ورغم أجواء الفرح بالعيد فاليقضة والتعبئة العامة تبقى في قمتها تحسبًا لأي هجوم للأعداء على القبيلة .
يوم ثالث العيد يوم الفرح الكبير ففيه يقيم أبناء القبيلة أفراحا شعبية تستحضر كل تراث وثقافة وتاريخ أمجاد القبيلة ليتربى النشئ عليها لضمان استمراريتها لأنها تشكل العمود الفقري لهوية القبيلة وتميزها، وفِي هذا اليوم يبرز كل شاب ماعنده من مؤهلات ؛ فنية وثقافية وحربية ، أمام مرأى ومسمع أسياد و نساء القبيلة وفتياتها ،فتعلوا زغاريد الفتيات تلعلع في سماء القبيلة لتبدد صمت ليلها الذي أتتت مشهده وفضاءه ليلة الفرح الكبرى هذه ، تشجيعا واستحسانا لكل عمل استأثر باهتمامهن ، وياسعد من زغردت له النساء ، والممتع في مثل هذه الليالي أنه كثيرا ما يكون هذا اليوم هو ميلاد قصة حب بين شاب وشابة يشهد عليها الكل ، فلا تكون الخاتمة في الغالب الأعم الا بالزواج .(يتبع)
أحمد الحدري المغربي

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة تارودانت نيوز تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة مجلّة ووردبريس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

شروط النشر: ان جريدة تارودانت نيوز تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح مجلّة ووردبريس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.